قيصر واشنطن يسبق خصومه بخطوات!!-3- | بقلم علي الهماشي

ما تم استعراضه في الجزء الثاني يبيّن أن الرئيس ترامب قد جرّد المؤسسة من سلاحها المالي، وحاصر أعضاء الكونغرس الذين يعتمدون على مشاريع تُنفق عليها الدولة لضمان الولاءات وتحقيق مصالح مختلفة. ولا أريد هنا إثبات تلك المصالح أو نفيها، لكن عالم السياسة والمصالح يعلّمنا أن لا مشاريع خيرية خالصة، وأن وراء كل مشروع جهة تجني منه فائدة.
ترامب يعرف هذا جيداً منذ أن كان رجل أعمال؛ فقد اعترف خلال حملته الانتخابية عامي 2015 و2016 بأنه قدّم أموالاً لهيلاري كلينتون “لبناء علاقات مع السياسيين خدمةً لمصالحه”، كما قال. فهو يعرف كيف تُدار الأمور في هذا “النظام الفاسد” على حدّ وصفه، ويرى أن تطهيره يبدأ بإيقاف الهدر العام وإيقاف المشاريع التي يعتبرها تجلياً لهذا الفساد.
ولم يسأله أحد وقتها: هل استفدت من هذه العلاقة بمشاريع أو تسهيلات أم لا؟ لكن ما كشفه من مبالغ قدّمها لكلينتون كان صغيراً مقارنة بحجم الحملات الانتخابية الكبرى، كما أن هذا النوع من التبرعات شائع أثناء الانتخابات، وله أثر كبير في توسّعها ونجاحها. وربما تكون التبرعات عُرفاً سائداً في الولايات المتحدة، ولا يقتصر على الانتخابات، فالسياسيون يمتلكون أو يرعون مؤسسات مختلفة تفتح باب التبرع والتمويل للجميع.
وكي لا نذهب بعيداً، دعونا نعود إلى ممارسة الرئيس في الجانب المالي، سلاحه الثالث.
السلاح الثالث: السيطرة على الجهاز التنفيذي
بدأ السلاح الثالث يتشكّل برؤية واضحة؛ فالرئيس الذي خبر هذا “النظام” من الداخل لم يكتفِ بفضح الهدر أو إيقاف المشاريع التي يراها امتداداً له، بل استخدم نفوذه وصلاحياته كرئيس تنفيذي لإعادة ترتيب الجهاز الإداري للدولة. فالبيروقراطية الفدرالية، بما تضمّه من وكالات ودوائر وقيادات موروثة، كانت تمثّل آخر مساحة نفوذ للمؤسسة، ولذلك اتجه الرئيس إلى تفكيك هذا النفوذ عبر التعيينات، والإقالات، وإعادة توزيع الصلاحيات، وتحويل مفاصل حسّاسة من الإدارة إلى شخصيات يثق بولائها وانسجامها مع رؤيته.
لكن هذا “التطهير” لم يكن بريئاً بالكامل؛ فهو في جوهره استخدام للصلاحيات لتوسيع نفوذ الرئيس نفسه. إنه لا يطهّر النظام بل يستبدله بنظامٍ آخر، ودولة بدولة أخرى.
تناقض الخطاب والممارسة
ما كشفه وانتقده خلال حملته الانتخابية الأولى عن تلقي هيلاري كلينتون أموالاً منه عاد هو نفسه لاستخدامه. ففي حملته الانتخابية الأخيرة، ورغم تصريحه بأنه لا يحتاج إلى التبرعات، استعان برجال أعمال كبار، وفتح لهم باب التمويل، ثم منحهم دوراً كبيراً في ولايته الثانية، واصفاً إياهم بـ “الوطنيين” الذين يسعون لرفعة أمريكا.
وكان ثمن هذه التبرعات الكبيرة تسهيلات واسعة في ولايته الثانية، خصوصاً في قطاع النفط، إضافة إلى خفض كبير للضرائب، وإلغاء قوانين بيئية، وغيرها من الإجراءات التي جمعها معارضوه ، وقالوا إنها “ثمن” ما قدمه رجال الأعمال لحملته.
إذلال المؤسسة: إدخال رجل من خارجها
وإمعاناً في إذلال المؤسسة التقليدية، جلب ترامب رجلاً من خارجها للقيام بالتدقيق والمراقبة والتقليص إنه (إيلون ماسك).
وهذا بحد ذاته إعلان عن أكبر تحالف سياسي–مالي في تاريخ الولايات المتحدة، إن جاز التعبير؛ تحالف جمعته المصالح والرغبة في الانتقام لدى الطرفين .
ترامب شرحنا موقفه.
أما ماسك، فهو الرجل الذي جرحته الليبرالية في عائلته؛ إذ تحوّل ابنه إلى بنت وامتهنت عرض الأزياء. لم يخف ماسك امتعاضه وسخطه من هذا الأمر، وزعم أنه “خُدع” للتوقيع على وثائق الرعاية الطبية المؤكدة للجنس عندما كانت ابنته قاصراً، مدعياً أنه لم يدرك طبيعة هذه الإجراءات في ذلك الوقت.
ولم يكتفِ بهذا، بل قال إن “ابنه قد مات”، محمّلاً النظام مسؤولية ذلك. جاءت الفرصة للانتقام مع رئيس يخالف المفاهيم التي تروّج لها الليبرالية. ولا أريد حصر التحالف بهذا التوجه فقط، أو دفع القارئ للتعاطف مع دوافعه، فهي بالتأكيد ليست كل الدوافع.
وغير خاف على أحد إنَّ ايلون ماسك لايحتاج الى وظيفة ولا يرغب في أن يكون تحت إمرة أحد !!. انها ليست وظيفة انها اعلان لتحالف .
لكن المؤكد أن هذا التحالف يمنح ماسك جناحاً سياسياً يحميه ويوسّع نفوذه، ويدخله عالم السياسة من بوابة رئيس يعيد تشكيل المشهد وفق رؤيته. وهو ما يحتاجه ترامب أيضاً؛ تشابك مصالح لا يتوقف داخل الولايات المتحدة، بل سيمتد إلى خارج الحدود.
ولا يبدو المشهد مفروشاً بالورود؛ فهناك إشارات وتحليلات سياسية تتحدث عن احتمال أن يواجه الحزب الجمهوري اختباراً صعباً في انتخابات النصف القادمة، إضافة إلى أن خصوم الرئيس يبلورون مواقفهم استعداداً لأي تغيّر في موازين القوى. هذا المشهد المتوتر لا يقلّل من خطواته، بل يكشف أن الصراع ما زال مفتوحاً، وأن كل طرف يعيد ترتيب أوراقه تحسباً للجولة التالية.
لكن ما أراه مضي ( القيصر ) بخطوات تسبق خصومه، كما فعل في كل المراحل السابقة.
لمن يود الاطلاع على الأجزاء السابقة:
قيصر واشنطن يسبق خصومه بخطوات!!
قيصر واشنطن يسبق خصومه بخطوات!! -2-




