الاحدثالشرق الاوسط

نعم هي أجواء 1967!، ولكنها لن تطول !! | بقلم علي الهماشي

كنت أقرأ كثيراً عن نكسة حزيران 1967، وما تلاها من أحداث مثلت خيبة أملٍ للعرب، مع غطرسة للكيان و فرض الأمر الواقع بالقوة، وبتكريس من قبل الأمم المتحدة، ومجلس الأمن كذلك.

كما إنَّ المنظومة العربية الحاكمة أنذاك لم تستطع أن توقف الأمر أو تملك خيارات المناورة، ولم تكن هناك إرادة للتغيير، واستمر لنهاية العقد، وتغير الأمرُ بعد حرب تشرين 1973، ومرت المنطقة بتغييرات عديدة وسريعة مع بداية العقد الثامن حتى نهاية القرن العشرين.

ومع بداية الألفية الثانية برزت قوى أُخرى، وكنا قد وصلنا الى نوعٍ من التوازن (الردعي )، لكن كان مسارً آخر موازي وهي عمليات تطبيع وصلت إلى ( مرحلة التطبيع الاجتماعي ) وصولاً إلى صفقة القرن و الترويج لاتحاد الديانات الثلاث تحت مسمى الديانة الإبراهيمية.

قبيل طوفان الأقصى :

كان (الخريف ) أو الربيع العربي الذي روجت له الجزيرة القطرية سبباً لا في إنهاء الأنظمة العربية فحسب بل بتمزق النسيج الاجتماعي للبلدان العربية سيما مصر تونس اليمن و سوريا، وأنهت مفهوم الدولة الواحدة بطريقة أو بأخرى، وقبلها كان الغزو الأمريكي للعراق أثره في إنهاء مفهوم الدولة بشكل أو بآخر، والنتيجة كانت واقعاً جديداً في المنطقة يخدم الدولة العبرية في العمق ويقوض قدرات الجيوش العربية إلى المستوى الذي لا تستطيع فيه الدفاع عن أراضيها وبالتالي لا تستطيع أخذ زمام المبادرة في هجوم استباقي.

إنَّ عملية (طوفان الأقصى) كانت تهديداً أمنياً كبيراً للكيان هز العالم الغربي برمته واستنفرهم من أجل (انقاذ) الكيان مما جرى وهذا ما بدا للوهلة الأُولى، وتم تحشيد العالم الغربي كله مع بعض المنظومة العربية الحاكمة وإن كان على شكل إدانة ضد هذه العملية بزيارات لوزير الخاجية الأمريكية السابق (بنكين ) كانت وكأنها إملاءات لمواقف تطلبها الإدارة الأمريكية ترضي حكومة الكيان.

ماذا بعد طوفان الأقصى :

يُقال إنَّ الاحداث الامنية الكبرى تكون نقطة تحول في الواقع السياسي والأمني للبلدان وربما تمتد إلى أبعد من حدود هذا البلد، وهذا ما انطبق على عملية طوفان الأقصى، كما جرى بعد حادثة 11/9 في الولايات المتحدة، حيث استغلتها الدولة العميقة بشكل كبير وقسم الرئيس الأمريكي الأسبق إلى عالمين عالم مع أمريكا وعالم الشر، وكل ماجرى بعدها جعلنا نُشكك في أصل العملية..
من البديهي أنَّ المحلل السياسي وكذلك المؤرخ الموضوعي لا يقرأ السطور المكتوبة فقط، ويرى الأحداث الظاهرة على السطح، وإنما يبحث في الواقع قبل وأثناء وبعد الأحداث، وإلى الأحداث القريبة والبعيدة، ومن ثم يفك الألغاز للوصول إلى نتيجة مقنعة.

وبما أنَّ النتائج تسير وفق مخطط مرسوم كما صرح نتنياهو، وهو شرق أوسط جديد فهذا لا يعني أنَّ ذلك كله رد فعل بل هو تخطيط مبرمج، أو على الأقل النوايا والتخطيط لها كانت محضرة مسبقاً، ولم تُنشأ بعد طوفان الأقصى..

وسيناقش المؤرخون والمحللون ذلك بعد أنْ ينتهي (الطوفان الصهيوني)، كما ظهرت دراسات عديدة بعدما انتهت نتائج التحركات العسكرية الامريكية بعد هجمات أيلول في 11/9/2001 ومن يقرأ الهجمات الصهيونية على لبنان سوريا العراق اليمن وإيران و من ثم قطر المصنفة صديقة وحليفة عند أجهزة الكيان الصهيوني، و هي مَن فعلت الكثير للترويج الى تعايش بين الكيان والعرب منذ إنشاء فضائيتها الجزيرة في منتصف التسعينيات من القرن الماضي.

نتائج حرب نتنياهو :

كنت قد كتبت في مقال سابق إن نتنياهو خطر على السلم العالمي، وربما يجازف بمستقبله السياسي لكنه يفلت من مأزق الى تفجير أزمة جديدة، بطريقة الهروب من المأزق السياسي الى أحداث عسكرية كبيرة كما هي محاولته الاخيرة لاغتيال قادة حماس في قطر..

وهي ضمن محاولاته في تسجيل نصر له تسكت مناوئييه في الكيان الذين يتوحدون في القتل ولكنهم يختلفون في التفاصيل أو في طريقة قتل العدو.

وقبيل طوفان الاقصى كانت حكومته مهددة بالاقالة وكان هناك انقسام في الشارع لديهم لم تشهده الأراضي المحتلة منذ التأسيس 1948، وجاء (طوفان الأقصى ) لتوجه الشارع كله ضد التهديد للأمن القومي اليهودي، الوجودي حيث تم الترويج لأفلام سربت أو لُفقت لعمليات قتل، وغيرها من الأمور ضمن عمليات طوفان الأقصى كانت مادة لخطاب الرئيس الأمريكي السابق بايدن وبقية الزعماء الغربيين.

لذلك تم التبرير والتغطية لحرب الإبادة على غزة، ومن ثم الترويج لغلاف أمن للكيان لم يُحدد مداه ولكن العمليات الحربية تبين أنها تشمل الشرق الأوسط كله، وقد تصل إلى الباكستان في حلم تدمير المنشآت النووية لهذه الدولة البعيدة جداً عن فلسطين، وتعيد الكرة لعملية تم تأجيلها قبيل البدء فعليا بمشروع باكستان النووي في منتصف القرن الماضي، وقد نجا كذلك علماء الباكستان من عمليات الموساد لاختفاء أسمائهم أو لأنهم كانوا مقيمين في دول أوروبية ولم يرتبطوا مباشرة بالبرنامج أنذاك.

نعود لأجواء المقاربة بين الواقع الحالي وأجواء المنطقة في1967 ما يمكن تسجيله هو تفوق الكيان الصهيوني وانهاء الجبهات المعادية له سيما في لبنان وسوريا الى ما شهدته حرب الـ12يوم من هجمات تدميرية على إيران مركز محور المقاومة والتهديد الأكبر للكيان، وكانت هذه الهجمات بمشاركة واضحة للولايات المتحدة الأمريكية، جعلت المنطقة تُسجل واقعاً جديدا هو تفوق الآلة العسكرية الصهيونية من جديد.

وكما كان التفوق في حرب حزيران سنة 1967 و ما بعدها نرى أنَّ كل الدول تحاول الابتعاد عن المواجهة سيما وأن الإدارة الأمريكية الحالية لم تعد تخفي أو تقف على الحياد او تكون الراعي للسلام بل تحول الخطاب بصورة كلية الى دعم وترسيخ التفوق الصهيوني وفرض شروط نتنياهو في أنْ يكون الفاعل الأوحد في الشرق الأوسط الجديد، فلا يريد انْ يكون شرطي المنطقة لصالح قوة كبرى بل الحاكم الوحيد في الشرق الاوسط هيمنة اقتصادية سياسية خلفها هيمنة وغطرسة عسكرية لا يردعها شيء.

ولكن ذلك لا يطول إطلاقاً كما جرى بعد حرب حزيران 1967 عاد العرب في تشرين 1973 بحيث لم يكن هناك مؤشر للنصر فالأجواء مليئة بالخيبة والحسرة لما حلَّ بالعرب، ولكن عاد الأمل، وبدأت ملامح مقاومة تظهر في الافق، فمن واقع معاناة وشعور بالمرارة والهزيمة، إلى وقوف وصمود ونصر جديد.

وهكذا الحال الآن، وإنْ تتعالى الآهات والتساؤلات متى نصر الله { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب}، فالنصر قريب، والحربُ سجال، وتطوى معركة، وتبدأ أُخرى،هكذا هي الأحوال في معارك الأُمم، ومعارك الفكر وتصادم القوى.

قد تكون هذه الظروف اكثر شدة على الواقع لكن هذه الشدة لن تبقى ولن تستمر،هكذا تتحدث السنن التاريخية ولن تتوقف الحالة على حالة واحدة، ماجرى قد يعيد أصحاب القرار الى جادة الصواب وعدم الإنتفاخ وعدم التراخي، وسيتغير الحال لا محالة.

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي مواليد بغداد، له كتابات سياسية عديدة في الشان العراقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى