الاحدثالشرق الاوسط

واشنطن تهدد بغداد بـ “الخيار النووي” المالي | كتب أكرم بزي

​تواجه العاصمة العراقية بغداد في هذه الأيام من كانون الثاني ٢٠٢٦ واحدة من اعقد الازمات السياسية والمالية منذ سنوات، حيث تتقاطع طموحات القوى السياسية الداخلية مع الحسابات الجيوسياسية الدولية الصارمة، وقد شكل اعلان الاطار التنسيقي ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء نقطة تحول دفعت بالادارة الأميركية إلى اشهار سلاحها الاكثر فتكا وهو “السيولة النقدية”، اذ ترى واشنطن في عودة المالكي تجسيدا لعودة النفوذ الايراني المطلق إلى مراكز القرار السيادي، مما دفعها إلى الانتقال من لغة التلميحات الدبلوماسية إلى التهديد الوجودي بقطع شريان الدولار الذي يغذي الاقتصاد العراقي المعتمد كليا على مبيعات النفط.

​ان الخطورة في هذا التصعيد تكمن في آلية تزويد العراق بالعملة الصعبة، حيث يعتمد البنك المركزي العراقي على شحنات نقدية فعلية تنقلها طائرات خاصة من البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهذه الشحنات هي التي تضمن توفر السيولة اللازمة لتمويل التجارة الخارجية ودفع رواتب ملايين الموظفين، والتلويح الاميركي بوقف هذه الرحلات لا يعني فقط انخفاضا في قيمة الدينار، بل يعني شللا تاما في مفاصل الدولة، وهو ما تصفه الدوائر الاقتصادية بانه عملية خنق ناعمة تهدف إلى ارغام صانع القرار العراقي على الاختيار بين الانتحار المالي او التراجع عن الخيارات السياسية التي لا ترضى عنها واشنطن.

​وتشير التقارير إلى ان ادارة ترامب وضعت قائمة طويلة من المطالب التي تصفها بالخطوط الحمراء، وعلى راسها تقليص نفوذ الفصائل المسلحة داخل مؤسسات الدولة واقصاء الشخصيات التي تعتبرها واشنطن “وكلاء” لطهران، ويبرز في هذا السياق اعتراض واشنطن الشديد على وجود كتلة برلمانية وازنة ترتبط مباشرة بمحور المقاومة، اضافة إلى تغلغل قيادات سابقة في فصائل مسلحة في مناصب رفيعة داخل الهيئة الرئاسية للبرلمان، وهذا التشدد الاميركي ياتي في وقت يحاول فيه المالكي تقديم صورة مغايرة عن ولايتيه السابقتين، من خلال الحديث عن الانفتاح على المجتمع الدولي وتفعيل اتفاقية الاطار الاستراتيجي، الا ان هذه الوعود تصطدم بجدار من عدم الثقة في البيت الابيض.

​على الصعيد الداخلي، بدات مفاعيل هذا الضغط المالي تظهر بوضوح في الاسواق المحلية، حيث اتسعت الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية بشكل مقلق، مما يعكس حالة من الهلع لدى التجار والمواطنين على حد سواء، فالجميع يدرك ان حسابات العراق في “صندوق تنمية العراق” بنيويورك هي الرهينة الحقيقية في هذا الصراع، وان اي قرار اميركي بتجميد هذه الحسابات او تقييد الوصول اليها سيؤدي إلى كارثة اجتماعية لا تحمد عقباها، خاصة وان الميزانية العامة تعتمد بنسبة تزيد عن ٩٠٪ على عوائد الخام، مما يجعل الدولة العراقية مكشوفة تماما امام اي هزات نقدية خارجية.

​ان التحدي الاكبر الذي يواجه الحكومة المقبلة برئاسة المالكي، في حال نيله الثقة، هو كيفية ادارة هذه العاصفة دون الصدام المباشر مع الحلفاء الاقليميين او الاستسلام المطلق للاملاءات الأميركية، فالشارع العراقي الذي يعاني من ازمات خدمية واقتصادية مزمنة قد لا يحتمل جولة جديدة من عدم الاستقرار المالي، مما يفتح الباب امام احتمالات التصعيد الميداني او الاضطرابات الشعبية، وتظل استراتيجية “الخنق الناعم” التي تنتهجها واشنطن هي السيف المسلط على رقاب السياسيين في بغداد، حيث يتم استخدام ادوات السيطرة المالية لفرض واقع سياسي جديد يهدف إلى عزل العراق عن محيطه الاقليمي الممانع، او على الاقل تحويله إلى ساحة محايدة لا تشكل خطرا على المصالح الأميركية في المنطقة.

الكاتب أكرم ناظم بزي

الكاتب والباحث السياسي أكرم ناظم بزي، صحافي وباحث لبناني، يكتب في الأدب والسياسة والعلاقات الدولية، لديه العديد من الأبحاث والمقالات، وفي الصحافة اللبنانية والعربية، لا سيما في دولة الكويت وهو عضو نقابة الصحافة اللبنانية، وجمعية الصحافيين الكويتية 2002، (شارك قي اعداد موسوعة العلوم السياسية لجامعة الكويت)، وعضو نقابة مخرجي الصحافة اللبنانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى