الاحدثالملف العربي الصيني

تذكر التاريخ وحماية السلام | بقلم ليو لي هوا

يصادف عام 2025 الذكرى الـ 80 للانتصار في حرب المقاومة الشعبية الصينية ضد العدوان الياباني والحرب العالمية ضد الفاشية. لم تُنهِ هذه الحرب الملحمية ظلام السلطات الفاشية فحسب، بل أعادت بالتضحيات الفادحة تشكيل النظام العالمي وأرست أسس النظام الدولي المتمركز حول الأمم المتحدة الذي تعتمد الدول العالمية عليه اليوم.

بدأ الشعب الصيني يناضل ضد الغزو الياباني بشجاعة وتضحيات جسيمة منذ انفجار الحرب قبل 80 عامًا وحقق نصرا عظيما في حرب المقاومة الشعبية الصينية ضد العدوان الياباني التي استمرت 14 عاما، وكان ذلك يمثّل النصر التام في الحرب العالمية ضد الفاشية. كانت حرب المقاومة الشعبية الصينية ضد العدوان الياباني هي أقدم وأطول حرب في فترة الحرب العالمية الثانية، حيث دعمت ساحة المعركة الرئيسية للحرب العالمية ضد الفاشية في الشرق وشكلت عنصرًا حاسمًا فيها بمساهمة تاريخية تقدمها للانتصار. كما حظيت حرب المقاومة الشعبية الصينية ضد العدوان الياباني بدعم واسع من المجتمع الدولي، لا يعني انتصارها نصرًا للشعب الصيني فقط، بل نصرا للشعب العالمي على حد سواء.

تضحيات الصين العظيمة ومقاومتها البطولية
كان الشعب الصيني يعاني من ويلات الحرب قبل اندلاع الحرب العالمية ضد الفاشية رسميًا في عام 1939. أعلن اندلاع حادثة موكدين 18 سبتمبر عام 1931 بداية حرب المقاومة الشعبية الصينية ضد العدوان الياباني وجعل الشعب الصيني يكرس كل جهوده في النضال العظيم ضد غزو العسكرة اليابانية لأكثر من عقد من أجل بقاء الأمة.

إن أهمية الصين في الحرب العالمية الثانية واضحة لا لبس فيها. فقد وفّر نضال الشعب الصيني دعمًا استراتيجيًا حاسمًا لقوات الحلفاء وشكّل أساسًا فعالًا للنضال العالمي ضد الفاشية. لم تقتصر الصين على تقييد الغالبية العظمى من القوات البرية اليابانية وجزء من قواتها البحرية والجوية، مما أحبط تآمر التنسيق الاستراتيجي بين الفاشية اليابانية والفاشيين الألمان والإيطاليين، بل شكّلت أيضًا قاعدة خلفية لقوات الحلفاء في منطقة آسيا والمحيط الهادئ ضد اليابان مقدّمةً دعمًا لا يُقدّر بثمن لدول آسيوية أخرى في طرد الغزاة اليابانيين.

ولكن هذه المساهمات جاءت بثمن باهظ للغاية. نظرًا للتفاوت الكبير في القوة الاقتصادية والعسكرية بين الصين واليابان، قُتل أو جُرح ما يزيد على 35 مليون جندي ومدني صيني في الحرب، وبلغت الخسائر الاقتصادية المباشرة أكثر من 100 مليار دولار، ودُمّرت مدن وقرى لا تُحصى. ناضل الشعب الصيني بدمائه الطاهرة عن سيادته الوطنية وكرامته بالتضحية المأساوية للغاية من أجل النصر النهائي لقضية مناهضة الفاشية في العالم، مسطرا فصلًا بطوليًا في سجل التاريخ البشري.

إعلان الأمم المتحدة في يناير 1942، وإعلان القاهرة في نوفمبر 1943، وإعلان بوتسدام في يوليو 1945… شهدت الصين، بصفتها دولة موقعة على هذه الوثائق التاريخية في الحرب العالمية ضد الفاشية، كيف غزت القوى الفاشية دول العالم، وكيف تأسست الجبهة المتحدة الدولية المناهضة للفاشية رسميًا، وكيف توحدت شعوب العالم لتحقيق النصر في نهاية المطاف في الحرب من البداية إلى النهاية. إن هذا النصر لم يُمكّن الصين من أن تصبح عضوًا دائمًا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بعد الحرب، مُعيدةً بذلك مكانتها كدولة كبيرة في العالم فحسب، بل ساعد أيضًا الشعب الصيني على كسب احترام الشعوب المحبة للسلام في جميع أنحاء العالم.

موقف الصين: الدفاع عن الحقائق التاريخية وحماية النظام السلمي
استفادةً من هذا التاريخ الذي تتشابك فيه المآسي والأمجاد، تتخذ الصين موقفاً واضحاً وحازماً بشأن إحياء ذكرى النصر وحماية السلام.

أولا، تدافع الصين بكل ثبات عن الحقائق التاريخية. فالتاريخ هو حقيقة الماضي ودليل المستقبل. فأي تصرف يحاول إنكار تاريخ العدوان الفاشي أو تحريفه حتى تجميله هو بمثابة تدنيس ملايين الضحايا. وأي تصريح يحاول طمس مسؤولية الحرب، أو تبريئ المعتدين حتى قلب الأحكام المقررة على أعمال العدوان هو بمثابة خيانة للعدالة التاريخية وتحدي للضمير الإنساني والسلام العالمي. تؤمن الصين إيماناً راسخاً بأنه لا يمكن تسوية جرائم العدوان بشكل شامل إلا بمواجهة التاريخ الموضوعي، ولا يمكن تجنب تكرار المآسي التاريخية إلا باستعراض الماضي واستخلاص الدروس.

ثانيا، تصون الصين النظام الدولي الذي يتمحور حول الأمم المتحدة. يُبنى النظام الدولي الحالي الهادف إلى منع تكرار الحرب والتمسك بالسلام على أنقاض الحرب العالمية الثانية. وتظل الصين بصفتها أول دولة وقّعت على ميثاق الأمم المتحدة داعمًا قويًا ومشاركًا فاعلًا في قضايا الأمم المتحدة. إن الالتزام بالنظام الدولي القائم على القانون الدولي يعني الحفاظ على مكاسب النصر في الحرب العالمية الثانية وحماية المستقبل المشترك لشعوب العالم.

ثالثا، تروّج الصين مفهوم التنمية السلمية دائما. لم تُبادر الصين أبدًا بشن حرب أو احتلال شبر واحد من أراضي لدولة أخرى منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام 1949. وتظل الصين تدعو إلى مفهوم الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام لتوفير مسارًا عمليًا يقدر على معالجة العجز الأمني العالمي، وستوفر الصين المتنامية طاقة إيجابية أكبر لتعزيز السلام العالمي. بغض النظر عن مدى تقدم الصين، فإنها لن تسعى أبدا إلى الهيمنة أو التوسع أو الانخراط في مسابقة التسلح، ولا تنوي سوى كون قوة راسخة في خدمة السلام والاستقرار والتقدم في العالم. إن الصين مستعدة للعمل مع كافة الدول من أجل تحقيق السلام الدائم والتنمية في العالم بلا هوادة.

مصر الشاهد: إعلان القاهرة والمعلم التاريخي الخالد
تألقت مصر وعاصمتها القاهرة بنور خاص ومبهر في تاريخ الحرب العالمية ضد الفاشية، حيث عقد قادة الصين والولايات المتحدة والمملكة المتحدة مؤتمرا مهما وأصدروا إعلان القاهرة الشهير عالميًا بعد ذلك. تتمتع هذه الوثيقة بأهمية تاريخية عميقة بسبب كونها أول وثيقة سياسية رئيسية تحدد بوضوح المبادئ والأسس القانونية الدولية لمعالجة اليابان الغازي.

وهكذا، لم تكن مصر الموقع الجغرافي لهذا المؤتمر المهم فحسب، بل شاهدًا حاسمًا أيضا على هذا الحدث التاريخي الذي غيّر مجرى التاريخ. في تلك الفترة، قدّمت مصر كالمركز الاستراتيجي البالغ الأهمية لقوات الحلفاء دعمًا قويًا لعقد المؤتمر بسلاسة ولعبت دورا هاما مجيدا كعضو لا غنى عنه في المعسكر العالمي المناهض للفاشية. ومثّل إصدار الإعلان ارتباط اسم مدينة القاهرة إلى الأبد بالعدالة العالمية واستعادة النظام العالمي، ونسج الإعلان من غير قصد رابطًا تاريخيًا خاصًا وصداقة بين الصين ومصر خلال تلك الفترة المضطربة.

مراجعة التاريخ واستشهاد المستقبل
قد ناضل الشعب الصيني، إلى جانب شعوب العالم المحبة للسلام، ضد عدوان الفاشية بشجاعة وعزيمة راسخة حتى تحقيق النصر العظيم في الحرب العالمية ضد الفاشية قبل 80 عامًا. أما اليوم، رغم أن السلام والتنمية أصبحا موضوع عصرنا بعد 80 عامًا، يكون الوضع العالمي الحالي مقلقا. فعلى الصعيد الأمني، تتكرر انفجار بؤر التوتر الساخنة الإقليمية والصراعات المحلية، وتتشابك وتتداخل التهديدات الأمنية التقليدية وغير التقليدية، مما يزيد من حدة وتعقيد الوضع الأمني الدولي. وعلى الصعيد التنموي، يؤثر تصاعد الأحادية والحمائية على الانتعاش الاقتصادي العالمي، الأمر الذي يجعل مسار التعاون التنموي الدولي يفتقر إلى الزخم، ويضع مسار تنفيذ خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030 في مأزق التأخير. علينا أن نعترف بأن تكون قضية تنمية المستدامة للبشرية تواجه تحديات هائلة الآن.

في الوقت نفسه، تقدم الصين مقترحات الحلول لهذين التحديين المشتركين اللذين يقلقان شعوب العالم. من جهة، طرح الرئيس شي جين بينغ مبادرة الأمن العالمي التي تدعو إلى رؤية الأمن المشتركة الشاملة التعاونية المستدامة وتحترم سيادة جميع الدول وسلامة أراضيها. تصر الصين على الالتزام بمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه، ومراعاة الاهتمامات الأمنية المعقولة لجميع الدول. وتفضّل الصين حل الخلافات والنزاعات بين الدول عبر الحوار والتشاور ساعية إلى الحفاظ على الأمن بشكل شامل في المجالات التقليدية وغير التقليدية. من جهة أخرى، طرح الرئيس شي مبادرة التنمية العالمية لتشجيع المجتمع الدولي على إعادة التركيز على قضايا التنمية العالمية. وقد حظيت الصين بالدعم والمشاركة لأكثر من 100 دولة ومنظمة دولية في هذه المبادرة حتى الآن. بالإضافة إلى ذلك، وقعت الصين اتفاقيات تعاون بشأن البناء المشترك لمبادرة “الحزام والطريق” مع 25 دولة مجاورة وأصبحت أكبر شريك تجاري لـ 18 دولة. تأمل الصين ألا تترك أي دولة أو فرد خلفها، وتثق ثقة راسخة بأن تنمية الصين لا يمكن فصلها عن العالم وازدهار العالم يعتمد عليها أيضاً. وبفضل تضافر جهود جميع الأطراف، نشهد كيفية تطور مفهوم بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية من مجرد مبادرة صينية إلى توافق دولي.

أخيرًا، يهدف إحياء الصين بالمراسم الرسمية المهيبة للذكرى الـ 80 لانتصار حرب المقاومة الشعبية الصينية ضد العدوان الياباني والحرب العالمية ضد الفاشية إلى استذكار التاريخ، وتكريم الشهداء، والاعتزاز بالسلام، وبناء المستقبل، والتمسك بالنظرة الصحيحة لتاريخ الحرب العالمية الثانية، وحشد القوى لحماية السلام. تريد الصين العمل مع جميع الأطراف لتنفيذ مبادرة الأمن العالمي، وتعزيز الاستقرار واليقين في المجتمع الدولي، وبناء عالم يسوده السلام الدائم والأمن الشامل.

الباحث المساعد (ناصر) في معهد الدراسات الإقليمية والدولية بجامعة صون يات سين.

ليو لي هوا (منى )، باحثة في جامعة صون يات سين

ليو لي هوا (منى )، باحثة في جامعة صون يات سين ، أمينة عامة في معهد الدراسات الإقليمية والدولية بجامعة صون يات سين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى