الاحدثمراجعة كتب

قراءة في كتاب “الأمن المائي السوداني وحوض النيل” | عرض السفير رشاد فراج الطيب

يقدّم كتاب « الأمن المائي السوداني وحوض النيل » للخبير السوداني البروفيسور سيف الدين حمد عبدالله قراءة عميقة لواحدة من أكثر القضايا التصاقًا بجوهر الدولة السودانية ومستقبلها، إذ يتعامل مع المياه لا بوصفها موردًا طبيعيًا فحسب، بل باعتبارها ركيزة سيادية، وعامل قوة أو ضعف في معادلات الأمن القومي، وميدانًا مكشوفًا لتقاطعات السياسة والقانون والجيوبوليتيك في إقليم شديد الاضطراب.

ينطلق الكتاب من مسلّمة أساسية مفادها أن السودان، بحكم الجغرافيا والتاريخ، ليس دولة هامشية في معادلة النيل، بل هو قلبها النابض.

فالموقع الذي يتوسط دول المنابع والمصب، وتنوّع الموارد المائية داخل أراضيه، يجعلان من أي خلل في استقراره السياسي أو المؤسسي تهديدًا مباشرًا لتوازن الحوض بأكمله.

ومن هنا، يربط المؤلف ربطًا صارمًا بين قوة الدولة السودانية وقدرتها على إدارة ملف المياه، محذرًا من أن هشاشة الدولة تعني بالضرورة هشاشة الأمن المائي، وما يتبع ذلك من تبعات اقتصادية وأمنية واجتماعية.

ويذهب الكتاب أبعد من المقاربات الفنية التقليدية، ليؤكد أن مفهوم الأمن المائي لا يمكن اختزاله في قياسات الهيدرولوجيا أو في حسابات العرض والطلب، بل هو مفهوم مركّب يتداخل فيه القانون الدولي، والدبلوماسية، والاقتصاد السياسي، والأمن البيئي، بل وحتى أخلاقيات الحرب والسلم.

فالمياه، في هذا السياق، تتحول من عنصر تنمية إلى أداة ضغط، ومن مورد مشترك إلى ورقة تفاوضية قد تُستخدم في الصراع بقدر ما تُستخدم في التعاون.

وفي قراءته لمسار إدارة السودان لملف النيل، لا يتردد المؤلف في تشخيص مواطن القصور، سواء على مستوى غياب الاستراتيجية القومية الشاملة، أو ضعف التنسيق بين المؤسسات الفنية والسيادية، أو التذبذب في المواقف التفاوضية بين دول المنابع والمصب.

ويُظهر أن السودان، في كثير من المحطات، تعامل مع قضايا مصيرية بعقلية رد الفعل لا الفعل، ما أفقده القدرة على تعظيم مكاسبه وحماية مصالحه في إطار قانوني ودولي شديد التعقيد.

كما يقدّم الكتاب تحليلًا قانونيًا نقديًا لتطور اتفاقيات حوض النيل، من الإرث الاستعماري إلى اتفاقية الإطار التعاوني، مبيّنًا أن القانون الدولي للمياه، رغم ما يبدو عليه من حياد نظري، يظل في التطبيق العملي رهينًا لموازين القوة السياسية والاقتصادية.

ومن هذا المنطلق، يرفض المؤلف الطرح الساذج الذي يراهن على النصوص القانونية وحدها، مؤكدًا أن الفاعلية الحقيقية تتحقق حين تسندها دولة قوية، ومؤسسات ذات كفاءة، ورؤية استراتيجية واضحة.

وفي تناوله لسد النهضة، يتعامل الكتاب مع المشروع بوصفه تعبيرًا عن تحوّل جيوبوليتيكي عميق في الإقليم، لا مجرد منشأة هندسية لتوليد الكهرباء.

فالسد، كما يراه المؤلف، أعاد رسم موازين النفوذ في حوض النيل والقرن الإفريقي، وكشف هشاشة المواقف غير المستندة إلى استراتيجية متكاملة، خصوصًا في الحالة السودانية التي تضررت من غياب موقف تفاوضي موحد يجمع بين المصالح الفنية والاعتبارات السيادية.

ولا يغفل الكتاب أثر التغير المناخي بوصفه مضاعف تهديد حقيقي، يزيد من حدة الجفاف والفيضانات، ويضغط على الموارد المحدودة، ويجعل الدول الهشّة أكثر عرضة للانكشاف.

وفي هذا السياق، تصبح قضية المياه جزءًا من الأمن الإنساني، لا ينفصل عن قضايا النزوح، والفقر، والصراعات الداخلية، ما يفرض مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الجزئية والمرحلية.

ويخصص المؤلف مساحة مهمة لمسألة حماية المنشآت المائية في زمن النزاعات، محذرًا من أن عسكرة المياه لم تعد سيناريو نظريًا، بل احتمالًا واقعيًا في إقليم تتكاثر فيه الصراعات المسلحة.

ومن هنا، يبرز البعد الأخلاقي والقانوني للأمن المائي، باعتباره خطًا أحمر في الحروب، ومسؤولية جماعية تتجاوز حدود الدول.

في المحصلة، لا يقدّم الكتاب مجرد مادة علمية متخصصة، بل يطرح رؤية استراتيجية متكاملة تُحمّل الدولة السودانية مسؤولية تاريخية في إعادة تعريف علاقتها بالمياه، من موقع الفاعل لا المتلقي، ومن منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة.

وهو بذلك يشكّل مرجعًا مهمًا لصنّاع القرار، والدبلوماسيين، والباحثين، وكل من يدرك أن معركة السودان الحقيقية في المستقبل قد لا تكون على الأرض وحدها، بل على قطرة الماء التي تختزن في طياتها معنى السيادة والبقاء.

السفير رشاد فراج الطيب السراج

السفير رشاد فراج الطيب السراج. دبلوماسي. وباحث مهتم بالشؤون الدولية والتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى