
منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، والمنظومة الدولية تُسوّق لنا القانون الدولي بوصفه “المنقذ” والمظلة الأخلاقية التي ستحمي البشرية من تكرار كوارث الماضي. كان الطموح هو بناء عالم لا تُسحق فيه حقوق الإنسان تحت مجنزرات الدبابات، ولا تُنتهك فيه سيادة الدول لمجرد أنها الأضعف عسكرياً. لكننا اليوم، ونحن نراقب الانهيار الأخلاقي والقانوني في غزة، والانسداد السياسي الخانق في فنزويلا، نجد أنفسنا أمام لحظة مواجهة قاسية مع الحقيقة: هل نحن أمام قانون يحكم العالم، أم أمام “ديكور” قانوني يُجمّل وجه القوة الغاشمة؟
إن النظام الذي استند إلى ميثاق عام 1945 واتفاقيات جنيف، كان يفترض أن يضع “الحق فوق القوة”، لكن الواقع الجيوسياسي الذي نعيشه اليوم كشف عن عورة هذا النظام؛ فهو يفتقر إلى أدوات تنفيذية مستقلة، مما جعله رهينةً في يد الدول الكبرى التي تملك حق النقض “الفيتو”. في غزة، لا نرى مجرد انتهاكات، بل نرى “مذبحة” لقيم القانون الدولي الإنساني؛ فالمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء التي صُنفت “محرمة” في نصوص القانون، أصبحت أهدافاً مستباحة، بينما تقف آليات المحاسبة الدولية مشلولة ومقيدة بالحسابات السياسية الضيقة. إن هذا العجز الأممي ليس مجرد إخفاق عابر، بل هو ضربة في صميم مصداقية العدالة الدولية، حيث يشعر الإنسان في منطقتنا أن حياته أقل قيمة في ميزان هذا القانون مقارنة بغيره.
وفي المقابل، نجد في الحالة الفنزويلية تجسيداً آخر لهذا المأزق، حيث تحولت أزمة السيادة والشرعية إلى ساحة لشد الحبال بين الأقطاب الدولية، مما أفرغ مبدأ “عدم التدخل” من محتواه الحقيقي. إن ما يحدث يكرس القناعة بأن القانون الدولي يُفعّل فقط عندما يتوافق مع مصالح الأقوياء، ويُعطّل عندما يواجه مصالحهم. إننا نعيش أزمة “ثقة” عميقة ناتجة عن ازدواجية المعايير التي تجعل القانون صرماً على الضعفاء ومرناً كالزبد أمام الأقوياء.
نحن لا نتحدث هنا عن فناء القانون الدولي كلياً، بل عن تراجعه لمصلحة منطق قديم كنا نظن أننا تجاوزناه، وهو أن “القوة تصنع الحق”. إن استمرار هذا التآكل يعني العودة بالعالم إلى ما قبل عام 1945، حيث لا اعتبار إلا لموازين القوى العسكرية والاقتصادية. إن إصلاح هذا المسار لم يعد ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة لوجودنا الإنساني؛ فبدون قانون دولي عادل ونافذ، سيتحول العالم إلى غابة كبرى لا يعترف فيها القوي بأي رادع أخلاقي. القانون الدولي اليوم مأزوم بشدة، وإنقاذه يتطلب إرادة سياسية دولية جديدة تعيد الاعتبار للإنسان، بعيداً عن حسابات الربح والخسارة الجيوسياسية.




