الاحدثدولي

أمريكا… نكد الدنيا على الأحرار | بقلم السفير رشاد فراج الطيب

أمريكا هي نكد الدنيا على الأحرار ، علي قول المتنبيء:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى .. عدواً له ما من صداقته بد .
قمة الاحساس بالقهر والنكد أن يجد الحر نفسه في مواجهة من يملك القوة والهيمنة ولا يستطيع الا ان يجاريه حتي يقضي الله امرا كان مفعولا ، والادهي أن أن يضع العدو نفسه في محل الحكم والوسيط وهو الخصم الظالم فيصدق عليه قول الشاعر : « فيك الخصام وأنت الخصم والحكم » .

 

لقد وجدت أمة العرب والمسلمون أنفسهم في زمنٍ أصبح فيه القرار الدولي مرهوناً باليمين الصهيوني المتحكم في واشنطن وتل أبيب ، والممسك بخيوط المؤسسات الدولية التي تحكم العالم وتوجّه مساره .

غير أن هذه الهيمنة ليست قدراً مقدوراً ، ولا واقعاً لا يمكن تغييره ، بل هي نتيجةُ تراكماتٍ من التبعية والاستكانة ، وخللٍ في معادلة الوعي والإرادة .

 

السؤال الذي ينبغي أن نواجه به أنفسنا هو إلى متى هذا الرضوخ للاستضعاف ؟
هل هو مبرّر بالعجز الموروث والانقسام المزمن ، أم هو قدر صنعناه بأنفسنا حين فقدنا ثقتنا بقدرتنا على النهوض ؟
إن الخضوع للمستكبرين ليس قدراً من الله ، بل خطيئةٌ في حقّ أنفسنا. فقد حرّم الله الاستسلام للظلم ، وجعل مقاومته واجباً ، وحفظ كرامة الإنسان الحرّ فوق كل اعتبار .

 

لقد أصبحت الحاجة اليوم ماسّة لوحدةٍ عربيةٍ وإسلامية حقيقية ، لا شعارية ، وحدة تنطلق من الإيمان بقدرات الأمة وطاقاتها المعطّلة وقدرتها علي الفعل .

فأمة العرب والمسلمين تملك من مقوّمات القوة والنهضة ما لا تملكه أمم كثيرة نهضت من تحت الركام وواجهت الاستكبار دون أن تمتلك ذات العمق الحضري والتاريخ الباذخ ، ولا الموارد الهائلة الواسعة .

إن مفتاح النصر لا يكمن في وفرة السلاح أو في رضا القوى الكبرى ، بل في الحرية والارادة واستقلال القرار ، وفي الإيمان بقدرة الشعوب على التغيير حين تعزم وتتوحد .

 

لقد كانت عملية طوفان الأقصى وما اعقبها من ردة فعل صهيونية هستيرية ومجنونة سببا في وقوع التحولات التي شهدها العالم . فقد كانت لحظة فارقة ، أظهرت الوجه الحقيقي للكيان الصهيوني وطبيعته العدوانية ، وكشفت للعالم كله الدعم الأمريكي اللامحدود له ، في خرقٍ سافر لكل القوانين والأعراف الإنسانية .

لقد فاقت الجرائم الإسرائيلية كل تصور ، حتى سقطت عنها كل الأقنعة ، وظهرت على حقيقتها كدولةٍ إرهابية تضع نفسها فوق القانون والأخلاق ، وتجد من واشنطن سنداً وغطاءً سياسياً وعسكرياً .

 

غير أن تلك الفظائع كانت بداية انعطافةٍ كبرى في الوعي العالمي ، إذ استيقظت شعوب الأرض على حقيقة الصراع ، وشاهدت عن قرب من هو المعتدي ومن هو الضحية .

وهكذا وجدت إسرائيل وأمريكا نفسيهما في عزلةٍ غير مسبوقة ، بعدما فقدتا كثيراً من شرعيتهما الأخلاقية والسياسية .

 

إن هذه التحولات الجيوسياسية العميقة التي اعقبت عملية طوفان الاقصي وردة فعل الكيان الصهيوني قد اتاحت فرصة تاريخية للعرب والمسلمين لإعادة صياغة موقعهم في العالم ، واستعادة عناصر القوة المهدورة .

لقد بدأ الضمير العالمي يصحو بعد نومٍ طويل لثمانين عاما ، وها هو العالم يتّجه نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية ويدعم حقّ شعبها في الحرية والاستقلال .

 

وعلى قادة الأمة أن يدركوا أن هذه اللحظة ليست وقت التردد أو الانتظار ، بل هي لحظة للتحرك واستثمار التحوّل العالمي لصالح تصحيح المعادلة التاريخية المختلّة.

إن المشروع الصهيوني ، مهما بدا متماسكاً وقويا ، ليس قدراً لا يُهزم ، بل كيان هشّ يقوم على القوة الغاشمة والدعم الامريكي . ومتى ما استعاد العرب ثقتهم بأنفسهم ، وتوحدت كلمتهم ، سقطت أسطورة “الاستحالة” التي روّجها المستعمرون طويلاً .

 

من نكد الدنيا على الأحرار أن يعيشوا في زمنٍ يحكمه الطغيان باسم سلام القوة ، لكن من سنن الله أن الباطل مهما تعاظم لا يدوم ، وأن المستضعفين إذا امتلكوا وعيهم وإرادتهم صاروا أقوى من كل قوى الاستكبار .

فحرية القرار وامتلاك الارادة ووحدة الصف هي مفاتيح النصر ، وهي السبيل إلى إنهاء قرونٍ من الخضوع والاستسلام ، واستعادة الأمةٍ مكانتها التي تليق بها بين الأمم المحترمة .

السفير رشاد فراج الطيب السراج

السفير رشاد فراج الطيب السراج. دبلوماسي. وباحث مهتم بالشؤون الدولية والتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى