
ما كان للغارةِ الأميركِيَّةِ التي استباحت الأجواءَ والأراضي الفِنزويلِّيَّة في الثالث من شهر كانون الثاني الحالي أن تبلغ غايتها، لولا استسهال أميركا خَرقَ ميثاقِ الأُمَمِ المُتَّحِدة، ووجودِ تواطُؤ داخلي ممن أُوكلت إليهم حماية السِّيادَة لفنزويلا، وتنكُّرِ الإدارَةِ الأميركِيَّةِ الصَّريحِ للمَشروعِيَّةِ الدَّولِيَّة، واستِغلالها الفاضحِ لاختلالِ مَوازينِ القِوى لِصالِحها على السَّاحَةِ الدَّولِيَّة.
حرصاً منا على التَّجرُّدِ والموضوعِيَّةِ في مُقارَبَةِ ما جَرى في فنزويلا لا بُدَّ لي من التَّأكيدِ على أنني لست من أنصارِ الثَّوراتِ التي رَفعَت شِعاراتٍ شَعبوِيَّةٍ وانتَهى بها المطافُ إلى أنظِمَةٍ استِبدادِيَّة، كما أنني لستُ بالتَّأكيدِ من مؤيِّدي النُّظُمِ الديمقراطيَّةِ الزَّائفَةِ التي تتلطّى خلفَ قِيمٍ إنسانِيَّةٍ لتَبريرِ أعنفِ المُمارساتِ وحشيَّةً في ظِلِّ شعارِ إخلالِ السَّلام. ذلك أن رَفضُ الاستِبدادِ الدَّاخِلي ينبغي ألَّا يُبرِّر عُدواناً خارِجِيًّا، ولا يَجوزُ إخضاعُ سِيادَةِ الدُّولِ لِمنطقِ العدالَةِ الانتِقائيَّةِ أو ازدواجِيَّةِ المعايير.
إن ما حَصلَ في فنزويلا وقبله في كُلٍّ من أوكرانيا والشَّرقِ الأوسَطِ، يُشكِّلُ من الزاويَةِ القانونِيَّةِ الصَّرفَةِ انتِهاكاً صَريحاً لروحيَّةِ ميثاق الأمم المتحدة وبالتَّحديد لنصِّ المادَّةِ الثانِيَة «فقرتها الرَّابِعَة، التي تَحظُرُ التَّهديدَ باستِعمالِ القُوَّةِ أو استِعمالَها ضُدَّ السَّلامَةِ الإقليمِيَّةِ أو الاستِقلالِ السِّياسي لأيَّةِ دولَة. ولا يستقيمُ تكييفُ الاعتداءاتِ الميدانيَّة التي اعتمِدت كتمويه لعمليَّةِ الخَطفِ في إطارِ الدِّفاعِ الشَّرعي المَنصوصِ عليه في المادَّةِ 51 من الميثاقِ ذاتِه. وعليه لا يمكن توصيف اختطافُ رئيس دولةٍ ذاتِ سِيادَةٍ من عاصِمَتِهِ كعملٍ دِفاعِيٍّ أنَّا تكن الأُحجِيات، وخاصَّةً في ظِلِّ غيابِ أيِّ تفويضٍ صادِرٍ عن مجلسِ الأمن بموجَبِ الفَصلِ السَّابع. وعليه، فإن فعلَ الاختِطافِ هذا يندرِجُ بوضوحٍ في خانَةِ الاستِخدامِ غيرِ المَشروعِ للقُوَّة، وبالتالي يُرتِّبُ مَسؤولِيَّةً دولِيَّةً وشَخصِيَّةً كامِلتين.
وإن نظرنا من زاويَةِ الحَصاناتِ السِّيادِيَّة، نرى أن الخَرقَ القانوني يَتعمَّقُ أكثَرَ، ذلك أن القانون الدولي العُرفي، كما كرَّسته مَحكمَةُ العدلِ الدَّولِيَّةِ في أكثرِ من قَضِيَّة، يُقِرّ بحصانَةٍ شَخصِيَّةٍ مُطلقَةٍ لرؤساءِ الدُّولِ طِيلَةَ فترةِ ولايتِهِم، تحولُ دون إخضاعِهِم لأيَّةِ مُلاحَقَةٍ أو توقيفٍ من قِبلِ سُلطاتٍ قَضائيَّةٍ أجنَبِيَّة. كما أن هذه الحَصانةَ مؤكَّدةٌ في الفِقهِ الدَّولي كما تُقِرُّها اتِّفاقِيَّةُ فيينا للعلاقاتِ الدُّبلوماسِيَّةِ لعام 1961. وأنها ليست بمثابةِ امتيازٍ شَخصِيٍّ، بل ضَمانَةً مؤسَّسِيَّةً لِسيادَةِ الدُّولِ واستِقرارِ العلاقاتِ الدَّولِيَّة. وبالتالي، لا يَجوزُ رَفعُها إلَّا ضِمنَ أُطُرٍ دولِيَّةٍ استِثنائيَّةٍ ومُحدَّدَة، وعلى رأسِها المَحكمَةُ الجِنائيَّةُ الدَّولِيَّة، ولكن في إطارِ شُروطٍ وضَوابِطَ صارِمَة، لا عَبرَ تنفيذٍ أُحادِيٍّ مَبنيٍّ على إرادَةِ قَضاءٍ وَطنِيٍّ مُسَيَّسٍ أو مُسَخَّرٍ لخِدمَةِ توجُّهاتٍ سِياسِيَّة.
واستطراداً على افتراضِ صِحَّةِ الذَّريعَةِ المُعلَنَة المٌتعلِّقَةِ بالاتِّجارِ بالمُخدِّرات، فإن الإطارَ القانونِيِّ الدَّولِيِّ النَّاظِمِ لهذه الجَرائم يؤكِّدُ عدمَ مَشروعِيَّةَ ما حصلَ من أساسِه. فالاتِّفاقِيَّةُ الوحيدَةُ للمُخدِّراتِ لعام 1961، واتِّفاقِيَّةِ المُؤثِّراتِ العَقلِيَّةِ لعام 1971، واتِّفاقِيَّةِ الأُممِ المُتَّحِدةِ لمُكافَحَةِ الاتِّجارِ غير المَشروعِ بالمُخدِّراتِ والمُؤثِّرات العقليَّةِ لعام 1988، ترعى جَميعُها آلِيَّاتِ التَّعاونِ الدَّولي في هذا المَجال، وتَقومُ على مَبادئ تبادلِ المَعلومات، والمُساعَدَةِ القانونِيَّةِ المُتبادَلَة، والتَّسليم المُراقبِ للشُّحناتِ بقصدِ كشف الشَّبكاتِ الضَّالعةِ في تهريبِ المُخدِّراتِ وتوقيفِ أفرادِها، ولكن دائماً وأبداً ضِمن إطار احتِرامِ السِّيادَةِ الوَطنِيَّة، وعدمِ جوازِ اتِّخاذِ تدابيرَ قَسرِيَّةٍ على إقليمِ دولَةٍ أُخرى خارِجَ هذه الأُطُر. وسبق للولايات المُتَّحِدة الأميركيَّة ووقَّعت على هذه الاتِّفاقِيَّاتِ ولم تزل طَرفاً فيها، مع عِلمها أنها لا تَمنحُ لأيَّةِ دولةٍ الحقَّ في تنفيذ ولايتِها القضائيَّةِ بالقُوَّة على دولةٍ أخرى، ولا تُجيزُ لها اختِطافَ مَسؤولين سِياسِيين أو غيرِ سِياسِيين، كونها تُؤكِّدُ صَراحَةً على أن مُكافَحَةَ المُخدِّراتِ يجِب أن تَتِمَّ في إطارِ احتِرامِ المُساواةِ السِّيادِيَّةِ وعدمِ التَّدخُّلِ في الشُّؤونِ الدَّاخِلِيَّة للدُّولِ الأُخرى.
إن الحدث الذي نحن بصدَدِهِ اليوم لا تقتَصِرُ مخاطرُه على أبعادِهِ القانونِيَّة المُعلنة، بل تكمُنُ في كونِهِ يأتي في سِياقِ صِراعٍ دَولِيٍّ أشمَلُ وأكثَرُ عُمقاً مما هو مُعلَن، فهو يتمحورُ حولَ مَساعي السَّيطَرَةِ على النِّظامِ العالَمي ذاتِه. ولا يُخفى على أحدٍ أن العالَمَ يَشهَدُ منذ فترةٍ زمنيَّةٍ مواجَهَةً بُنيوِيَّةً بين قُطبين: الأوَّلُ يَسعى إلى تَثبيتِ أُحادِيَّةٍ قُطبِيَّةٍ لتكريسِ هيمنةِ الولاياتِ المُتَّحِدةِ الأميركيَّة على العالم، وآخرٌ تدفَعُ مُكوناتُهُ باتِّجاهِ نِظامٍ مُتعَدِّدِ الأقطاب، يَسعى إلى إعادَةِ توزيعِ مراكِزِ القِوَّى عالميًّا. وفي هذا السِّياق، لا تبدو فنزويلا ولا إيران ودولٍ أخرى غنيَّةً بمَوادٍ أوليَّةٍ استراتيجيَّةٍ مُجرَّدَ دُولٍ «مارِقَة» وفق السَّردِيَّةِ الأميركِيَّة، بل عِقَداً استراتيجِيَّةً في مُعادَلَةِ الطَّاقَةِ العالَمِيَّة. فالدَّافِعُ غيرُ المُعلنِ للتَّدخُّلِ في فنزويلا وإيران ومُحاصَرتهُما وشَنِّ الحُروبِ عليهِما يتَّصِلُ بالتَّحكُّمِ بمَخزوناتِ الطَّاقَةِ ومَساراتِها وأسعارِها، باعتِبارِها أحدَ آخِرِ مَفاتيحِ الهَيمنَةِ في عالَمٍ يتَّجِهُ نحو التَّعدُّدِيَّة، حيث يُصبِحُ التَّحكُّمُ بالنَّفطِ والغازِ والليثيوم والسيليكون وغيرها من الموادِّ الاستراتيجيَّة شَرطاً للتَّحكُّمِ بالسِّياساتِ والخَياراتِ الاستراتيجِيَّةِ للدُّولِ الأُخرى.
وفقَ هذا المَنظارِ والنَّوايا غير المُعلنةِ، تتَحوَّلُ السَّردِيَّاتُ الحُقوقِيَّةُ والجِنائيَّةُ إلى أدواتٍ وظيفِيَّةٍ في صِراعٍ أوسَع، تُستخدَمُ وسيلةً لتَبريرِ إعادَةِ تَشكيلِ خرائطِ النُّفوذِ الدَّوليَّةِ والإقليميَّةِ بالقُوَّة. وما جَرى ويجري في كل من أوكرانيا والشَّرقِ الأوسطِ وكاراكاس لا يعدو كونه مُحاولاتٍ لتَطويقِ قِوىً صاعِدَةً إقليميًّا، ولا يُمكِنُ فصلُها عن الضُّغوطِ المُتصاعِدَةِ على إيران ومِحورِ المُمانعَةِ على السَّاحة الدَّولِيَّة، لأنه لا يُمكنُ ضَبطُهُ عبر التَّحكُّمِ بمَصادِرِ الطَّاقَةِ ومَمراتِها، في لَحظَةٍ يشعُرُ فيها الغربُ أنه فقدَ قدرته على احتِكارِ هذه الأدوات.
ليس من شكٍّ في أن هذه السَّابِقَةَ ستنعكسُ بصورةٍ على مساراتِ الحُروبِ في أوكرانيا والشَّرق الأوسط، وستُفهم على أنها مؤشِّرٌ على أن القُيودَ القانونِيَّةَ والأخلاقِيَّةَ التي كانت تَضبَطُ سلوكياتِ الدُّول إلى حدٍّ ما باتت واهنَةً وانتِقائيَّة. وهذا ما يولِّدُ شعوراً متنامياً لدى من يعنيهم الأمر من الدُّولِ الكبيرةِ والصَّغيرة بأن قَواعِدَ الاشتِباكِ قد تَبدَّلَت، وأن الحَسمَ أو التَّصعيدَ لم يَعُد مَحكوماً بذاتِ الضَّوابِط التي كان مَعمولاً بها سابقاً، طالما بقِيَت القُوةُ هي التي من تَرسُمُ الحُدودَ الفِعلِيَّةَ للسُّلوكياتِ الدَّوليَّة.
ويبدو أن انكاساتِ هذا الواقعة المُستجدَّةِ ستكون أشَدَّ وطأً على منطقةِ الشَّرقِ الأوسَطِ وخاصَّةً بالنِّسبةِ للقضيَّةِ الفلسطينيَّة وبعض الدول العربيَّة، كما على مسار الصِّراعُ المَفتوحُ بين إسرائيلَ ومن خلفها الولاياتُ المُتَّحدة الأميركيَّةِ من جهة، ومن جهةٍ أخرى إيرانُ وأذرُعَها الإقليمِيَّة، ذلك أن هذا الحدثَ يَحمُلُ يحملُ في طياتِهِ دلالاتٍ أشَدَّ خُطورَة. وَسيُعزِّزُ قناعَةَ قادةِ إيران بأنَّ استِهدافَ دولتهم بالقُوَّةِ باتَ خَياراً محسوماً وأنها ستكون الهَدفَ التَّالي في المُواجَهَة، وقد يَدفَعُها هذا التَّصورُ إلى تَسريعِ وتيرةِ العملِ في برامَجِ العسكريَّةِ الاستراتيجِيَّة، كما إلى توسيعِ نِطاقِ المُواجَهَةِ غيرِ المُباشِرَةِ عبرَ أذرعها علها تحدُّ من خسائرها. كما أنه سيوحي لقادةِ الكيانِ الإسرائيلي بأنها أضحت طليقةَ اليدين، وما عليها سوى توسيعِ نِطاقِ عَملِيَّاتِهم، في ظِلِّ بيئةٍ عربيَّةٍ تبدو عاجزةً عن صَدِّ توجهاتها التَّوسُّعيَّة، ومُجتمعٍ دَولِيٍّ تخلى عن مبادِئِهِ خدمةً للصَّهيونيَّة، وأن الأمورَ محكومةٌ بمَنطِقِ القُوَّة.
وعلى الجهاتِ المُستهدفةِ أن تعي أن ما جرى في كاراكاس لا يُمثِّلُ حادِثاً عَرَضِيًّا ومَعزولاً ولا حتى مُجرَّدَ خَرقٍ جَسيم للقانون الدَّولي، بل علامَةٌ فارِقَةٌ يُستَشفُّ منها أن النِّظامَ الدَّولِيَّ في خِضَمٍّ مَرحَلَةٍ انتِقالِيَّةٍ خَطرَة. مآلها تَعميمُ الانفِلاتِ بدلاً عن مَنطِقِ الرَّدعِ القائمِ على توازُنِ الرُّعبِ، وبدلاً من ترسيخِ منطق القانون يُفتحُ البابُ أمامَ عالمٍ تُستبدَلُ فيه القواعِدُ بالسَّواعِد، والشَّرعِيَّةُ بالغلَبَة، وتَغدو فيه سِيادَةُ الدُّولِ الصَّغيرَةِ والمُتوسِّطَةِ وجهةَ نَظَر، رَهينَةً لِصراعاتِ الكِبار.
غزوةُ كاراكاس، لم يُختَطَف فيها رَئيسُ دولَةٍ ذاتِ سِيادَةٍ فحَسب، إنما حدثٌ مزلزلٌ، خلخلَ هَيئةَ الأُممِ المُتَّحِدَةِ ومَجلِسِ الأمن، وجعلَ العالمَ رهنَ الصِّراعِ على النُّفوذ والسَّيطرةِ عل الثروات الطَّبيعيَّةِ. وعلى خِلاف ما يعتقد الكثيرون لن تغزو الصين تايوان ولن تستطيع روسيا ضم أوكرانيا، بل ستسعى هاتين الدَّولتين إلى الحِفاظِ على ما تبقى لديهما من عوامِلِ القُوَّة، أما الدُّول الوسطى والصَّغيرة ستمسي أكثر هَشاشَةً وأقَلُّ أمناً واستقراراً.




