
تنعقد الدورة الثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة مفصلية من تاريخ النظام الدولي. الأزمات المتراكمة والمتداخلة تضع المنظمة أمام اختبار حقيقي: هل لا تزال قادرة على لعب دور جامع وفاعل، أم أنّها تتحول تدريجيًا إلى منبر خطابي تفتقد قراراته إلى قوة الإلزام والتنفيذ؟
طبيعة عمل الأمم المتحدة تكشف عن هشاشة كامنة، إذ تبقى معظم القرارات خاضعة لإرادة الدول الأعضاء دون إلزام قانوني. هذا الواقع يجعل التعاون الدولي شرطًا أساسيًا لأي نجاح ممكن، ويجعل من التزام القوى الكبرى بمقررات المنظمة المعيار الأهم لقياس فعاليتها.
الأزمات التي يشهدها العالم اليوم لم تعد منفصلة أو محصورة في نزاعات مسلحة تقليدية، بل هي أزمات متشابكة تتراوح بين الحروب الإقليمية والصراعات بالوكالة، وصولًا إلى التحديات المناخية والكوارث الإنسانية. هذه التحديات تتطلب استجابة جماعية متماسكة، لكن الانقسام الدولي وتعارض المصالح يفرضان حدودًا قاسية على أي توافق.
توازنات القوى العالمية تطرح بدورها إشكالية إضافية. فالدول الكبرى تسعى إلى حماية مصالحها الاستراتيجية حتى عندما يتناقض ذلك مع القرارات الأممية. هنا يظهر التباين بين الخطاب المعلن حول دعم السلام والأمن، وبين الممارسة الفعلية القائمة على النفوذ والفيتو والاصطفافات المتغيرة.
الدورة الحالية للجمعية العامة ليست مجرد محطة سنوية لإلقاء الكلمات، بل امتحان عملي لقدرة المنظمة على التحول من الإعلانات إلى الأفعال. المطلوب ليس فقط إصدار قرارات جديدة، بل إيجاد آليات متابعة وضمانات حقيقية للالتزام بها. عندها فقط يمكن الحديث عن فاعلية الأمم المتحدة كمؤسسة أممية قادرة على إدارة التحديات بدل الاكتفاء برصدها.
إنّ الرهان على هذه الدورة يتجاوز البعد الإجرائي، ليصبح اختبارًا لمستقبل الشرعية الدولية برمتها: هل تبقى الأمم المتحدة مرجعًا جامعًا للمجتمع الدولي، أم تغرق في هوّة الانقسام، وتفقد ما تبقى لها من وزن وتأثير؟




