
إعداد : علي أمين
منذ نشوء التنظيم الدولي الجديد تحت مسمى “الأمم المتحدة” عقب الحرب العالمية الثانية، والتي أطاحت بـ “عصبة الأمم” (المولودة في مؤتمر فرساي 1919)، دخل العالم حقبة كان يُفترض أن يسودها القانون. فمن اجتماعات سان فرانسيسكو في أبريل 1945 إلى إقرار الميثاق في يونيو من العام نفسه، وُلدت منظمة عالمية تهدف لإحلال “التضامن” محل “السيادة المطلقة”. إلا أن قراءة الأرقام والوقائع بعد ثمانية عقود تكشف عن “عجز هيكلي” حوّل المنظمة في كثير من الأحيان من حامٍ للسلم إلى ساحة لتسويات الكبار.
أولاً: “الفيتو” كمقصلة للعدالة (أرقام وحقائق)
برز حق “الفيتو” كأكبر ثغرة في الميثاق. فإحصائياً، استُخدم حق النقض منذ عام 1945 وحتى يومنا هذا أكثر من 265 مرة.
القضية الفلسطينية: منذ عام 1945، استخدمت الولايات المتحدة “الفيتو” ضد نحو 89 قراراً في مجلس الأمن، أكثر من نصفها (نحو 45 مرة) كان مخصصاً لحماية إسرائيل من الإدانة أو لمنع الاعتراف بدولة فلسطين، وآخرها كان “الفيتو” ضد منح فلسطين العضوية الكاملة في أبريل 2024. هذا التعطيل الممنهج جعل المنظمة تقف عاجزة أمام تهجير شعب وهدم مقدراته على مدار 80 عاماً.
القطبية الثنائية: في المقابل، سجل الاتحاد السوفيتي (ثم روسيا) رقماً قياسياً في استخدام الفيتو (خاصة في الحرب الباردة وفي الملف السوري لاحقاً)، مما حول مجلس الأمن إلى مؤسسة “مشلولة” في مواجهة الأزمات الكبرى.
ثانياً: العسكرة العابرة للحدود وخروقات السيادة
خلافاً لمبدأ “تحريم الحرب”، شهدت العقود الماضية تدخلاً عسكرياً فجاً من القوى العظمى. تشير الدراسات التاريخية إلى أن الولايات المتحدة وحدها شاركت في نحو 400 تدخل عسكري منذ تأسيسها، نصفها تقريباً وقع بعد عام 1950.
التدخلات السوفيتية/الروسية: من احتلال أفغانستان الذي استنزف المنطقة، إلى التدخلات في أوروبا الشرقية، وصولاً إلى الحرب الأوكرانية الحالية التي تدخل عامها الرابع بخسائر بشرية مروعة تقدر بنحو مليون جندي (قتيل وجريح) من الجانبين، فضلاً عن نزوح أكثر من 10 ملايين أوكراني.
التدخلات الأمريكية: من فيتنام إلى غزو بنما (1989)، والتدخل في نيكاراجوا والصومال ولبنان، وصولاً إلى غزو العراق والسودان تحت ذرائع واهية؛ مما أدى إلى تدمير البنى التحتية العلمية والنووية وتعطيل التنمية في تلك الدول، في مخالفة صريحة لمبدأ “الأمن الجماعي”.
ثالثاً: ناقوس الخطر وحتمية “إعادة الضبط”
إن ما يحدث اليوم في أوكرانيا، وما تعرض له الرئيس الفنزويلي مادورو من تهديدات باستخدام القوة، يثبت أن العدالة الدولية تمر بأسوأ مراحلها. فالقوة لم تعد تُستخدم “لحفظ السلم” بل “لإذلال الشعوب”، وهو ما يستوجب تبني مسودة إصلاحية شاملة تتلخص في:
عقلنة الفيتو: إلغاء حق النقض في قضايا “جرائم الإبادة” و”الاحتلال الاستيطاني”، واعتبار الفيتو ملغى إذا عارضته أغلبية ثلثي الجمعية العامة.
توسيع التمثيل الدولي: مجلس الأمن الحالي يعكس موازين قوى 1945. الإصلاح يتطلب إشراك أقطاب من أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا لضمان “تعددية ناعمة” تقوم على التنافس الاقتصادي لا التدمير العسكري.
تجريم الضربات الاستباقية: تعديل الميثاق ليضع عقوبات تلقائية وقاسية على أي دولة دائمة العضوية تشن عدواناً عسكرياً دون تفويض صريح وواضح من الجمعية العامة، لضمان عدم تكرار مآسي العراق وليبيا وأوكرانيا.
خاتمة:
إن الثمانين عاماً المنصرمة علمتنا أن السلام لا يُصنع بالتهديد، بل بالاحترام المتبادل والحقوق المتساوية. إن ترشيد القوة هو المخرج الوحيد لإنقاذ البشرية من صراع القوى العظمى، ولن يتم ذلك إلا بجعل الأمم المتحدة “منظمة للشعوب” لا “نادياً للكبار”.




