
هذه المقاربة ليست لرفع شأن ترامب، بل لأنني أبحث في سلوك الرجلين ونهجهما السياسي من خلال خطبهما. وكان يكفيني أن ألتقط بعض خطب أو تصريحات ترامب في لحظات مفصلية، ابتداءً من نجاته من حادث الاغتيال المفترض، مع تلك الصورة التي التُقطت له وجعلت منه أيقونة بطل، وصولاً إلى فوزه بالانتخابات وما بعدها. فقد كانت خطبه يتخللها إيحاءات دينية، أو ما يُصطلح عليها المسيانية (تُستخدم لوصف خطاب أو سلوك يحمل إيحاءً بأن الشخص صاحب “مهمة مقدّسة” أو “دور قدري” أو “اختيار إلهي”، أو بالأحرى مُخلِّص تلتف حوله الجماعة). وهذا النهج ربما بدا واضحاً مع الرئيس الأسبق رونالد ريغان، حيث استخدم خطاباً ذا جذور دينية واضحة، وبدأ عهدٌ جديد في السياسة الأمريكية. وبما أننا ذكرناه، فلابد من الإشارة إلى أن هذا الرئيس محل تقدير الرئيس ترامب أيضاً.
ولا أُخفيكم أن رسالة السيد ترامب المصوّرة للاعب كرة القدم المعروف كريستيانو رونالدو كشفت عمّا يريد أن يبثّه للعالم، حين قال نصاً في بداية رسالته: “أنت الأعظم على الإطلاق… وأنا أعظم رئيس في التاريخ.” هذه العبارة لم تكن مجاملة لرونالدو بقدر ما كانت محاولة واضحة لصنع الهالة حوله، وذكّرتني برسائل الأباطرة والملوك عبر التاريخ. جملته القصيرة توحي بأنه أكثر من رئيس، ودوره أبعد من ذلك، فهو يحاول أن يتجاوز موقعه كسياسي ليصوّر لجمهوره أمراً أبعد من ذلك، وهو ما سنحاول تسليط الضوء عليه من خلال إشاراته في بعض التصريحات، سيّما بعد نجاته من محاولة الاغتيال، وكذلك بعد انتصاره في الانتخابات الثانية واستمراره بهذا الخطاب. وهي تأتي في السياق نفسه الذي حاول فيه قيصر روما بثّه في نفوس الآخرين يومئذ.
العودة إلى خطب يوليوس قيصر:
ومن هنا وجدت أن العودة إلى خطب يوليوس قيصر أمراً مهماً لإكمال الصورة لدى القارئ، وفهم تلك النبرة التي تريد صنع الهالة لصاحبها، وجعل الانقياد له أمراً طوعياً. فالمنهج الذي سار عليه قيصر روما لم يكن بلا خطاب تنظيري أو تعريفي، سمّه ما شئت، وما قاله قد سجله التاريخ، وما على المؤرخ إلا دراسة هذه الخطب لاستكشاف السلوك السياسي الذي تبناه القيصر، أو إخضاعها لمعايير علم النفس السياسي. وستكتمل لدينا الصورة في هذا المجال عندما نقرأ خطب الرئيس ترامب.
توظيف السماء:
هناك نهج واضح لدى الكثير من القادة والزعماء على مرّ التاريخ، وهو توظيف السماء، أو بالأحرى محاولة الربط بينهم وبين السماء لخدمة مآربهم وأهدافهم. ويوليوس قيصر لم يكن أولهم، وبالتالي لن يكون ترامب آخرهم.
ولعل أبرز تلك الإشارات عندما ربط يوليوس قيصر نفسه بالآلهة. فعند وفاة عمته ذكر لنا المؤرخون أنه قال: ” إن عمتي جوليا تنحدر من جهة أمها من الملوك، ومن جهة أبيها من الآلهة الخالدة. فمن عائلة ‘يولي’ ينحدر ‘فينوس’.. وبناءً عليه، فإن في دمنا قداسة الملوك الذين هم أسياد البشر، وهيبة الآلهة الذين هم أسياد الملوك.” وهذا النص ليس بحاجة إلى تفسير، فهو واضح الدلالة.
وفي موضع آخر تحدث عن نفسه بطريقة توحي بخلوده في المشهد فقال ” أنا ثابت كالنجم القطبي.”
وهي جملة قصيرة، لكنها تحمل في طياتها ما يشعر به، أو أراد إشعار أتباعه به، بأنه الثابت والبقية يعيشون التقلبات نتيجة الأحداث.
وقال: “الخطر يعرف جيداً أن قيصر أخطر منه.”
وهذه العبارة توحي بأنه مطمئن، لا يأبه بما يجري من حوله، ورجل يرى نفسه فوق الخطر نفسه، وربما هذا الشعور وغيره أوقعه فريسةً لمن أراد التخلص منه.
وفي خطاب آخر قال ما نصه:
“حين يقول قيصر: افعلوا هذا، يُنفّذ الأمر.” هذه العبارات تعني أنه الشخص الذي لا يُناقش، بل يُطاع فقط.
هذه الجمل على قصرها، تكشف ما كان يريد الرجل بثّه في نفوس أتباعه: إنه من نسل الآلهة التي تقف إلى جانب أبنائها، وأنه محور الأحداث، وليس جزءاً منها.
هذا النمط يتكرر عبر الأجيال، حيث يعتقد صاحبه أن الأحداث تدور حوله، وأن موقعه ليس موقعاً سياسياً عابراً، فهو مختار ليصنع التاريخ.
لمن يود الاطلاع على الأجزاء السابقة:
قيصر واشنطن يسبق خصومه بخطوات!!
قيصر واشنطن يسبق خصومه بخطوات!! -2-
قيصر واشنطن يسبق خصومه بخطوات!!-3-
قيصر واشنطن يسبق خصومه بخطوات!! -4-




