
يتقدّم الملف الإيراني مجددًا إلى صدارة المشهد الدولي، لا كأزمة منفصلة عن سياقها، بل كمرآة تعكس التحوّل العميق في بنية النظام العالمي. فالتصعيد السياسي والإعلامي الأميركي ضد طهران لا يُقرأ بوصفه مقدّمة لمواجهة عسكرية مباشرة، بل كجزء من صراع طويل النفس تُدار فيه الخصومة عبر أدوات الاستنزاف وكسر الإرادات. في هذا الإطار، بات الضغط المتراكم، لا الحرب الشاملة، الوسيلة الأساسية لفرض الوقائع، حيث تحلّ العقوبات والعزل وإدارة الأزمات محلّ الجيوش.
تفكك ما يُعرف بمحور الممانعة لم يكن نتيجة حدث واحد أو تطور طارئ، بل ثمرة مسار طويل من التحركات الممنهجة. شكّلت حرب غزة نقطة انعطاف مركزية، ليس فقط على مستوى الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بل في إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية. ترافقت الحرب مع ضربات متتالية أضعفت قدرة المحور على المبادرة، ودفعت أطرافه إلى مواقع دفاعية متفرقة بدل العمل ككتلة متماسكة.
في هذا السياق، جاء الانكفاء اليمني وتقليص القدرات العسكرية نتيجة مباشرة للضربات المركّزة، ما حدّ من قدرة هذا الطرف على التأثير الإقليمي. وفي العراق، انعكس تراجع القدرة الإيرانية على إدارة نفوذها الداخلي على الفصائل الحليفة، الأمر الذي قلّص هامش المناورة السياسية والعسكرية، وأضعف موقع العراق كحلقة مركزية في منظومة المحور.
أما الساحة السورية، فقد شهدت تحولات بنيوية أعادت رسم موقعها الإقليمي. تمثّل ذلك في تغيير النظام السياسي وإعادة التموضع التدريجي باتجاه الغرب، بالتوازي مع تراجع الدور الروسي وخسارة دمشق جزءًا من مظلّتها التقليدية. في هذا الإطار، شكّل الانسحاب الإيراني من سوريا نقطة مفصلية، إذ انعكس مباشرة على خطوط الدعم اللوجستي والمالي لحزب الله في لبنان، بعدما كانت الساحة السورية إحدى القنوات الأساسية لهذا الدعم.
وفي موازاة ذلك، جاءت حرب الأيام الاثني عشر على إيران كمحاولة محدودة لضرب منشآتها النووية، لكنها بقيت دون نتائج حاسمة. فقد اصطدمت بسقوف منع دولية وإقليمية حالت دون توسّعها، ومنعت انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة. في المقابل وخلال حرب الأسناد للمقاومة تكبّد حزب الله خسائر بشرية كبيرة، ولوجستية، وتعرّضت بنيته التنظيمية والعملياتية لهزّات لا تزال تداعياتها مستمرة.
ضمن هذا المشهد، تتبلور استراتيجية أكثر هدوءًا وأكثر خطورة في آن: استراتيجية الاستفراد والتآكل. فبدل مواجهة محاور متماسكة، يجري الضغط على كل دولة على حدة، اقتصاديًا وسياسيًا، مع إبقاء الحلفاء في موقع المراقب الحذر. هذا النموذج، الذي طُبّق تدريجيًا في الشرق الأوسط، يُعاد اختباره اليوم مع إيران، ولكن في سياق أوسع يطال دول البريكس، رغم حرص قادتها على نفي أي طابع صدامي لتحالفهم.
الخطر هنا لا يكمن فقط في إسقاط أنظمة، بل في تفكيك البيئات الداخلية وتركها مكشوفة أمام الفوضى والاختلالات. في الشرق الأوسط، ينعكس أي اهتزاز داخل إيران تلقائيًا على ساحات نفوذها. وفي لبنان تحديدًا، تشير تقديرات دبلوماسية إلى أن تراجع احتمالات الحرب الشاملة لا يعني تسوية حقيقية، بل إدارة مؤقتة للأولويات وتأجيلًا للصدامات الكبرى ريثما تتضح مآلات المواجهة مع طهران.
هنا يتجاوز الضغط الأميركي الإطار الإيراني ليطال البنية العميقة للتحالفات المنافسة نفسها، وعلى رأسها دول البريكس. إذ تُطبَّق استراتيجية الضغط المركّب بصورة تفاضلية، وفق موقع كل دولة ونقاط ضعفها. فروسيا، على سبيل المثال، جرى استنزافها عبر حرب أوكرانيا الطويلة، ليس عسكريًا فحسب، بل اقتصاديًا وماليًا أيضًا، ما حدّ من قدرتها على المناورة الدولية والانخراط في ملفات أخرى. أما فنزويلا، فلم يقتصر الضغط عليها على محاولات عزل قيادتها السياسية واتهام الرئيس نيكولاس مادورو بذرائع تهريب المخدرات، بل استهدف في جوهره قطاع النفط، بهدف التحكم بالقدرات الاقتصادية للدولة وإعادة إدماجها المشروط في السوق الدولية.
في المقابل، تُمارَس الضغوط على دول مثل البرازيل وجنوب أفريقيا بأساليب أكثر نعومة، عبر أدوات مالية، وتأثيرات إعلامية، وتضييق اقتصادي وعقوبات مباشرة وغير مباشرة، يُبقي هذه الدول في حالة توازن هشّ بين شراكاتها داخل البريكس ومتطلبات النظام المالي الغربي. وبهذا المعنى، لا يجري استهداف تحالف البريكس كوحدة متماسكة، بل تُفكَّك أضلاعه تدريجيًا عبر الضغط المنهجي على كل دولة وفق خصوصياتها ونقاط ضعفها.
اما في الدول الكبرى داخل التكتل، تُعتمد أدوات غير مباشرة، كالعقوبات التكنولوجية والضغوط الاقتصادية وتحريك الملفات الحساسة، مثل تايوان في حالة الصين، لإبقاء الخصم في حالة توتر دائم واستنزاف.
في الخلاصة، لا تبدو الولايات المتحدة وإسرائيل في سباق نحو إسقاط فوري للنظام الإيراني من خلال تحريك المظاهرات والمعارضة المناهضة للنظام ،ولا في وارد القبول بتسوية تُكرّس نفوذه الإقليمي. ما يجري هو تفكيك تدريجي للمحاور، تحييد للحلفاء، وتشديد للخناق الاقتصادي والمالي، لترك الخصم معلّقًا بين الانهيار والبقاء. إيران اليوم في قلب هذا الاختبار، لكن السؤال الأوسع يبقى مفتوحًا: بعد تفكيك محور الممانعة، أي دولة في البريكس ستكون التالية في مواجهة هذه الاستراتيجية،وامام نظام دولي لا يزال يرفض التعددية إلا بشروطه؟




