الاحدثدولي

مذكرة التفاهم الأمريكيّة-الإيرانيّة: بارقة أمل جيوسياسيّ وتنصل إسرائيليّ من الإتفاق | بقلم د. رنا منصور

يشهد المشهد الجيوسياسيّ في الشرق الأوسط تحوّلاً بالغ الأهميّة، تمثّل في الإعلان عن مذكرة تفاهم بين الولايات المتّحدة الأمريكيّة والجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، برعاية وإعلان من رئيس الوزراء الباكستانيّ محمد شهباز شريف. إنّ هذه المذكرة، التي يُنتظر أن تتوّج بمراسم توقيع رسميّة في جنيف، لا تمثّل مجرّد اتفاق تقنيّ، بل هي إعادة تموضع استراتيجيّ عميق يُبشّر بفصل جديد قد يُعيد تشكيل قواعد اللعبة في المنطقة بأسرها.

تكمن أهميّة هذه المذكرة في نطاقها الشامل الذي يتجاوز الملف النوويّ ليُلامس جوهر الصراع القائم. فمن خلال النص على الوقف الفوريّ والدائم للعمليات العسكريّة على جميع الجبهات، وانسحاب القوات الإسرائيليّة من جنوب لبنان، تُقدّم الوثيقة صياغة عمليّة لنزع فتيل أزمة إقليميّة متفاقمة، فيما لو تمّ الإلتزام بها. إنّ هذا البند وحده يُجسّد نقلة نوعيّة من سياسة الإحتواء والمواجهة إلى منطق الحلول الدبلوماسيّة الشاملة الذي طالما نادت به العقول الرشيدة في العلاقات الدوليّة.

وعلى الصعيد الاقتصاديّ، تحمل المذكرة في طياتها حجر الأساس لبناء الثقة عبر آليّة واضحة للمقايضة: رفع الحصار البحريّ وتعليق العقوبات النفطيّة ومنح إيران وصولًا كاملًا إلى مواردها الماليّة، مقابل خطوات إيرانيّة ملموسة. ويُعد الإتفاق على الإفراج الفوريّ عن جزء كبير من الأصول الإيرانيّة المجمّدة بحسب تصريحات وكالة “إيسنا” الإيرانيّة، وإنشاء صندوق طموح للتعويضات وإعادة الإعمار بقيمة 300 مليار دولار، إعترافاً ضمنيّاً من واشنطن وحلفائها بضرورة معالجة الكلفة الاقتصاديّة والبشريّة للعقوبات والتوتّرات الممتدة. إنّ هذا التحوّل من الإكراه الاقتصاديّ إلى الإغراء التنمويّ يُشير إلى نضج استراتيجيّ في مقاربة الملف الإيرانيّ، ويتسق مع أطروحات المدرسة الليبراليّة في العلاقات الدوليّة التي ترى في التشابك الاقتصاديّ ضمانة للسلام.

أمّا في الملف النوويّ، وهو بيت القصيد في الأزمة الممتدّة لعقدَيْن، فتُظهر المذكرة براغماتيّة لافتة. إنّ النص على بقاء اليورانيوم المخصّب والمنشآت النوويّة داخل إيران، مع إجراء محادثات لمدة 60 يوماً لوضع آلية رقابيّة، يعكس قبولًا أمريكيّاً بالواقع النوويّ الإيرانيّ كأمر واقع، مع السعي لتنظيمه بدلاً من كسره. إنّ تصريح الرئيس ترامب بأنّه “لا يرى ضرورة ملحة لإخراج المواد النوويّة من إيران في المرحلة الحالية” هو خروج جوهريّ عن العقيدة التفاوضيّة السابقة، ويُقرّب الإتفاق الحاليّ من نموذج “تجميع المكاسب” بدلاً من “حلحلة العقد” المستعصية، وهو ما قد يُعطي التفاهمات فرصة حقيقيّة للصمود.

في خضم هذا المشهد التفاؤليّ، يبرز موقف إسرائيل كحالة من التنصل والإنكفاء الاستراتيجيّ القلق. إذ يضع اتفاق كهذا، والذي يُضفي شرعيّة على النشاط النوويّ الإيرانيّ الخاضع للرقابة بدلاً من تفكيكه، تل أبيب في مواجهة كابوسها الاستراتيجيّ الأسوأ: إيران مُعترف بها كعتبة نوويّة، مندمجة إقليميّاً واقتصاديّاً. إنّ التنصل الإسرائيليّ الضمنيّ من هذا التفاهم لا يعكس فقط رفضاً للشروط المتعلّقة بانسحاب قواتها من لبنان، بل يُجسد مأزقاً وجوديّاً أعمق. إنّه اعتراف مبطّن بأنّ استراتيجيّتها القائمة على التهديد العسكريّ الأحاديّ والتخويف من إيران قد فشلت في إقناع الحليف الأكبر. نحن أمام مشهد تتجاوز فيه المصالح الأمريكيّة العليا، كما تراها إدارة ترامب، “الخطوط الحمراء” الإسرائيليّة التقليديّة، لتتحوّل إسرائيل من شريك لأميركا يُشكّل السياسة إلى طرف منعزل يُشاهد التاريخ يُكتب بدونه.

ختامًا، تُمثل هذه المذكرة لحظة فارقة، ليس فقط لأنّها تُقدّم خارطة طريق للسلام، بل لأنّها تُعيد تعريف مفهوم التسوية في الشرق الأوسط. فهي تُشيد بفكرة أنّ الإستقرار لا يُبنى على أنقاض الخصوم، بل على طاولات المفاوضات التي تجلس إليها جميع الأطراف الفاعلة.

وبينما يبقى الطريق طويلًا ومحفوفًا بالتحديّات، خاصة مع تنصل إسرائيل من الإعتداء على لبنان والإنسحاب من الأراضي المحتلة وتشكيكها المتوقّع، لكن مجرد وجود هذه الوثيقة يُعد شهادة على أنّ الدبلوماسيّة الصبورة والقائمة على المصالح المتبادلة قادرة على إحداث اختراقات حيث فشلت كلّ الترسانات العسكريّة. وإنّ العالم يترقّب، ويدفع أمله في أن يكون هذا الإتّفاق هو البذرة التي ينبت منها شرق أوسط جديد، أكثر استقراراً وأقل عُرضة للحروب.

د. رنا هاني منصور

د. رنا هاني منصور دكتوراه في العلوم الاقتصادية- بنوك وتمويل أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية، كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال- الفرع الأول أمينة سر جمعية الخبراء الماليين عضو في اللجنة العلمية للجمعية اللبنانية لتقدم العلوم عضو في اللجنة الإستشارية لمجلة جويدي للإبتكار والتنمية والإستثمار لها أكثر من 150 مقال في العديد من المواضيع المالية، الاقتصادية، السياسية والاجتماعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى