
لم يكن مفهوم “ سلام القوّة ” في الفكر اليميني الأمريكي والإسرائيلي مجرّد أطروحة نظرية ، بل تحوّل عبر العقود إلى إطارٍ ناظمٍ للسياسات العملية في ساحاتٍ متعددة ، حيث يُعاد تعريف الاستقرار باعتباره نتاجاً مباشراً لفرض الإرادة عبر التفوق العسكري والضغط الاقتصادي والعزلة السياسية .
فالقوة في هذا المنظور لا تُستخدم فقط للدفاع ، بل لإعادة تشكيل سلوك الخصوم ، وإجبارهم على التكيّف مع معادلاتٍ مفروضة سلفاً .
في الحالة الفلسطينية ، وتحديداً في غزة ، تجلّى هذا المفهوم في سياسات الردع المكثف التي اعتمدتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ، خاصة في ظل قيادة Benjamin Netanyahu .
فقد اعتُمدت معادلة تقوم على الضربات الدورية الواسعة ، وتشديد الحصار ، وإعادة تثبيت قواعد اشتباك تُبقي زمام المبادرة بيد إسرائيل .
لم يُطرح السلام هنا بوصفه تسوية سياسية شاملة ، بل باعتباره هدوءاً مشروطاً بقبول ميزان قوة مختل .
وهكذا أصبح الهدوء المؤقت بديلاً عن الحل الدائم ، وأضحت إدارة الصراع هدفاً بحد ذاته ، لا مدخلاً لإنهائه .
غير أن هذه المقاربة ، وإن حققت ردعاً مرحلياً ، أبقت جذور التوتر حية ، وعمّقت المأزق الإنساني ، ووسّعت فجوة الثقة ، بما يهدد الأمن الإقليمي بدورات تصعيد متكررة .
أما في السياق الأمريكي ، فقد اتخذ سلام القوّة شكلاً اقتصادياً ضاغطاً في التعامل مع دولٍ مثل إيران وفنزويلا وكوبا .
ففي عهد الرئيس Donald Trump ، تم تبنّي سياسة “ الضغط الأقصى ” على إيران عبر الانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة فرض عقوبات واسعة ، انطلاقاً من فرضية أن الاختناق الاقتصادي سيدفع طهران إلى تعديل سلوكها الإقليمي والقبول بشروط أكثر صرامة .
غير أن النتيجة لم تكن استسلاماً سريعاً ، بل تصاعداً في منسوب التوتر ، وتوسّعاً في ساحات الاشتباك غير المباشر ، ما زاد من هشاشة أمن الخليج والممرات البحرية الدولية .
وهاهو اليمين الأمريكي يعيد اسلوب التهديد بالقوة الهائلة لانتزاع أكبر قدر من التنازلات من ايران لوقف التخصيب وتخفيض مدي الصواريخ .
وفي فنزويلا ، استُخدمت العقوبات الشاملة والاعتراف ببدائل سياسية للضغط على النظام القائم ، باعتبار أن العزلة الاقتصادية والسياسية ستقود إلى تغيير داخلي يعيد صياغة المشهد وفق الرؤية الأمريكية .
ثم قامت أمريكا من خلال قوتها الغاشمة باختطاف رئيس فنزويلا والاستيلاء علي نفطها واخضاع حكومتها في سلوك مشين سبق أن مارسته الامبريالية الأمريكية في أمريكا اللاتينية.
إلا أن الضغوط الطويلة ستؤدي إلى أزمة إنسانية واقتصادية عميقة ، وستدفع كاراكاس إلى توثيق علاقاتها بقوى دولية منافسة ، ما يساهم في تعقيد التوازنات في نصف الكرة الغربي .
أما كوبا ، فقد عادت إلى دائرة التشديد والعقوبات بعد فترات انفتاح نسبي ، في محاولة لإجبارها على إعادة تموضع سياسي داخلي وخارجي .
غير أن عقوداً من الحصار أثبتت أن الضغط وحده لا يضمن التحول المنشود ، بل قد يرسّخ خطاب التحدي ويطيل أمد القطيعة والاستقطاب والعداء .
إن القاسم المشترك في هذه التطبيقات هو الإيمان بأن الضغط المتصاعد عسكرياً أو اقتصادياً كفيل بإنتاج “سلام” يُفهم بوصفه خضوعاً أو إعادة تموضع .
غير أن الأثر الجانبي لهذا النهج يتمثل في إضعاف منظومة الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء وهو هدف مقصود .
فالعقوبات الشاملة ، حين تُفرَض خارج أطر توافقية واسعة ، تدفع الدول المستهدفة إلى البحث عن تحالفات بديلة ، ما يعمّق الانقسام الدولي .
وسياسات الردع المفرط ، حين لا تقترن بأفق سياسي وعدالة حقيقية ، تُبقي بؤر التوتر قابلة للاشتعال في أي لحظة .
لقد أسهم هذا المنهج في تعزيز سباقات التسلح ، وتوسيع مساحات الحروب غير المتكافئة ، وتآكل الثقة في قواعد النظام الدولي .
كما أنه غذّى خطاباً مضاداً يرى في القوة أداة هيمنة لا وسيلة استقرار ، الأمر الذي يفتح المجال أمام إعادة تشكيل تحالفات دولية جديدة خارج الإطار التقليدي .
هكذا يتضح أن “سلام القوّة” ، وإن نجح في فرض هدوء مرحلي أو في انتزاع تنازلات تكتيكية ، يحمل في طياته كلفة استراتيجية بعيدة المدى .
فهو يراكم مشاعر الاحتقان ، ويعمّق الانقسامات ، ويجعل الاستقرار رهينة استمرار التفوق ذاته .
وفي عالمٍ يتجه نحو تعددية قطبية متسارعة ، قد يصبح الإصرار على فرض السلام عبر ميزانٍ مختلّ للقوة مدخلاً لمزيد من اللايقين ، بدلاً من أن يكون جسراً نحو أمنٍ أكثر توازناً وشمولاً .
والذي يدعو للدهشة أن كثيرين في عالمنا مايزالون منخدعين ويؤملون في سلام تفرضه أمريكا وحليفتها إسرائيل !




