الاحدثدولي

منطق القوة في عصر ترامب: حين تُنسف قوة المنطق ويُعاد إنتاج الاستعمار بثوب حريري! | كتبت عبير درويش

نهاية عصر الإقناع وبداية عصر الفرض
لم تعد الولايات المتحدة، في ظل إدارة دونالد ترامب، تسعى إلى إقناع العالم بزعامة نموذجها، بقدر ما تعمل على فرض إرادتها عبر منطق القوة العارية.
لم يعد الخطاب يدور حول الشراكة، القيم المشتركة، أو النظام الدولي القائم على القواعد، بل حول سؤال واحد:
من يملك القوة؟ ومن يستطيع أن يُخضع الآخرين دون إطلاق رصاصة واحدة؟
هذا التحول لا يمثل مجرد أسلوب حكم، بل يعكس تحولًا بنيويًا في طبيعة الهيمنة الأميركية: من قيادة توافقية إلى هيمنة قسرية ناعمة، تستخدم الاقتصاد، التكنولوجيا، الدولار، والعقوبات كسلاح شامل.

 

أولًا: ما هو “منطق القوة”؟ تفكيك المفهوم
في الفكر السياسي الكلاسيكي، يميز المفكرون بين:
• قوة المنطق: أي شرعية الفعل السياسي المستند إلى القانون، المؤسسات، والإجماع.
• منطق القوة: حيث تُختزل السياسة في القدرة على الإكراه والفرض.
إدارة ترامب أعادت الاعتبار الصريح لمنطق القوة، لا باعتباره خيارًا اضطراريًا، بل كعقيدة حكم.
يظهر ذلك في:
• التعامل مع الحلفاء كتوابع
• تحويل الاقتصاد إلى أداة ابتزاز
• تقويض المنظمات الدولية
• تسييس الدولار والنظام المالي العالمي
كما يلاحظ عالم العلاقات الدولية جون ميرشايمر، فإننا نشهد عودة واضحة إلى الواقعية الهجومية، حيث “الدول الكبرى لا تثق إلا بالقوة، ولا ترى في القانون الدولي إلا أداة ظرفية”.

 

ثانيًا: من الهيمنة الليبرالية إلى الاستعلاء الإمبراطوري
خلال العقود الماضية، مارست الولايات المتحدة هيمنتها عبر:
• المؤسسات الدولية
• قواعد التجارة
• الخطاب الديمقراطي
• التحالفات متعددة الأطراف
أما في عهد ترامب، فقد جرى تفكيك هذا الإطار لصالح:
• الانسحاب من الاتفاقيات
• فرض تعريفات جمركية أحادية
• التهديد بالعقوبات الثانوية
• التعامل مع الدول كملفات تفاوض لا كشركاء
يصف الاقتصادي الأمريكي جوزيف ستيغليتز هذا التحول بقوله:
“ما يحدث ليس دفاعًا عن المصالح الأمريكية، بل تخريب متعمد للنظام الذي صنعته أمريكا نفسها”.

 

ثالثًا: الاستعمار الحريري… بلا جيوش ولا أعلام
الاستعمار الجديد لم يعد يحتاج إلى:
• احتلال مباشر
• قواعد عسكرية ضخمة
• حكام موالين علنًا
بل يعتمد على أدوات أكثر فاعلية وأقل كلفة:
• التحكم في سلاسل الإمداد
• الهيمنة على التكنولوجيا المتقدمة
• فرض العقوبات العابرة للحدود
• إخضاع البنوك والشركات عبر الدولار
يسمي بعض منظّري الاقتصاد السياسي هذا النموذج بـ “الإمبريالية المالية والتكنولوجية”، حيث تصبح السيادة الوطنية شكلية، بينما القرار الحقيقي يُتخذ خارج الحدود.

 

رابعًا: الاقتصاد كسلاح شامل
أحد أخطر ملامح “منطق القوة” هو تسليع الاقتصاد وتحويله إلى أداة حرب:
• عقوبات لا تمر عبر مجلس الأمن
• حظر تقني يشل قطاعات كاملة
• تهديد الشركات الأجنبية إن لم تلتزم بالرؤية الأمريكية
يرى الخبير الاقتصادي داني رودريك أن هذا السلوك:
“يدفع العالم نحو تفكك اقتصادي خطير، ويقوض الثقة في العولمة كنظام مشترك”.
وهكذا تتحول السوق الحرة إلى سوق مشروطة بالطاعة السياسية.

 

خامسًا: الحلفاء قبل الخصوم… الجميع تحت الضغط
اللافت أن منطق القوة لم يُمارَس فقط ضد الخصوم، بل أيضًا ضد:
• الاتحاد الأوروبي
• كندا
• اليابان
• كوريا الجنوبية
ما يؤكد أن القضية ليست صراع قيم، بل إعادة ترتيب هرم الطاعة العالمية.
في هذا السياق، يرى محللون في مراكز أبحاث غربية أن إدارة ترامب تتصرف وكأنها حكومة عالمية بحكم الأمر الواقع، لا تعترف إلا بميزان الربح والخسارة.

 

سادسًا: هل هو نظام قابل للاستمرار؟
رغم فعاليته قصيرة المدى، يحمل هذا النهج تناقضات عميقة:
• يدفع الدول إلى البحث عن بدائل للدولار
• يشجع على تكتلات مضادة
• يُسرّع صعود نظام دولي متعدد الأقطاب
• يقوض الثقة في القيادة الأمريكية نفسها
كما يحذر المفكر السياسي فرانسيس فوكوياما من أن:
“الهيمنة التي تقوم على الخوف لا تنتج استقرارًا، بل مقاومة مؤجلة”.

 

خاتمة: عالم بلا منطق… هل يدوم بالقوة؟
ما تمارسه إدارة ترامب ليس مجرد سياسة خارجية عدوانية، بل إعادة تعريف لفكرة القيادة العالمية:
• من قيادة بالقواعد
• إلى حكم بالقوة
• من الإقناع
• إلى الإكراه
إنه استعمار حريري: ناعم في أدواته، قاسٍ في نتائجه، شامل في تأثيره.
لكن التاريخ يخبرنا أن:
القوة التي تنسف المنطق، تزرع بذور سقوطها بنفسها.
والسؤال المفتوح اليوم ليس:
هل تستطيع أمريكا فرض إرادتها؟
بل:
كم من الوقت يستطيع العالم تحمّل منطق القوة… قبل أن يعيد كتابة قواعد اللعبة؟

عبير درويش، كاتبة وصحافية لبنانية متخصّصة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية

عبير درويش، كاتبة وصحافية لبنانية متخصّصة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، تمتلك خبرة تفوق عشرين عامًا في الإعلام المرئي والمكتوب وإدارة المحتوى الرقمي. عملت مع مؤسسات محلية وعربية بينها East News وBelwasat.com، وأسّست موقع mintandhint.com الاقتصادي. تولّت إدارة حملات التواصل الاجتماعي لمؤسسات فكرية وإنسانية كـمؤسسة الفكر العربي والجمعية اللبنانية لمكافحة السرطان، وقدّمت برامج اقتصادية عبر تلفزيون لبنان وNBN. تجمع في عملها بين الدقة المهنية والحس الإنساني، ما يجعلها صوتًا موضوعيًا في تناول قضايا الاقتصاد والمجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى