الاحدثدولي

هل تجرعت إيران السم مرة أُخرى !! | بقلم علي الهماشي

وأنا أطالع كتاب (حياتي )  للشيخ المرحوم رفسنجاني وبحثت عن الفصل  المهم  بالنسبة لي وهو ما  يتعلق بالحرب العراقية الايرانية حيث كتب عن وقف الحرب بين البلدين ما نصه :
“كان القرار صعبًا، لكننا كنا نعيش في ظروف لا تسمح بالاستمرار. لقد تجرّعنا كأس السم، ولكننا أنقذنا الثورة من الانهيار.”
 لا أخفي أني معجب بهذا الشخصية  التي تختلف عن بقية الشخصيات التي ترتدي الزي الديني، وما زاد إعجابي انه صريح في كشف مواقف مهمة في حياته، وكذلك خطاباته السياسية والدينية ، وان لم تخَف  بعض كلماته اعتداده بنفسه( رحمه الله) والتركيز على بعضها في كتابه وربما أعود لاستعراض الكتاب مستقبلاً ان شاء الله.
موافقة إيران على وقف القتال تشبه موافقتها على وقف الحرب مع العراق :
موافقة إيران على وقف القتال بعد أنْ شن فيها الكيان الصهيوني بموافقة أمريكية ثم بمشاركة كاملة تشبه تلك الحالة التي كانت قبل 37سنة حينما وافقت إيران على وقف الحرب التي استمرت ثمان سنوات عجاف  راح ضحيتها أكثر من مليوني شخص من البلدين .
برر الشيخ الرئيس في كتابه قرار قبول إيران أنذاك بقرار مجلس الأمن الدولي لوقف الحرب بين البلدين العراق وايران بعبارته التي ذكرها السيد الخميني ( رحمه الله ) ” تجرعت السُم “..
و برر الشيخ بأنَّ القرار كان صعباً وإنَّ الظروف لا تسمح بالاستمرار .. وأنقذنا الثورة ..إلى آخر عبارته وما بعدها من كتابه الذي أشار فيه لسيرته الذاتية ولمحطات مهمة من الثورة الإسلامية ونجاحها في إنشاء أول حكومة اسلامية في القرن العشرين ..
لست في محل الدفاع عن إيران و لا ناطقاً باسمها لكنني كغيري من المراقبين يبحث في حيثيات القرارات المصيرية للدول سيما كبلد مثل إيران مجاور للعراق الذي يتأثر بالارتدادات الحاصلة في البلدان المجاورة  الاخرى..
القرار المفاجئ :
من له اطلاع بالطبيعية الإيرانية وتاريخ حروب هذا البلد يجد من الصعوبة تلقي خبر وقف إطلاق النار  بهذه السرعة أو بهذه السهولة، رغم أني وجدت في تصريحات الولي الفقيه السيد الخامنئي قبيل وقف إطلاق النار استعدادً واضحاً لذلك، حيث أكد على أن تاريخ هذا البلد لم يكن معتدياً ، وغيرها من التعابير.
وكذلك تصريحات المسؤولين أنهم لن يجلسوا على طاولة المفاوضات ما لم يتوقف الاعتداء ، مما يعني الاستعداد للعودة إلى المفاوضات لمجرد وقف إطلاق النار .
كما إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صرح بذلك أكثر من مرة، ولم يكذب تصريحه أي مسؤول أمريكي، وهو اول من أعلن عن اتفاق وقف اطلاق النار بين الطرفين، وكأنه الحكم وليس طرفاً فيها وهي من الأمور الغريبة في هذا الفصل من الحرب بين إيران وأعدائها .!
فترامب أراد أن يكون بطل الحرب بقصفه المنشئات  الإيرانية التي ادعى أنها أنهت البرنامج النووي الايراني وبطل السلام حينما يعلن وقف إطلاق النار ويحدد مساره ومن ثم (يضغط) على نتنياهو لانهاء القصف الجوي على إيران !.
هل تجرعت السُم مرة أُخرى ؟
لعلها المرة الأولى منذ الحرب العراقية الإيرانية تتعرض فيها إيران لهجوم خارجي  كبير وغير مسبوق ، و هو أشد وطأة من بداية حرب الخليج الاولى سنة 1980 ،
فقد كان هجوماً متعدد الاهداف، وكانت البلاد على شفا الانهيار ، ولكنها استوعبت الضربة، ولم تكتف بذلك بل ردت بضربات أعنف، ووصف المراقبون أنَّ الكيان لم يعش مثل هذه الحالة منذ تأسيسه !!
 فلقد تعودت الدولة العبرية أن تضرب وتوجع  ويأتي الرد باهتا  وليس موازياً لما قامت به.
في هذا الفصل كانت الضربات الإيرانية موجعة وإن لم توقع خسائرفي القادة العسكريين أو تقوم بعمليات اغتيال لعلماء وأساتذة جامعات كما فعل نتياهو ومن خلفه عملاء الموساد .
ودخلت الحرب معركة الرد والرد المقابل وهو ما لم يكن بحسابات نتنياهو أو أنه تفاجأ برد الفعل بعد أن اعتمد على الضربة الخاطفة  او على طريقة ان الانتصار لمن ضرب أولا، كما جرى في حرب حزيران 1967،
وسيكون بداية الانهيار للنظام السياسي في ايران .
ولكن الضربة لم تكن قاضية وإن كانت مؤلمة ، فواجه أمراً غير مسبوق بحيث أصبحت كل أراضي فلسطين المحتلة تحت الصواريخ الإيرانية واستثنت القدس من تلك الضربات وغزة كذلك ..
مما لا شك فيه إن نتنياهو كان هدفه اسقاط النظام الاسلامي في إيران كهدف من هدف الضربة العسكرية  التي قام بها وكان يريد الاستمرار بذلك كرد فعل على الخسائر الكبيرة التي تلقاها الكيان جراء الضربات الصاروخية الايرانية، وكاد جنونه أن يدفعه الى استخدام الردع النووي فليس بعيدا عن ذلك، وربما ذلك عجل بانهاء الحرب وقبول إيران الى انهاء المواجهة المسلحة بين الطرفين. لقد كانت التحذيرات المبطنة  من ترامب وغيره لإيران تشير الى قوة تدميرية تنتظرهم ..
وأوحى ترامب بأنَّ مشاركته في العدوان على المنشئات النووية في ايران هي لانهاء الحرب ، ولا تفهم هذه المعادلة بعد إلا اذا كان يريد بهذه الضربة إرضاء نتنياهو وهو ماجرى فعلا حينما شكره في خطاب متلفز وعبر عنها بأنها لحظة تاريخية وما الى غيره من عبارات المديح .
في المقابل هل فهمت إيران أن الاستهداف أكبر من منشئاتها النووية وصواريخها !!؟ فهو استهداف للدولة كلها ، استهداف للنظام الإسلامي؟
ربما استوعبت إيران الرسالة و وجدت الهدف من هذه الحرب هي استهداف إيران ونظامها السياسي ككل
وهذا الأمر ربما وصل الى الدول المعنية ، وهو أمر قد يغير خارطة المنطقة كلها ويصل مداه الى الباكستان والصين وروسيا أيضاً، فتحرك الكل للملة الموقف .
وتجرعت إيران السم مرة أخرى بقبولها وقف إطلاق النار  الذي سيبقى هشاً وضعيفاً ولا استبعد استغلاله من قبل الكيان ، لكنه أيضا يفسح المجال للجمهورية لا لتقاط أنفاسها  ومراجعة حساباتها داخلياً وخارجياً على حد سواء .
وهي خرجت منتصرة بالبقاء على قدراتها العسكرية أو مابقى منها وعلى برنامجها النووي وما تبقى منه ، وإن تضررت بهذا الحجم إلا أنَّ إعادة البناء سيكون ممكناً وفي متناول اليد .
ولكن لا يمكن أن تكون إيران الدولة والثورة، النظام المستمد قوته من الولي الفقيه في منأى عن أي تخطيط عدائي في المستقبل فقد يعمد الأعداء إلى الاستفادة مما جرى إلى الانتقال إلى المرحلة الثانية، والبدء بالخطة البديلة وإلى أساليب أخرى ، هذا الكلام لا يعد تكهنات  واستعجالاً للنتائج بل هو في صلب الأهداف التي لايخفيها الأمريكان أيضا ..
فربما اسقاط النظام عسكرياً وبالحرب قد يؤدي إلى فوضى لا تنته ، ولكن تغييراً داخلياً  يبقي البلاد موحدة ولا يؤدي الى الفوضى يرحب به ترامب وغيره من الغربيين  الذين لا يخفون عدائهم لإيران.
 تَجَرع ُ السُّمِ بالنسبة لإيران ولأي دولة تملك عمقاً تاريخيا ً لا يعني الموت بل تحمل نوع من الأذى، سيما وإنَّ ترياق الشفاء متوفر وهو ما يمكنهم من النهوض مرة أخرى ..

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي مواليد بغداد، له كتابات سياسية عديدة في الشان العراقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى