الاحدثدولي

هل يحوّل ترامب أمريكا إلى إمبراطورية شخصية؟ | بقلم فاطمة مقني

عندما عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2025، وعد أنصاره بـ”إعادة العظمة”. بعد 16 شهراً، خصومه يتحدثون عن شيء آخر تماماً: رئيس يحكم بالمراسيم، يهدد بضم أراض أجنبية، ويتعامل مع الدولة كأنها شركته الخاصة. هل نحن أمام تحوّل تاريخي من جمهورية دستورية إلى إمبراطورية؟

الرئاسة التي لا تتوقف عن التوقيع

الأرقام وحدها لافتة. ترامب وقّع 225 أمراً تنفيذياً في أقل من سنة من ولايته الثانية، متجاوزاً كامل ولايته الأولى. في أول 100 يوم فقط أصدر 143 أمراً، محطماً رقم فرانكلين روزفلت (99 أمراً في 1933).

في يومه الأول، وقّع 26 أمراً دفعة واحدة: إلغاء قرارات بايدن، بدء الانسحاب من منظمة الصحة العالمية واتفاق باريس، تأسيس “إدارة كفاءة الحكومة”، وإعلان طوارئ على الحدود الجنوبية مع نشر الجيش. من بينها محاولة إنهاء حق المواطنة بالولادة لأبناء المهاجرين غير النظاميين وحتى حاملي التأشيرات المؤقتة.

عدة أوامر اعتُبرت متجاهلة للقوانين الفيدرالية والدستور، وبعضها جُمّد في المحاكم. تحليل لمجلة تايم وجد أن قرابة ثلثي تحركاته “تطابق أو تطابق جزئياً” مقترحات مشروع 2025، الخطة المحافظة المكوّنة من 922 صفحة. بحلول مايو/أيار 2026، أكثر من 53% من توصيات المشروع البالغة 532 توصية بدأت أو اكتملت.

علماء السياسة في Yale يصفون هذا النموذج بـ”الرئاسة الإمبراطورية”: استراتيجية تركيز السلطة التنفيذية، تذويب دور الكونغرس، والاعتماد على نظرية “السلطة التنفيذية الموحدة”.

المحكمة العليا عزت هذا الاتجاه بحكم يمنح الرؤساء حصانة جنائية واسعة عن أعمالهم الرسمية، ما أثار مخاوف من رئيس فوق المساءلة.

سياسة خارجية بلا قناع

في الداخل مراسيم، في الخارج قوة خشنة. معهد كارنيغي وصفه في كانون الثاني /يناير 2026 بـ”الإمبريالية العارية”.

ترامب لم يعد يبرر التدخل بالديمقراطية. عن فنزويلا قال صراحة إن هدفه “أخذ النفط”. في ولايته الثانية قصف منشآت نووية إيرانية، استهدف قوارب يشتبه أنها لتهريب المخدرات في الكاريبي، شن غارات في سوريا ونيجيريا، ثم نفذ عملية لاعتقال نيكولاس مادورو.

الأخطر بالنسبة للحلفاء كان ملف غرينلاند. ترامب هدد علناً باستخدام القوة لضم الجزيرة الدنماركية، وفرض رسوماً على ثماني دول أوروبية عارضت الفكرة. الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي 2025 تتخلى عن الخطاب الليبرالي وتتبنى “أولوية نصف الكرة الغربي”، حيث ترى واشنطن أنها قادرة على الهيمنة الكاملة، بعد تراجع نفوذها في أوروبا وآسيا.

مملكة عائلية أم دولة مؤسسات؟

النقد لا يتوقف عند السياسة. استطلاع Economist/YouGov في مايو/أيار 2026 أظهر أن 59% من الأمريكيين يعتقدون أن ترامب يستخدم المنصب لمكاسب شخصية، مقابل 30% فقط ينفون ذلك.

أمثلة يتداولها الإعلام: دعوى قضائية بمليارات الدولارات ضد مصلحة الضرائب بينما يسيطر على وزارة العدل، محاولة تمويل قاعة احتفالات رئاسية بمليار دولار اعتبرها الديمقراطيون “بلاطاً ملكياً”، والعفو الشامل عن أكثر من 1500 من المشاركين في هجوم 6 يناير/ كانون الثاني.
أنصاره يرون في ذلك “تفكيك الدولة العميقة” وإعادة السلطة للشعب. معارضوه يرون تحويل البيت الأبيض إلى علامة تجارية عائلية.

ماذا يعني هذا لأمريكا؟

داخلياً، الحكم بالمراسيم يقلص دور التشريع المشترك. الكونغرس حاول استعادة صلاحيات الحرب بشأن إيران، لكن أي قرار يواجه فيتو شبه مؤكد. خارجياً، الحلفاء الأوروبيون بدأوا يخططون لما بعد الناتو التقليدي، بينما تقدّم الصين نفسها كمدافع “مسؤول” عن النظام الدولي.

هل سيقبل الأمريكيون؟

هنا المفارقة. شعبية ترامب في أيار/مايو 2026 تتراوح بين 37% و40.5% حسب متوسطات RealClearPolitics وCiviqs وMarist، مع نسبة رفض وصلت 62% في استطلاع Washington Post/ABC بسبب حرب إيران وارتفاع أسعار الوقود.

الأهم من الأرقام هو الموقف من السلطة نفسها. مركز Pew وجد في بداية الولاية أن 65% من الأمريكيين يرون أن منح ترامب صلاحيات أكثر “مخاطرة كبيرة”، و78% يرفضون توسيع صلاحيات الرؤساء عموماً.

لكن الانقسام الحزبي حاد: 90% من الديمقراطيين يرفضون، بينما 59% من الجمهوريين يقولون إن “مشاكل البلاد تُحل أفضل لو لم يضطر ترامب للقلق بشأن الكونغرس أو المحاكم”. النسبة ترتفع إلى 78% بين الجمهوريين شديدي الولاء.

بعبارة أخرى، أمريكا لا تريد ملكاً، لكن ثلثاً صلباً من الناخبين مستعد لمنح رئيسهم سلطات إمبراطورية مقابل وعود الأمن والحدود والاقتصاد.

الخلاصة: ترامب لم يتوّج ملكاً، والدستور لا يزال يمنع ذلك. لكنه يبني عملياً رئاسة إمبراطورية: أوامر تنفيذية بأرقام قياسية، سياسة خارجية توسعية بلا قناع أيديولوجي، واستخدام شخصي لمؤسسات الدولة.

هل سيقبل الأمريكيون؟ الجواب ليس “نعم” أو “لا”. الأغلبية متوجسة، لكنها منقسمة ومُتعبة. المحاكم أوقفت بعض الأوامر، والكونغرس ما زال يملك المال والتحقيق. الاختبار الحقيقي سيكون في انتخابات التجديد النصفي 2026: إذا فقد الجمهوريون السيطرة، ستُكبح الإمبراطورية بالقانون. إذا احتفظوا بها، ستواصل أمريكا السير على حافة نادرة في تاريخها — جمهورية بمؤسسات، لكن بروح إمبراطور.

فاطمة مقني، صحفية وإعلامية تونسية

فاطمة مقني صحفية وإعلامية تونسية متخصصة في الاتصال البيئة وملفات الطاقة والطاقات المتجددة، إضافة إلى الصحافة الاستقصائية وبرامج الشأن العام على المستويين الوطني والدولي. حاصلة على الإجازة في سياسات السوق من كلية العلوم الاقتصادية والتصرف بصفاقس، وتعمل في مؤسسة الإذاعة التونسية-إذاعة صفاقس حيث راكمت خبرة ميدانية وإعلامية عميقة في إنتاج وتقديم المضامين الإذاعية ذات البعد التنموي والمجتمعي. تركز في عملها على ربط الإعلام بقضايا البيئة والطاقة، مع إبراز دور الإعلام العمومي في خدمة المصلحة العامة وتقديم محتوى مسؤول يساهم في رفع الوعي وتحفيز الحوار المجتمعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى