إقتصاددراسات

بيت من ورق: من سيدفع فاتورة النظام المالي في لبنان

دراسة مترجمة لسامي حلبي ويعقوب بوسال I للاشتراك بالنشرة البريدية اضغط هنا

تمهيد:
منذ نهاية حربه الأهلية في عام 1990 ، اعتمد لبنان على البنوك والسياحة والعقارات لجذب العملات الأجنبية إلى البلاد ، ومعظمها بالدولار الأمريكي. وعلى مدى عقود ، تم إعادة تدوير تلك الدولارات من قبل المهندسين الماليين التابعين للدولة والبنوك التجارية المحلية والبنك المركزي اللبناني ، مصرف لبنان (BDL) وذلك بهدف إنشاء مخطط بونزي احتيالي جديد في منطقة الشرق الأوسط Ponzi scheme ، والذي عاد بالمنفعة على القطاع المصرفي وحده تاركاً الشعب اللبناني يدفع الفاتورة.
وكغيره من خطط الاحتيال المالي ، فقد اعتمد الزخم المالي في لبنان على الضخ المنتظم للدولار الأمريكي لخلق حالة من الاستقرار المالي الهش. والذي يحمل في أحشائه نظامًا ماليًا متهالكًا حيث تم تصميمه في الأساس لزيادة أرباح القطاع المصرفي فحسب بصرف النظر عن المصلحة العامة.
وكانت النتيجة الحتمية لذلك النظام المالي الهش الذي شارك الأطراف الثلاثة- الحكومة، والبنوك التجارية، ومصرف لبنان- في إنشائه هو الانهيار التام، مما أشعل فتيل المظاهرات الشعبية مؤخرا، حيث انتفض الجميع منددا بالسياسات المالية والاقتصادية الفاشلة، والتي أدت بدورها إلى تفاقم أزمة الدين ونقص الدولار. والجدير بالذكر أنه بدون الدولارات فلن تتمكن الدولة من استئناف مخططها الاحتيالي (بونزي) حيث سيصبح كل من الحكومة، ومصرف لبنان عاجزين عن تقديم الحوافز الباهظة للبنوك التجارية من أجل الحفاظ على حصيلتهما الدولارية لدى البنك المركزي.
والجدير بالذكر أن مصرف لبنان بات غير قادر على تقديم الفائدة السنوية المقدرة بأربعة مليارات دولار إلى البنوك التجارية والمقررة على ودائعها البالغ قيمتها 60 مليار دولار. أما بالنسبة للدولة ، فقد أصبحت الخزانة العامة غير قادرة هي الأخرى على خدمة الدين العام المتراكم بنحو 86 مليار دولار وهو الآن ثالث أسوأ معدل في العالم بالنظر إلى إجمالي الناتج المحلي. وهنا قد يبدو من غير المرجح أن يكون النمو الاقتصادي حلا للمشكلة ، هذا مع الأخذ في الاعتبار أن الاقتصاد اللبناني – الذي تبلغ قيمته الضئيلة نسبيا من الناتج المحلي الإجمالي نحو 55 مليار دولار – أن ينكمش بنسبة 0.2 ٪ في عام 2019. ومن المثير للقلق ، أن هذا التوقع تم قبل فترة وجيزة من انتفاضة أكتوبر 2019. ويرى معظم المحللين بأن لبنان قد بات على وشك موجة عاتية من الركود. فمن المتعارف عليه أنه عادة ما تنكمش الاقتصادات التي تعاني من أزمات الدين والعملة والمصارف في وقت واحد بنحو 8٪ قبل أن تتعافى.
وللتقليل من حدة التداعيات المستقبلية الخطيرة، قد يلجأ لبنان إلى اتخاذ بعض الإجراءات مثل آلية الخصم القسري للدين أو فيما يعرف بـ ” haircut” حيث سيصبح أولئك المنتفعين في المقام الأول من مخطط بونزي مضطرين إلى المساهمة أيضا في دفع الفاتورة. حيث سيساعد التعويم الجزئي لليرة اللبنانية على تقليل التزامات ديون العملة المحلية وإعادة بعض المنطق إلى سعر الصرف.
وعلى المدى البعيد، فإن التحول السياسي من النظام الطائفي الضيق إلى الدولة المدنية المنفتحة يعد هو الحل الأمثل لاستعادة الثقة في المستقبل اللبناني وذلك على صعيد الفوز بالدعم الدولي وحرص القيادة السياسية في البلاد على تطوير البنى التحتية المتهالكة من خلال التوظيف الأمثل للموارد المحدودة، والتي تتمثل في كل من القوة البشرية باعتبارها أحد مصادر القيمة المضافة، والسياحة، والخدمات اللوجستية. هذا في الوقت الذي ربما يغيب قطاع النفط والطاقة عن المشهد قليلا، وفي حال تم النهوض بذلك الأخير، فهنا يتحتم على الدولة الاستعداد لمرحلة مقبلة من الشفافية تجنبا لسطوع نجم الفساد مجددا.
و بعد أحداث الحراك الشعبي اللبناني في أكتوبر 2019 يجب من الاعتراف بأن الاقتصاد اللبناني لن يعود لما كان عليه سابقا، فالأمر بات برمته معلقا بيد صناع القرار والطبقة الحاكمة، فهل هم حقا على استعداد لتبني نموذج اقتصادي أكثر عقلانية لضمان مستقبل مثمر للبلاد! سوف يتطلب الأمر ضرورة إرساء قواعد التنمية المستدامة وخلق الوظائف التي تحقق القيمة المضافة. المهم، ألا يعود البلد لما كان عليه سابقا من بناء الثروة الاصطناعية الواهية مما جعل البلاد على وشك الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي التام.
مقدمة:
لقد تسببت الحرب الأهلية اللبنانية في نشوب حالة من الفوضى في البلاد، كما أن فقدان الثقة في العملة الوطنية أدى إلى خلق نظام مزودج من العملات يشمل كل من الليرة والدولار. ومنذ أوائل وحتى منتصف التسعينات لم يتم ربط سعر صرف الليرة بالدولار مما أدى إلى حدوث المفارقة الكبرى بينهما فقد تذبذب سعر الصرف بدءا من 500 وصولا إلى 2500 ليرة مقابل الدولار الواحد، مما تسبب في تدهور الأوضاع الاقتصادية.
وفي عام 1997 أصدر مصرف لبنان قرارا بتثبيت سعر صرف الليرة عند ما يقارب 1508 ليرة قابل الدولار وتم خلق الربط بين العملتين. ومنذ ذلك الحين فقد حرص محافظ البنك المركزي رياض سلامة والحكومات المتعاقبة على محاولة جذب النقد الأجنبي إلى البلاد أصبح الدولار الأمريكي العملة المهيمنة في الودائع المصرفية ، هذا في الوقت الذي تميل فيه الحكومة إلى استخدام الليرة لتلبية احتياجات الإنفاق العام ، بما في ذلك دفع الضرائب ورواتب موظفي الخدمة المدنية. وهنا يمكن القول بأن الحصول على أكبر قدر ممكن من العملات الأجنبية بات النهج الرئيسي والسياسة الاقتصادية الأولى في لبنان.
وقد تطلب الاستمرار على النهج ذاته، التدفق المستمرللدولارات إلى لبنان من أجل سداد خدمة الدين العام والحفاظ على الربط القائم بين الليرة والدولار، فضلا عن تغطية المدفوعات الخاصة بواردات البلاد من السلع الرئيسية كالوقود والقمح والدواء والتي يستلزم استيرادها توفر النقد الأجنبي. وفي سبيل تأمين هذا التدفق الدولاري، قام كل من مصرف لبنان ووزارة المالية بعرض أسعار فائدة خيالية على البنوك المحلية في مقابل استثماراتها في الدين العام حيث يتم جدولة ذلك في صورة شهادات إيداع (CDs).
بموجب هذا النظام ، يتم تمرير أسعار الفائدة على الدولار والليرة بين هؤلاء اللاعبين الماليين للحفاظ على استمرارية النظام ؛ وقد استمر الأمر حتى بدأت البلاد تعاني أزمة المعروض من الدولارات الجديدة منذ عام 2011. وفي عام 2016 ، بدأ مصرف لبنان في تقديم أسعار فائدة أعلى على الدولار ، وهي العملية التي أصبحت تعرف باسم “الهندسة المالية” والتي استهدفت في الأساس الحفاظ على ربط العملة المحلية بالدولار ، كانت هذه المناورات كارثية على لبنان ، حيث تسببت في حدوث التضخم وتركيز أكبر للثروة وتراجع تصنيف لبنان في التصنيف الدولي. ومنذ أوائل سبتمبر 2019 بدأت الدولة تتخذ بعض الإجراءات لتقنين استخدام الدولار إلى ان اندلعت المظاهرات في أكتوبر من العام نفسه.
ولمزيد من الفهم لما آلت إليه الأحوال الاقتصادية في لبنان، تكشف هذه الورقة البحثية تورط كل من مصرف لبنان والبنوك التجارية والحكومة في تنفيذ مخطط بونزي الاحتيالي والذي جعل الاقتصاد البناني يصل لما عليه اليوم.
مصرف لبنان.. كيان دولاري بامتياز
يلعب مصرف لبنان الدور الأكثر أهمية في النظام المالي اللبناني. وتتمثل مهمته ، المنصوص عليها في قانون المال والائتمان ، في الحفاظ على قيمة العملة اللبنانية ، والاستقرار الاقتصادي ، والهيكل الأساسي للنظام المصرفي ، إلى جانب تطوير السوق النقدية والمالية. وعلى الرغم من كون مصرف لبنان مؤسسة عامة ، لا يقع ضمن اختصاص أي جهة حكومية ، إلا أنه أحيانا ما تعمد وزارة المالية إلى مراجعة الحسابات الخاصة به .
كما يمكن لـ مصرف لبنان أيضًا القيام بإصدار الدين بالعملة المحلية ، وشراء الديون بالعملات الأجنبية والمحلية ، وإصدار شهادات الإيداع للدائنين (معظمهم من البنوك التجارية المحلية) للاحتفاظ بأموالهم. واعتبارًا من آذار (مارس) 2019 ، احتفظ مصرف لبنان المركزي بأكثر من نصف ديون لبنان بالعملة المحلية – 28.68 مليار دولار من إجمالي 53.75 مليار دولار – و 3.4 مليار دولار من الدين بالعملات الأجنبية ، أو سندات اليورو.
وعلى الرغم من ذلك، فإن مصرف لبنان كان يمتنع عن الإدلاء بأي معلومات من شأنها إطلاع المواطن اللبناني على حقيقة الأوضاع المالية في البلاد. وتتضمن تلك المعلومات أرباح وخسائر البنك، وقيمة الودائع الدولارية الخاصة بالبنوك التجارية، وسعر الفائدة المقدر على تلك الودائع.
وقد أشارت بعض التقديرات إلى أن متوسط سعر الفائدة بين عامي 2011 وحتى 2016 على الودائع الدولارية هو 5.5% بينما أفادت تقديرات أخرى بأن المتوسط كان يقرب سعر سندات اليورو وهو المعدل الذي تدفعه الدولة إلى الدائنين على الدين الحكومي بالعملة الأجنبية والذي يتراوح بين 7 إلى 8%
وفي الحادي عشر من نوفمبر، أعلن رياض سلامة حاكم مصرف لبنان أن قيمة سعر الفائدة على ودائع البنوك التجارية تتراوح بين 6.25 % و 6.89% . زاعما بأن هذا المعدل كان أقل بكثير من المتوسط العالمي البالغ 15 ٪. ومع ذلك ، لا ينبغي أن ننظر إلى الأمر بصورة سطحية في الوقت الذي يبدو فيه سعر الفائدة العالمي على ودائع الدولار الأمريكي في الواقع أقل بكثير. حيث يتراوح سعر الفائدة على الودائع الدولارية في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها بين 1.5٪ و 2.4٪ .
وقد كشفت بعض المعلومات التي تم تداولها من خلال مؤسسة Triangle عن ميزانية مصرف لبنان مؤخرا بأن البنك احتفظ بما يعادل 84.48 مليار دولار من أموال البنوك التجارية. وتم إيداع تلك الاموال في هيئة ودائع الليرة، والدولار الأمريكي ، وشهادات الإيداع والاحتياطيات المطلوبة. وبعض هذه الأرصدة لا يتحمل أي فائدة ، بينما يتحمل جزء آخر فائدة. وفي الوقت الذي بات فيه مصرف لبنان بمقدوره طباعة المزيد من الليرة إذا لزم الأمر ، فإن العائق الأكبر أمامه تمثل في تأمين الأموال التي يحتفظ بها بالدولار الأمريكي ، أو بمعنى آخر ، شهادات الإيداع المقومة بالدولار الأمريكي والاحتياطيات المطلوبة بالدولار الأمريكي.
ومن الإجراءات المتبعة لدى مصرف لبنان مؤخرا هو التعتيم المتعمد على البيانات الخاصة بحجم النقد الأجنبي لشهادات الإيداع، هذا في الوقت الذي يتحدث فيه بعض الخبراء عن نسبة 72% في يوليو 2019، والتي تتوافق مع معدل الدولرة في الاقتصاد. وفي ضوء ذلك فإنه قد تبلغ نسبة الحيازات الخاصة بالبنوك التجارية لدى مصرف لبنان، والتي تشمل شهادات الإيداع واحتياطات الدولار، ما يعادل 60.82 مليار دولار في يوليو 2019 أيضا.
كما أوضحت وثيقة أخرى صادرة عن وكالة تصنيف دولية لديها إمكانية الوصول إلى بيانات مصرف لبنان الغير المنشورة أن ودائع العملات الأجنبية قد وصلت إلى 62.3 مليار دولار في نهاية مايو 2019. وهذا يشير إلى أن فرضية الدولرة تبدو دقيقة نسبيًا.
وفي ضوء متوسط سعر الفائدة الذي حدده سلامة على قيمة شهادات الإيداع التابعة للبنوك التجارية، فإن مصرف لبنان يلتزم بدفع نحو أربعة مليارات دولار للبنوك التجارية كل عام، هذا فضلا عن التزاماته الخاصة بخدمة الدين العام. وبحسب بعض التقارير الغير منشورة، فإن حجم الخسارة التي حققها مصرف لبنان جراء سداد قيمة الفوائد المستحقة على ودائع البنوك التجارية وحدها قد نحو 2.36 مليار دولار في عام 2017 و2.55 مليار دولار في عام 2018
ووفقاً لذلك الاستنزاف السنوي للدولار، تشير بعض التقديرات إلى أن مصرف لبنان قام بتجميع مبلغ يقارب الـ 60.82 مليار دولار في شهادات الإيداع المقومة بالدولار الأمريكي، والتي يجب أن يلتزم بسداده في الأخير. ورغم أنه عادة ما يزعم سلامة بأن البنك يتمتع باحتياطي نقدي وافر يصل إلى 38 مليار دولار، إلا أنه في الأغلب لا يفصح عن حجم ديونه والتزاماته تجاه البنوك الأخرى، وبالتالي فإذا ما تم وضع حجم تلك المديونية في الاعتبار، فقد نخلص إلى أن نسبة الاحتياطي النقدي لدى البنك تبدو منخفضة.
لذا بات يتعين على البنك المركزي محاولة إيجاد طريقة لتغطية خسائره والالتزام بدفع الفوائد المستحقة على الودائع بالدولار، ما يخلق دورة جديدة من الديون ويدفع البنك نحو تحمل المزيد من المخاطرة من أجل الحصول على المزيد من الدولارات الجديدة.
البنوك التجارية.. بين فن المقامرة، والمخاطرة
لطالما تم اعتبار البنوك التجارية بمثابة حصن أمان للدولة اللبنانية، فهي تمتلك نحو 15.4 مليار دولار من قيمة سندات اليورو السيادية، كما تقوم بضخ الدولارات في خزينة البنك المركزي. هذا فضلا عن كونها المصدر الأساسي لاجتذاب أموال المستثمرين في الخارج، والإنفاق على الواردات، وتمويل الدين العام. وعلى مدار العقد الماضي، فقد شاركت البنوك التجارية على نحو واضح في مخطط بونزي، حيث تضاعفت الأرباح السنوية لأكبر أربعة بنوك في لبنان تقريبًا من 678 مليون دولار في عام 2008 إلى 1.39 مليار دولار في عام 2018 لكن تلك الأرباح لم تكن ضماناً كافيا للاقتصاد اللبناني. ففي عام 2011 ، بدأ حجم الودائع في التقلص تدريجيا بسبب فقدان الثقة في الاقتصاد والنظام المالي ، مما أدي إلى تراجع نسبة الاستثمارات الأجنبية ، وتراجع التحويلات وتدفق رأس المال من المغتربين اللبنانيين في الخارج.
المواطن اللبناني.. ضحية المناورات المالية في بلده
بالإضافة إلى أسعار الفائدة الخاصة بشهادات الإيداع، فقد أقدم مصرف لبنان في عام 2016 على اتخاذ خطوة يائسة جديدة لدعم الاقتصاد المتهاوي، وذلك من خلال صرف عوائد خيالية لصالح البنوك التجارية مقابل سعيها الدؤوب على جلب الدولارات من عملائها، فيما عرف بنظام “الهندسة المالية” والذي تم تنفيذه عبر آليتين رئيسيتين.
تمثلت الآلية الأولى في قيام وزارة المالية باستبدال مبلغ 2 مليار دولار في صورة سندات اليورو، حيث قام مصرف لبنان يعد ذلك ببيع هذه السندات إلى البنوك التجارية بسعر فائدة غير محدد، مقابل حصولهم على الدولارات الجديدة من العملاء. وفي الوقت الذي ساعدت فيه تلك الآلية على حل مشكلة نقص العملات الاجنبية لدى مصرف لبنان، فقد حذر البنك الدولي من أن هذا التبادل من شأنه أن يعرض الديون الخاصة بوزارة المالية لخطر ارتفاع سعر الفائدة، وزيادة احتمالية نشوب مشكلة إدارة السيولة.
وقد استمرت مخططات الهندسة المالية الاحتيالية في المضي قدما منذ مطلع العام 2017 باستخدام آلية جديدة تتمثل في إمكانية حصول البنك التجاري الذي قام بإيداع رصيد من الدولارات لدى مصرف لبنان، أن يحصل على قرض بالليرة بنسبة 125% من إجمالي قيمة الوديعة الدولارية، بحيث يكون سعر الفائدة على القرض 25 فقط.
ويحق للبنك نفسه إيداع نفس المبلغ الأصلي مجددا مقابل فوائد مرتفعة تصل إلى 13% مدفوعة بالليرة. ومن الأمور التي كان متفقاً بشأنها أن البنوك التجارية من حقها القيام بتحويل أرباحها من الفوائد إلى الدولار أو البقاء عليها في صورة الليرة.
وتتمثل الآلية الثانية في قيام مصرف لبنان بتقديم قروض للبنوك التجارية والتي قفزت من 5.6 مليار دولار في يناير 2017 إلى 35.4 مليار دولار في فبراير 2019 ثم انخفض الرقم إلى 21 تريليون ليرة لبنانية (ما يعادل 14 مليار دولار) في مارس 2019 – يعتقد الكثير من الخبراء أن الأمر يعزو في الأساس إلى بعض الحسابات الغامضة.
فقد أدت الإجراءات المحاسبية الجديدة لمصرف لبنان والمتعلقة بالموازنة بين التزاماته والأصول المملوكة له بشطب قرابة 21 مليار دولار من ميزانيته الأصلية، مما أدى إلى انخفاض القيمة المعلن عنها الخاصة بالقروض المنوحة للبنوك التجارية.
وقال مروان بركات ، رئيس قسم البحوث الاقتصادية في بنك عودة لوسائل الإعلام المحلية في مارس ، إن الهدف الرئيسي لإجراءات المحاسبة هو مواءمة الإفصاحات المالية للدولة مع المتطلبات الدولية. لكن مصدر على دراية بالأمر أشار إلى أن مصرف لبنان قد أعاد تصنيف المبلغ كبند “خارج الميزانية”.
وبالتالي فإنه يمكن القول بأن لبنان بل والدولة اللبنانية بأكملها قد تحولت إلى ضحية للمناورات المالية التي تمت خلال السنوات القليلة الماضية.
في عام 2018 قامت الخزانة العامة بإنفاق مبلغ ما مجموعه 5.59 مليار دولار من أجل خدمة الدين العام، حيث حصل مصرف لبنان على 2.45 مليار دولار والتي يقوم باستخدامها لتغطية خسائره، في حين توجهت الأموال المتبقية نحو البنوك التجارية والمؤسسات الأجنبية. وبحسب الوثائق التي اطلعت عليها مؤسسة Triangle فإن مصرف لبنان يقوم سنوياً بتقديم 40 مليون ليرة سنوياً للخزانة العامة في صورة الأرباح الخاصة بها، وهو مبلغ رمزي لا يفصح عن حجم الخسائر التي تكبدها البنك المركزي في سبيل الحصول على المزيد من الدولارات.
وقد لا يتطلب الأمر سوى إلقاء نظرة عابرة على الاقتصاد اللبناني، كي ندرك جيداً أن الدولة تنفق أكثر بكثير من حجم الإيرادات التي تحصل عليها من الضرائب وغيرها. في عام 2018 بلغ حجم إيرادات الدولة 11.5 مليار دولار أي حوالي ثلثي إجمالي نفقاتها المقدرة بـ 17.73 مليار دولار. هذا ناهيك عن حجم الدين ، وتشمل النفقات الرئيسية للدولة رواتب الموظفين البالغة 6.44 مليار دولار ، وتكاليف شركة كهرباء لبنان التي تديرها الدولة والتي تبلغ 1.76 مليار دولار.
وفي محاولة واهية أخرى من اجل الحصول على المزيد من الدولارات، تقدمت الحكومة اللبنانية بطلب إلى المجتمع الدولي للحصول على منحة بقيمة 11 مليار دولار فيما عرف بمؤتمر “سيدر”، حيث أبدى رئيس الحكومة آنذاك سعد الحريري بتفاؤله حيال الأمر متعهدا بتخفيض عجز الموازنة بنسبة 11% بحلول 2020
وفيما يبدو أن الطبقة الحاكمة قد باتت مضطرة إلى فرض المزيد من الضرائب على الدخل، كي لا تتصادم مع القلة من الأثرياء في الدولة. وتعتبر معدلات تحصيل الضرائب في لبنان أقل منها بكثير في بعض البلدان الأخرى متوسطة الدخل. وعلى الرغم من أن قيمة الضرائب التي من المفترض أن يتم تحصيلها سنوياً تبلغ 34% من إجمالي الناتج المحلي، إلا أن ما يتم تحصيله فعليا هو 15% فقط. ويتقاطع الأمر هنا مع الإجراءات المصرفية المشددة التي تقضي بسرية الحسابات البنكية وترفض الكشف عن قيمة أرصدة الأثرياء في لبنان.
وبدلا من فرض الضرائب بصورة تدريجية، عمدت الحكومات المتعاقبة إلى فرض ضرائب غير مباشرة بأثر رجعي على الدخل كضريبة القيمة المضافة التي يقوم الجميع في لبنان بدفعها بصرف النظر عن التمايز في الدخل والمستوى المعيشي بينهم. وقد بلغ الأمر ذروته عندما قامت الحكومة بفرض ضريبة جديدة على مكالمات الواتس آب بواقع 0.20% دولار يومياً، الأمر الذي كان الدافع الأساسي لاندلاع الانتفاضة الشعبية في أكتوبر 2019 وهنا يمكن القول بأن مخطط بونزي قد سقط أخيراً.
استنتاجات وتوصيات
وفي الحادي عشر من نوفمبر 2019 صرح رياض سلامة حاكمة مصرف لبنان في مؤتمر صحفي بأن الربط بين العملتين سيستمر وأنه لن يكون هناك خصم قسري على الدين ولن تفرض ضوابط على رأس المال. مشيرا إلى إمكانية قيام البنك المركزي بسد احتياجات البنوك التجارية من التجارية بصورة مشروطة، حيث سيكون سعر الفائدة 20% كما سيتم منع تلك البنوك من تحويل الأموال إلى الخارج.
واقترح سلامة تعديلا على سياسة الهندسة المالية تقضي بتخفيض التزامات مصرف لبنان تجاه البنوك التجارية، ورداً على تعليقات سلامة ، أعلن اتحاد نقابات موظفي البنوك عن إضراب مفتوح. وكأنه بعد أن حان وقت الدفع ، لا أحد يرغب في سداد الفاتورة.
والآن بعد أن بعد وصل الجميع إلى طريق مسدود. البنك المركزي، والقطاع المصرفي، الحكومة، والشعب، لقد هناك حقيقة واحدة مؤكدة، ألا وهي أن اللعبة قد انتهت. النمو الاقتصادي لم يعد أمراً مرجحاً خلال الفترة الحالية، وبحسب تقديرات البنك الدولي فإن معدل انكماش الاقتصاد اللبناني سيبلغ 2% بنهاية عام 2019 حتى ولو لم تحدث التظاهرات الأخيرة.
فالاقتصاد البلغ قيمته 55 مليار دولار لا يمكن أن ينمو أبداً في ظل حجم الدين البالغ 86 مليار دولار، والتزامات مصرف لبنان تجاه البنوك التجارية والبالغ قيمتها نحو 60 مليار دولار.
في الواقع، لقد بات شبح الركود المدمر يلوح في الأفق، هذا طبعا بالنظر إلى أن مستوى الانكماش الاقتصادي لدى البلدان الغارقة في الديون قد يصل إلى 8% وذلك قبل أن يقدر لتلك البلدان أن تشهد انتعاشا من جديد. وفيما يبدو أن لبنان قد بات مكرهاً على بذل بعض التضحيات واللجوء إلى الخيارات الصعبة من أجل استعادة مكانته الاقتصادية وسمعته بين المواطنين اللبنانيين.
وفي ضوء استقالة الحكومة في 29 أكتوبر 2019 فإنه لابد من إجراء انتخابات مبكرة للتأكيد على ان النخبة الحاكمة تستجيب فعلا لمطالب الشعب. يجب أن يتم الخصم القسري للدين المتوقع قيام المدينين بسداده للدائنين بصورة تدريجية، وقد يتسبب هذا الإجراء في تمرير الأرصدة الدولارية إلى أولئك المستفدين سابقا من مخطط بونزي الاحتيالي.
وإذا تم تنفيذ هذه السياسة ، فستكون هناك حاجة إلى وضع ضوابط رسمية على رأس المال لتجنب هروبه خارج البلاد ، على الأقل الأرصدة البنكية الضخمة.
سوف يساعد التعويم الجزئي والمنظم لليرة أيضًا على تقليل التزامات ديون العملة المحلية وإعادة بعض المنطق إلى سعر الصرف، ولاشك ان الانتقال السياسي نحو دولة مدنية هو الحل الوحيد الذي يمكن أن ينتج عنه الحوافز المالية والدعم الدولي والتمويل لإعادة البناء البنية التحتية المتدهورة في لبنان والاستفادة من مواردها القليلة.ويعد العنصر البشري واحد من أهم مصادر القيمة المضافة في لبنان، فضلا عن موقعها الجغرافي المتميز كوجهة سياحية ومركز للخدمات اللوجستية.
وبعد انتفاضة أكتوبر 2019 سيتوقف الكثير على ما إذا كانت الطبقة الحاكمة في لبنان مستعدة لتبني نموذج اقتصادي اكثر عقلانية. والسيناريو البديل الذي يجب تجنبه مستقبلا هو العودة إلى الثروة المصطنعة وتركيزها في يد الأثرياء، وهو ما جعل البلاد على شفا الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي .

للاشتراك بالنشرة البريدية اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق