إقتصاددولي

أين تقف رأسمالية المساهمين اليوم؟

هل تمكنت الرأسمالية من التغلب على المشكلات التي أفرزتها حول العالم؟
أكدت استطلاعات الرأي الأخيرة كيف أصبحت الرأسمالية تواجه حالة عامة من الرفض بين القطاعات المختلفة في المجتمع الأمريكي. فقد أكد غالبية المشاركين في استطلاع الرأي ممن ينتمون إلى جيل الألفية أنهم يرفضون النظام الاقتصادي الراهن، بينما قال 55% من النساء الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 إلى 54 سنة إنهن يفضلن الاشتراكية. وفيما يبدو أن نسبة كبيرة من الديمقراطيين الأمريكيين قد أصبح لديهم اتجاه وميول نحو الاشتراكية على نحو أكبر من الرأسمالية. وعلى الصعيد العالمي، اكد نحو 56% من المشاركين في الاستطلاع بأن الرأسمالية حاليا باتت تضر أكثر مما تنفع.
المشكلة الأساسية في تلك النسب والأرقام التي تمخض عنها الاستطلاع هي الطريقة التي ينظر بها المبحوثون إلى كل من الرأسمالية والاشتراكية، فعلى الأغلب أنرافضي الرأسمالية يركزون على دورها الواضح في إثراء أصحاب الأسهم في الشركات الكبرى وكبار المستثمرين حول العالم دون غيرهم من الفئات المجتمعية الأخرى فيما يعرف بـ (رأسمالية المساهمين)، حيث كان ذلك هو التوجه الأساسي للنظام الرأسمالي الأمريكي منذ أكثر من أربعة عقود.
ومن قد بات واضحا خلال الآونة الأخيرة، الاتجاه نحو تطبيق نوع جديد من الرأسماليةوالتي تقدر قيمة المجتمعات والبيئة والقوة العاملة بنفس قدر تقييمها للأرباح، ولعل التعهدات الأخيرة لبعض الشركات العالمية بإجراء ممارسات تجارية أكثر استدامة هي خير دليل على ذلك.
منذ ما يقرب من 50 عامًا ، زعم الخبير الاقتصادي ميلتون فريدمان أن الهدف الأساسي للشركات هو “الاستخدام الأمثلللموارد وتنفيذ بعض الأنشطة والمشروعات بهدف زيادة الأرباح”. وخلال عقد من الزمان ، أصبح إدعاء فريدمان حكمة مقبولة في مجالس إدارة الشركات. ومن هنا بدأ عصر “رأسمالية أسبقية المساهمين”.
وبالرغم من أن أطروحات فريدمان قد ساهمت فى تحقيق نموملحوظ في سوق الأسهم بوجه عام،إلا أن بعض الخبراء حينئذأكدوا بأن الشركات و”نظرية قيمة المساهمين” تعد من أهم أسباب تفاقم العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ، مثل عدم المساواة في الدخل وقضية التغيرات المناخية. كما أشاروا إلى خطورة اعتماد الأرباح كأولوية في نظام عمل الشركات على المساهمين، وذلك لأن بعض المدراء قد يعمدون إلى تطبيق بعض السياسات الغير حكيمة في بعض الأحيان والتي تؤدي إلى خفض قيمة الأرباح.
وبمرور الوقت أصبح المستهلكون والعمال والمستثمرون حول العالم يتمتعون بدرجة أكبر من الوعي مما يجعلهم يؤكدون على انه لا مجال الآن لأن تقوم الشركات بالتركيز على مبدأ تحقيق الأرباح أولا. فقد أظهرت نتائج أحد استطلاعات الرأي في عام 2017 أن 78٪ من المستهلكين في الولايات المتحدة يريدون من الشركات متابعة قضايا العدالة الاجتماعية ، بينما قال 76٪ إنهم يرفضون شراء منتجات بعض الشركات إذا كان النشاط التجاري يدعم قضية تتعارض مع معتقداتهم الخاصة. كما أكد ما يقرب من نصف المشاركين أنهم قاطعوا بالفعل عدد من المنتجات لهذا السبب.
الدور الاجتماعي للشركات
وتذهب معظم توقعات العمال حاليا في اتجاه ضرورةمشاركة أصحاب العمل للقيم الخاصة بهم. فقد توصلت دراسة أجريت في عام 2016 إلى أن معظم الأمريكيين – وخاصة من أبناء جيل الألفية –يطالبون بمراعاة الالتزامات الاجتماعية والبيئية للشركة عند تحديد مكان العمل. وقد أعرب معظمهم أيضًا عن تقبلهم لمبدأ تخفيض الأجور مقابل العمل في شركة “مسؤولة” على حد قولهم.
وأخيرًا ، أصبح المستثمرون يتمتعون بقدر أكبر من الوعي الاجتماعي ويقومون باستثمار أموالهم لصالح الشركات التي تسعى إلى تنفيذ الخططالمستدامة وتستجيب بسرعة للمتطلبات والمتغيرات المجتمعية. وقد عبر عن ذلك لورينس فينك ، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركةBlackRockوذلك عندما قال في عام 2018: “لكي تزدهر بمرور الوقت ، يجب على كل شركة ليس فقط التركيز على الأداء المالي ، ولكن أيضًا إظهار كيف تسهم مساهمة إيجابية في المجتمع.”
إن رأسمالية المساهمين هي موضوع هذا العام في دافوس ، التجمع العالمي للنخبة من جميع أنحاء العالم في جبال الألب. وفي العام الماضي ، قال القادة في بعض الشركات العالمية الكبرى إنهم يتخلصون من رأسمالية حملة الأسهم الممتازة ويسعونعوضا عن ذلك إلى تحقيق غرض مشترك يستهدفتحقيق المنفعة العامة.
وقد استجابت العديد من الشركات العالمية الكبرى للاتجاه الجديد الذي يسلط الضوء على البعد الاجتماعي، ومن بينها ديكز سبورتنج برودز ، كروجر ، وول مارت ول، والتي استجابت للمخاوف الناجمة عن تكرار وقوع حوادث إطلاق النار الجماعي وذلك من خلال وضع القيود على بيع الأسلحة. كما أعربت شركة Procter and Gamble ، وهي أحد الرعاة الرئيسيين لكرة القدم في الولايات المتحدة ، عن دعمها لسعي الفريق النسائي للمساواة مع الرجال في الأجر، حيث تبرعت بمبلغ 500 ألف دولار للمساعدة في تضييق فجوة الأجور مع الرجال.
ورغم أن قرار تخفيض مبيعات الأسلحة قد تسبب في وقوع خسائر مادية لبعض الشركات إلا أن وضعها الاقتصادي لم يتأثر، حيث أعلنت تلك الشركات عن وضع مصلحة الجمهور على قائمة أولوياتها. وقد وجدت الشركات أن التركيز على إقرار العدالة الاجتماعية يمكن أن يؤتي ثماره. على سبيل المثال ، أعلنت شركة يونيليفر في عام 2017 أن علاماتها التجارية المرتكزة إلى مبدأ “المعيشة المستدامة” ، مثل Ben & Jerry ، و Dove and Hellmann ، تنمو بشكل أسرع بكثير من علاماتها التجارية الأخرى. وقد لوحظ ان الشركات التي تحظى بتقييمات افضل في تقارير الاستدامة تتمتعبأداء ماليأفضل من الشركات ذات التقييم الأقل.
هل يمكن التخلص الفعلي من رأسمالية المساهمين؟
ولعل الواقع قد جعل بعض المتشكيين في نوايا الشركات الكبرى يزعمون بأن الخطاب المعسول لتلك الشركات ما هو إلا نوع من أنشطة العلاقات العامة التي تمارسها تلك الشركات بهدف تحسين صورتها أمام الأجيال الجديدة. ولا شك أن تلك الشركات لا يمكن اعتبارها بمثابة مواطنين صالحين إذا ما أظهرت العكس، فالنوايا وحدها لا تكفي بل يجب أن تقترن بالأفعال. وفي عام 2017 أظهرت دراسة ان عدد من الشركات التي التزمت بتخفيض أنشطتها الصناعية من أجل المساهمة في الحد من تغير المناخ قد تراجعت عن خططها بسبب اصطدام الواقع بمصالحها وأهدافها العليا.
والجدير بالذكر أن الشركات لا يمكنها تجاهل رغبات كل من العملاء والعمال والمستثمرينعلى الصعيد الاجتماعي ، تجنبا لخسارة الاستثمارات الهامة ومواجهة قرارات المساهمين التي تفرض التغيير.
وحقيقة فلم تكن عقيدة المساهمين سيئة للغاية ، ولكننا بدأنا نرى شقوقًا كبيرة في مبادئها. وطالما استمر المستثمرون والعملاء والموظفون في الضغط على الشركات من أجل تبني سياسات أكثر مسؤولية ، فمن المتوقع اننرى هذه الشقوق تنمو.
رابط المقال اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى