إقتصادالاحدث

إستقلالية المصرف المركزي هي الحل وليس مجلس النقد | بقلم البروفسور نيكول بَلّوز بايكر والبروفسور مارون خاطر

للاشتراك بالنشرة البريدية اضغط هنا

في كلِّ مرَّةٍ يتقدَّم فيها الشأن الاقتصادي والنَّقدي خطوةً نحو حلٍّ مفقودٍ بات موعوداً، تَعود الأصوات المُطالِبة بإنشاءِ “مجلس نقد” (Currency Board) فتحاول أن تعلو فوق صوت الكارثة. بالنِّسبة إلى أكثرية مؤيِّديه، يتعدَّى مجلس النَّقد كونَه تجربةٌ قابلة للنقاش العلمي. فهو غالبًا ما يَرتَقي بنظرهم إلى مرتبة العقائد التي يُهاجَمُ معارضوها عبر التشكيك بمهنيَّتهم حتَّى الانحِدارِ بهم إلى مَصَافِ الجَهَلَة.

لا شكَّ في أنَّ لمجلس النَّقد نجاحات موثَّقة في العديد من البلدان التي اعتُمِدَ فيها. إلّا أنَّ هذه النجاحات مُرتبطة ارتباطاً وثيقاً باقتصادات هذه البلدان وحيثياتها الجيوسياسيَّة وهي لا تتطابق مع واقع لبنان واقتصاده وخصوصيَّتِهِ. في مقاربته لموضوع مجلس النَّقد، يُحَدِّد صندوق النَّقد الدَولي شروطاً ثلاثة لضمان فاعلية عمله. يُشَدِّد الشَرط الأوّل على ضرورة تأمين احتياطات كافية، في حين يَنُصُّ الشرط الثاني على إقرار وتطبيق سياسات ماليَّة تقييديَّة (Restrictive Fiscal Policies) تحظى بدعمٍ سياسيٍّ واسع. أمَّا الشرط الثالث فيُركِّز على أهميَّة وجود نظامٍ ماليٍّ سليم. إنطلاقاً من هذه الشروط الثلاثة نسأل: من أين للبنان الاحتياطات الكافية وهو لم يبقَ لديه إلّا بضعة مليارات من الاحتياطي الإلزامي؟ أيُّ قيمة “لا نهائية” (Infinite Value) ستُعتَمَد لسعر الصَّرف إذا ما وُضِعَت حُفنة المليارات هذه أمام الكتلة النقديَّة الهائلة والمُتزايدة من العملة المحليَّة التي تُطَبَعُ تباعًا؟ من سيُطبِّق سياسات ماليَّة تقييديَّة تُخَفِّض الإنفاق الحكومي أو ترفع الضرائب؟ أَوَلَيس من الأجدى الحدُّ من التَهَرُّب الضريبي وضبط الحدود ووقف الهدر قبل ذلك؟ عن سلامة أيِّ نظام ماليٍّ ومصرفيٍّ نسأل في زمن التعثُّر والهَيمَنَة وغياب الاستقرار السياسي؟ إن كان لبنان لا يستوفي أيًّا من الشروط التي حدَّدها صُندوق النَّقد وهو آخر الفرص باعتراف الاغلبيَّة، فكيف يُشَكِّل مجلس النقد حلاً يقبله الصُندوق نفسه؟ هل يَحتَمِل لبنان المزيد من التناقضات والجدل؟

مِن المُمكن أن يَكونَ مجلِس النَّقد قَد نَجَحَ في تأمين استقرار سعر الصَّرف في بلدانٍ شَهِدَت تحوُّلات اقتصاديَّة بنيويَّة. في بلدان أُخرى، قام مجلس النَّقد على أنقاض المصارف المركزيةّ فلم يُشَكِّلُ بديلاً، بل أصيلاً في غياب الأصيل. أما في لبنان، فلن يكون مجلس النَّقد إلّا صيغةٌ مُفَخَّخَة تهدف أو تساهم في إلغاء دور المصرف المركزي الناظم للسياسات النقديَّة والدَّاعم للسِّياسات الحكوميَّة وللمصارف المتعثِّرة. ليس عدم استقرار سعر الصرف أحد اسباب أزمة لبنان بل إحدى نتائجها، فكَيف يكون مَجلِس النَّقد حلاًّ إن كان يُعالجُ النتائج ويَغفَل عن الأسباب؟ إنَّ قيمة النَّقد مرتبطة بالإنتاج واستقرارها مَنوطٌ بالنموّ. في سياقٍ أخر مُتَّصل نسأل عن الَتبِعات الاجتماعيّة والهيكليَّة لِكَفِّ يَد المصرف المركزي كما عن هويَّة وانتماء مَن سيُشكّلون مجلساً للنقد في بلد يُهَدَّدُ فيه قاضٍ في قصر العدل ويَعيثُ فيه الفسادُ في الأرض فُصولًا. يُشكِّل التناغم، لا بل التواطؤ، بين السياسات النقديَّة والتوجُّهات السياسيَّة السبب الأساس الذي أدَّى إلى تفاقم الأزمة اللبنانيَّة وإلى تَوَرُّط المصرف المركزي والمصارف في تمويل الفساد والعشوائية. الموضوع يبدو مُرتبطاً باستقلاليَّة المصرف المركزي، التي تُمَكِّنُهُ من القيام بدوره، وليس بإلغاء السياسة النقديَّة عبر تثبيت مُحكَم لسعر الصَّرف يَفرِضُهُ مجلس النَّقد. إنَّ استقلاليَّة المصرف المركزي عن السلطة السياسيَّة ضرورة لكبح جماح الحكومات المُتعاقبة نحو المصالح والأهداف الضيِّقة بدون ابتعادها من الإطار المؤسّسيّ وعن السياسات الاقتصاديَّة العامَّة للدَّولة.

تَسمَحُ الاستقلاليَّة للمصرف المركزي أن يَتَّبع قاعدة نقديَّة تُمكِّنُهُ من تمويل النُموّ بعد أن يَعتَمِدَ معدَّل تضخُّم مُستهدَف (Target Inflation Rate) يَلتزمُ به. تُساعِد هذه السياسة النقديَّة المُتَّبَعة على استقرار الأسعار عَبر تحويل التوقُّعات العقلانيَّة (Rational Anticipations) إلى توقُّعات جيِّدة. يُمكن تَقويم استقلاليَّة المصرف المركزي على مستويات ثلاثة:

١- الاستقلاليَّة العُضويَّة (Organic Autonomy)، وهي تُعنى بشروطِ ومدَّة تعيين الحاكم، المجلس والهيئات. تُشَكِّلُ وتيرة التناوب الوظيفي البُعد الأكثر إثارة للجدل بين هذه المعايير. يَلحَظ بعض النظريات وجود علاقة إيجابيَّة بين مدَّة بقاء الحاكم في منصبه واستقلاليَّة المصرف المركزي لناحية تحديده السياسات النقديَّة. تَعتَبر نظريات أُخرى أنَّ امتداد فترة الحكم قد تَعكُسُ تواطُؤاً ضارَّاً بين السياسات النقديَّة والسلطة السياسيَّة.

٢- الاستقلاليَّة الوظيفيَّة ( Functional Autonomy)، وهي تَرتَكِزُ على استقلاليَّة الهدف (سعر الصرف أو أهداف السياسة النقديَّة)، وعلى استقلاليَّة الوسائل (استخدام أدوات السياسة النقديَّة وفقًا للأهداف المحدَّدَة). تَجدُرُ الإشارة إلى وجود علاقة عكسيّة بين الاستقلالية الوظيفية والتضخُّم بحيث ساهم انتهاك هذه الاستقلاليَّة في ما وصلنا إليه في لبنان من خسائر ماليَّة واقتصاديَّة.

٣- الاستقلاليَّة الماليَّة (Financial Autonomy)، وهي تختًّصُّ بتحديد الوسائل الماليَّة لتحقيق الهَدَف المنشود.

تبدأ رِحلة تحقيق استقلاليَّة مصرف لبنان بإطلاقِ ورشةٍ تشريعيَّة تَعمَل على الفصل بين السياستَين النقديَّة والماليَّة بهدف جعلهما وسيلتَين متكاملتَين تُحقِّقان الاستقرار. تزامنًا، يقوم المجلس النيابي بمراجعة شاملة لأحكام مواد قانون النَّقد والتسليف المُتعلّقة بإقراضِ الدولة ولا سيَّما المواد ٨٨ و٨٩ و٩٠ و٩١. لا شكَّ في أنَّ العمل على ضبط ومراقبة (أو حتى إلغاء) المادة ٩١ من قانون النَّقد والتَسليف يُشكِّل مَطلباً ذا بُعدٍ وطني. فهذه المادَّة مكَّنَت الحكومات المُتعاقِبة من تَمويل الدَّعم والفساد عَبر اعتبارها جميع الظروف استثنائية الخطورة خلافاً لروحيَّة النَصّ القانوني وتفسيراته. نَلفُتُ إلى أنَّ استقلاليَّة المصرف المركزي لا بُدَّ من أن تُقابِلُها آليات رقابية تضمن الشفَافيَّة والمحاسبة. أشارت إحدى دراسات صندوق النَّقد الدَولي نُشرت في العام ٢٠١٩ تحت عنوان “الشفافيَّة والمحاسبة والاستقلاليَّة في المصارف المركزيَّة” إلى أنَّ الاستقلاليَّة والمحاسبةُ وَجهانِ لعملةٍ واحدة. من ناحيةٍ ثانية اعتبرت الدراسة أنَّ الشفَافيَّة هي بمثابة صلة وَصل بين الاستقلاليَّة والمحاسبة الديموقراطيَّة.

لا بدّ للسياسية النَّقديّة أن تترافق مع سياسة ماليَّة تتَّبع نهج القاعدة الذهبيَّة للإنفاق (Golden Rule of Government Spending) تَربط هذه القاعدة الإنفاق بالإيرادات وتَحُصُرُ الاستدانة بالاستثمار أو تُحَدِّد العَجز بنسبة مُحدَّدة من الناتج المحلِّي بما يشبه، على سبيل المثال لا الحصر، ميثاق الاستقرار والنموّ في البلدان الاوروبية (European Stability and Growth Pact).

في النهاية لنا الحقُّ أن نسأل:

إذا كان صُندوق النَّقد الدَولي، وهو الملاذ التمويليّ والإصلاحيّ الأخير للبنان واللبنانيين، يشدِّدُ على أهمّية استقلاليَّة المصارف المركزيَّة؛

وإذا كان الصندوق يَعتَبِر الاستقلاليَّة عاملاً مُهمَّاً لاستقرار البلدان التي تسعى إلى الفصل بين سياساتها النقديَّة والتدخُّلات السياسيَّة؛

وإذا كان بَلَدُنا لا يستوفي أيًّا من شروط صندوق النَّقد نفسه بالنسبة إلى تشكيل مجلس نَقد،

فما الحريُّ بنا أن نفعل؟

أنستغني عن السِّياسة النقديَّة، وهي أحَد جناحَي السِّياسة الإقتصادية، بَدَلَ تفعيلها؟

أنتحوَّل من سعر الصرف الثابت، الذي يعتبره الجميع أحد أسباب المُشكلة، إلى ما هو أثبت منه فصولاً؟

أنُنشِئ مجلسَ نقدٍ أم نُدخِل استقلاليَّة المصرف المركزي في صُلبِ دستورنا؟
نُشر هذا المقال أولًا في مجلة “أسواق العرب”

البروفسور مارون خاطر، باحث في الشؤون الماليَّة والاقتصاديَّة

أستاذ في جامعة القديس يوسف ومحاضر في كلية القيادة والاركان في لبنان. محاضر دولي في جامعة ليل في فرنسا. كاتب وباحث متخصص في الشؤون المالية والاقتصادية.له مداخلات مكتوبة ومرئية متخصصة دائمة في الإعلام اللبناني والعربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى