منذ ما قبل الحرب الأهلية حتى اليوم، تعود الحركة العمالية في لبنان إلى المطلب نفسه في كل مرة: زيادة الرواتب لأن الأسعار ارتفعت ولم يعد الراتب يكفي. تتغير الحكومات والقيادات، ويبقى المطلب كما هو.
والنتيجة أيضاً لا تتغير. تدفع الدولة الزيادة من مال لا تملكه فتستدين، أو ينفق الناس الزيادة على بضائع مستوردة فيخرج المزيد من الدولارات من البلد. بعد فترة ترتفع الأسعار من جديد، فتأكل الزيادة، ويعود الراتب الفعلي إلى ما كان عليه أو أقل.
السؤال إذاً ليس لماذا تخسر الرواتب قيمتها، فهذا معروف. السؤال هو: لماذا تكرر الحركة العمالية المطلب نفسه وهي تعرف كيف سينتهي؟
ما دامت تعرف النتيجة، فالمشكلة ليست جهلاً. التكرار يخدم شيئاً ما. وهذا المقال يحاول أن يشرح ما يخدمه، من خلال سببين متداخلين: اقتصاد لا يترك أمام العمال طريقاً آخر لتحسين دخلهم، ونظام سياسي لا يسمح لهم إلا بهذا الطريق.
كيف تدور هذه الحلقة؟ تُقَرّ زيادة على الرواتب. إذا كان المستفيد موظفاً في الدولة، تدفعها الخزينة فيكبر عجزها. وإذا كان يعمل في القطاع الخاص، يرتفع ما ينفقه الناس على الاستهلاك.
ولبنان يستورد معظم ما يستهلكه. فالمال الإضافي يذهب إلى شراء بضائع من الخارج، ويدفع البلد ثمنها بالدولار. وحين يخرج من الدولارات أكثر مما يدخل، يحتاج لبنان إلى أموال تأتيه من الخارج ليسدّ الفرق.
في الثمانينيات، حين كان سعر الليرة يتحرك بحرية، كانت الزيادة تنقلب بسرعة إلى غلاء وانهيار في قيمة الليرة. وبين 1997 و2019، حين ثُبّت سعر الدولار عند 1507 ليرات، تأخر الانهيار ولم يُلغَ. تراكمت الديون سنة بعد سنة، ثم جاءت الفاتورة كلها دفعة واحدة.
سلسلة الرتب والرواتب عام 2017 مثال واضح. قُدّرت كلفتها بنحو 800 مليون دولار، ثم تبيّن أنها تكلّف نحو 1.3 مليار دولار سنوياً إضافية. وحذّر صندوق النقد الدولي من أن الرواتب وفوائد الديون ستكون السبب الأول في تدهور مالية الدولة. بعد أقل من سنتين، دخل لبنان أسوأ أزماته.
النتيجة أن كل زيادة تنتهي عكس ما أرادت. الراتب الفعلي يتراجع، والرابح هو من يملك الأموال والعقارات والدولارات. ثم يعود العمال للمطالبة بزيادة جديدة. أي أن نتيجة المطلب هي التي تعيده.
ولهذه القصة تاريخ طويل. خلال الحرب، حين ارتفعت الأسعار بجنون، طالب الاتحاد العمالي العام عام 1987 بأكثر من الرواتب: ضرائب أعلى على الأغنياء، وتغطية صحية للجميع، وتمويل الخدمات الأساسية. لكن هذه المطالب بقيت على الورق، وانتهت المفاوضات كل مرة إلى زيادة الرواتب وحدها.
في أيار 1992، وصل سعر الدولار إلى نحو ثلاثة آلاف ليرة. نزل الناس إلى الشوارع وأحرقوا الإطارات فيما سُمّي “ثورة الدواليب”، فاستقالت حكومة عمر كرامي، وجاء رفيق الحريري إلى رئاسة الحكومة. ومن هذا الغلاء وُلدت سياسة تثبيت الليرة بالاستدانة، التي حكمت البلد ثلاثين سنة.
ثم تتالت الزيادات: في التسعينيات، ثم عام 2012، ثم سلسلة 2017، ثم زيادات ما بعد الانهيار. تغيّرت الشعارات، وبقيت القصة نفسها: الراتب يرتفع على الورق، ثم يخسر قيمته، ثم يعود المطلب.
والغريب أن لبنان لا يملك أرقاماً موثوقة تبيّن كم يحصل العمال من مجمل ثروة البلد على مدى هذه العقود. فإحدى أشهر قواعد البيانات الدولية تعطيه رقماً واحداً تقديرياً لا يتغير من 1970 حتى أواخر التسعينيات. وغياب الأرقام له معنى: ما لا يُحسب لا يُطالب به، فيبقى المطلب محصوراً في الرقم الوحيد الظاهر للجميع، أي قيمة الراتب.
السبب الأول اقتصادي. فالاقتصاد اللبناني يعيش منذ الاستقلال على التجارة والمصارف والسياحة، لا على المصانع والزراعة التي تنتج وتصدّر. ومعظم دخله يأتي من الخارج: أموال المغتربين، والودائع، والأموال التي تبحث عن فوائد مرتفعة.
في بلد صناعي، يرتفع راتب العامل لأنه ينتج أكثر. يكبر ما تصنعه الشركة، فيصبح هناك ما يكفي لرفع الأجور من دون أن يخسر أحد. أما في لبنان، فالأرباح الكبرى تأتي من قطاعات لا تحتاج إلى عمال كثيرين، مثل المصارف والعقارات.
لذلك حين يطالب العامل اللبناني بزيادة، فهو لا يطالب بثمن عمل إضافي أنتجه. هو يطالب بحصة من أموال تأتي من مصادر لا علاقة له بها. وحين يكون مصدر هذه الأموال خزينة الدولة أو الأموال الوافدة من الخارج، تصبح كل زيادة ديناً جديداً.
ولهذا لم تطالب الحركة العمالية بشيء مختلف حتى في السبعينيات، حين كانت أكثر استقلالاً عن السياسيين. ففي اقتصاد لا يرفع الأجور عبر الإنتاج، لا يبقى أمام أي نقابة، مستقلة كانت أم تابعة، إلا المطالبة بزيادة الراتب.
السبب الثاني سياسي، وبدأ فعلياً بعد اتفاق الطائف. بين 1992 و1997 اصطدم الاتحاد العمالي العام بالحكومة مرات عديدة، إلى أن انتهى الأمر بما وصفه الباحث سامي بارودي بإسقاط مدبَّر من الحكومة لرئيس الاتحاد إلياس أبو رزق في انتخابات نيسان 1997. وبعد الانتخابات أُوقف أبو رزق بتهمة انتحال صفة رئيس الاتحاد.
والطريقة كانت قانونية في الشكل. فتأسيس أي نقابة يحتاج إلى موافقة وزير العمل، وهذا سمح بإنشاء نقابات واتحادات موالية للأحزاب، تأخذ الأكثرية داخل الاتحاد. ومنذ ذلك الوقت، صار الاتحاد يعكس مصالح الزعماء السياسيين أكثر مما يعكس مصالح العمال.
من هنا يجب أن نفرّق بين الحركة العمالية والعمال. الحركة هي القيادات التي تتكلم باسم العمال، والعمال هم الناس الذين لا يملكون طريقاً آخر لإيصال صوتهم. والقيادة هنا تشبه وكيلاً صار يخدم مصلحته الخاصة لا مصلحة من وكّله.
وقيادة تتقاسمها أحزاب متخاصمة لا تتفق إلا على مطلب واحد. إذا طالبت بإصلاح الإدارة العامة، اختلفت الأحزاب على حصصها من الوظائف. وإذا طالبت بمكافحة الفساد، اتهم كل حزب الآخر. وإذا طالبت باقتصاد شفاف تتنافس فيه الشركات بعدالة، اصطدمت بالقوى نفسها التي تسيطر على الاقتصاد. وحدها زيادة الراتب لا تزعج أحداً منهم.
وللزيادة ميزة إضافية عند القوى السياسية النافذة. فهي سريعة وظاهرة، ويستطيع كل زعيم أن يقول لجمهوره إنه هو من حصّلها. أما الإصلاح الحقيقي، فيستفيد منه الجميع ولا يُنسب إلى زعيم بعينه، ويهدد شبكات الخدمات والوظائف التي يعيش عليها الزعماء. لذلك فزيادة الراتب ليست فقط أسهل مطلب، بل هي المطلب الوحيد الذي يناسب هذا النظام.

ويتضح الفرق بين الحركة والعمال حين نسأل: من هم العمال الذين تتكلم باسمهم؟ في دراسة القوى العاملة لعامي 2018 و2019، كان نحو 55% من العاملين يعملون من دون عقود رسمية أو ضمان، ونحو 12% فقط يعملون في القطاع العام. أي أن أكثر من نصف العاملين لا تصلهم أي زيادة رسمية على الرواتب.
وهناك من هم أبعد من ذلك. فالعمال غير اللبنانيين كانوا نحو 21% من القوى العاملة، وقانون العمل نفسه لا يشمل العاملين في المنازل. هؤلاء يعملون في لبنان، لكن لا أحد يمثّلهم في أي نقابة.
يبقى في قلب الحركة موظفو الدولة والعاملون بعقود رسمية. وموظفو الدولة هم الأكثر تنظيماً، وكثير منهم وصل إلى وظيفته عبر واسطة حزبية. فحين يطالب موظف الدولة بزيادة، يطالب بها من خزينة الدولة مباشرة، بمعنى انه في الوقت نفسه جزء من الشبكة التي يُفترض أن يواجهها.
بهذا يصبح مطلب زيادة الرواتب، في الواقع، مطلب الفئة الأقرب إلى الدولة لا الأبعد عنها. أما العامل الأضعف، الذي يعمل بلا عقد أو الأجنبي أو العاملة في المنزل، فيدفع ثمن الغلاء الذي تسببه زيادة لم يحصل عليها أصلاً.
السببان الاقتصادي والسياسي لا يعملان كل واحد وحده، بل يغذّي أحدهما الآخر. الاقتصاد الذي لا ينتج جعل العمال ضعفاء، فسهُل على السياسيين السيطرة على نقاباتهم. ثم حمى السياسيون هذا الاقتصاد من أي مطلب يهدده، حتى صار الاثنان نظاماً واحداً يحمي نفسه.
الاقتصاد جعل زيادة الرواتب الخيار الوحيد الممكن، والسياسة جعلتها الخيار الوحيد المسموح. والنتيجة أن كل خسارة في قيمة الراتب تولّد مطالبة جديدة، وكل مطالبة تمهّد للخسارة التالية.
وتجربة هيئة التنسيق النقابية، التي جمعت أساتذة التعليم الرسمي وموظفي القطاع العام، مثال على ذلك. قادتها رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي، في تحركات استمرت من 2012 حتى 2015، من اعتصامات وتظاهرات وإضرابات. وكانت من الحركات القليلة الخارجة عن سيطرة الأحزاب.
لكن مطلبها الأساسي بقي سلسلة الرتب والرواتب، أي زيادة الراتب نفسها. فاستقلالها عن الأحزاب لم يغيّر المطلب، لأن الاقتصاد لم يترك غيره. ثم عادت الأحزاب وسيطرت على قيادة الرابطة مطلع 2015 بلائحة مشتركة. وحتى اليوم، تُتّهم الأحزاب بترتيب انتخابات الرابطة على مقاسها.
ثم أُقرّت السلسلة عام 2017 من دون مصدر تمويل ثابت، وفي السنة نفسها وُظّف أكثر من خمسة آلاف شخص رغم قرار منع التوظيف. المطلب بدأ مستقلاً وانتهى داخل النظام: زيادة تُدفع بالدين، ووظائف بالواسطة تزيد عدد من سيطالب بالزيادة التالية. الاقتصاد فرض المطلب، والنظام ابتلع من حاول الاستقلال.
القيادات النقابية تعرف وتستفيد. والعامل يعرف أيضاً، لكنه لا يملك طريقاً آخر. وقد شرح الاقتصادي ألبرت هيرشمان أن الإنسان أمام وضع سيئ يملك خيارين: أن يعترض ويرفع صوته، أو أن يغادر. وحين يُسدّ طريق الاعتراض، تصبح المغادرة الخيار المنطقي.
والعامل اللبناني الأكفأ لا يراهن على النقابة، بل يهاجر. وبهجرته تخسر الحركة العمالية من كان يمكن أن يطالب بشيء مختلف، ويبقى فيها من تأقلم مع النظام أو ارتبط به أو خضع مُكرهاً له.
لكن الهجرة لم تُخرج العامل من الحلقة، بل صارت تغذّيها. فقد بقيت أموال المغتربين بين 6 و7 مليارات دولار سنوياً طوال عقد كامل، وبلغت 7.6 مليار دولار عام 2016. هذه الأموال سدّت جزءاً من حاجة البلد إلى الدولار، وملأت المصارف بالودائع التي أقرضتها المصارف للدولة.
أي أن العامل الذي هاجر لأن راتبه في لبنان لم يعد يكفي، صار يموّل من الخارج النظام الذي أفقره. الاعتراض والمغادرة، في الحالة اللبنانية، لم يكونا طريقين مختلفين، بل وجهين للحلقة نفسها.
وتنتهي الحلقة عند الودائع. فضياع ودائع الناس في المصارف ليس قصة منفصلة عن قصة الرواتب، بل هو الفاتورة التي تراكمت عبر السنين لتغطية العجزين: عجز الدولة، وعجز البلد عن تأمين الدولارات التي يحتاجها.
خلال سنوات تثبيت الليرة، كانت الدولة تستدين من المصارف لتغطي عجزها، وكان مصرف لبنان يأخذ دولارات المصارف بفوائد مرتفعة ليموّل الاستيراد ويحافظ على سعر الليرة. أي أن المودِع هو من كان يدفع في النهاية. وحين توقف تدفق الدولارات عام 2019، اكتشف الناس أن ودائعهم لم تعد موجودة إلا كأرقام في الحسابات، لأنها صُرفت على الفساد وتثبيت الليرة والاستيراد وفوائد الديون.
وهكذا دفع العامل ثمن الحلقة ثلاث مرات. المرة الأولى حين خسر راتبه قيمته. والمرة الثانية حين خسر مدّخراته في المصارف، ومنها أموال المغتربين، فصُرفت مدّخرات من هاجروا على النظام الذي دفعهم إلى الهجرة.
والمرة الثالثة في تعويض نهاية الخدمة. فالضمان الاجتماعي كان من أكبر من أقرضوا الدولة بالليرة، وخسرت هذه القروض أكثر من 97% من قيمتها. وكان هذا التعويض آخر ما يحمي معظم موظفي القطاع الخاص عند التقاعد، في غياب أي راتب تقاعدي. الزيادة التي حصل عليها العامل دفعها في النهاية من جيبه.
لكن الرواتب لم تكن السبب الوحيد للعجز، ولا الأكبر. فقد كانت فوائد الديون وعجز الكهرباء تأخذ نحو 40% من إنفاق الدولة، ومعظم الفوائد ذهب إلى المصارف وكبار المودعين. وهذا يكشف دور الحركة العمالية الحقيقي: لم تكن المستفيدة من الحلقة، بل الواجهة التي تبرّرها. كانت الزيادة تُقدَّم للعمال كإنجاز، بينما يذهب المال الفعلي إلى أصحاب النفوذ، وتقع الخسارة الأخيرة على صغار المودعين والعمال أنفسهم.
الحركة العمالية إذاً لم تفشل في التعلّم. لقد أدّت، عن قصد أو بحكم موقعها، دور الواجهة لنظام سدّ عجزه من مدّخرات الذين تتكلم باسمهم.
بدأ هذا المقال بسؤال: لماذا تكرر الحركة العمالية مطلباً تعرف نتيجته؟ والجواب أن التكرار ليس جهلاً، بل نتيجة سببين. اقتصاد لا يرفع الأجور عبر الإنتاج، فيجعل كل زيادة ديناً جديداً. ونظام سياسي سيطر على النقابات، فلم يترك لها إلا المطلب الذي لا يزعج أحداً.
وكل سبب يحمي الآخر. الاقتصاد يمنع ولادة مطلب مختلف، والسياسة تبتلع من يحاول طرحه. والعمال الأقدر على الاعتراض يهاجرون، فتموّل أموالهم الحلقة نفسها. وتتراكم الخسائر في المصارف والضمان، إلى أن تنفجر دفعة واحدة كما حصل عام 2019.
ويعني ذلك أن الخروج من الحلقة لا يكون برقم الراتب. يكون أولاً باقتصاد ينتج، فيرتفع الأجر لأن العمل أنتج أكثر لا لأن الدولة استدانت. ويكون ثانياً بنقابات لا تحتاج إلى إذن السلطة لتولد، وتضم من استبعدهم القانون ومن يعملون بلا عقود. ويكون ثالثاً بأرقام رسمية تُظهر كم يحصل العمال من ثروة البلد، لأن ما لا يُحسب لا يُطالب به.
واليوم تعيش هذه الحلقة امتحاناً لم تعرفه من قبل. فالانهيار أقفل باب الاستدانة الذي كان يؤجّل الفاتورة، وصار جزء من الرواتب يُدفع بالدولار. لم تعد الحلقة قادرة على الدوران كما في السابق، لا لأن الحركة العمالية قررت ذلك، بل لأن من كان يموّلها أفلس.
فالسؤال الذي يجب أن تطرحه أي حركة عمالية مقبلة ليس كم تطلب زيادة، بل من أين ستأتي هذه الزيادة.




