في التاسع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2026، تتحوّل يريفان إلى قلب العالم البيئي. الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية التنوع البيولوجي (COP17) ليست مجرد قمة أخرى، بل اختبار مصيري لوعود أُطلقت قبل أربع سنوات وبدت وكأنها تتبخر. تحت شعار “العمل من أجل الطبيعة”، تجتمع الحكومات والمنظمات الدولية والشعوب الأصلية والقطاع الخاص في مدينة تحمل عبء سؤال كبير: هل يمكن إنقاذ التنوع البيولوجي قبل 2030؟
على مدى اثني عشر يوماً، من 19 إلى 30 أكتوبر، تنتظر يريفان مفاوضات شائكة. قمة القادة في 16 أكتوبر، ثم الافتتاح الرسمي في 18 أكتوبر، قبل أن تبدأ الجلسات الفعلية. وفي 27 و28 أكتوبر، يجتمع الوزراء لمحاولة انتزاع توافق سياسي قد يكون أصعب من أي وقت مضى.
مراجعة قاسية..وأرقام خجولة
الحدث الأبرز هو أول مراجعة عالمية لتنفيذ إطار “كونمينغ-مونتريال” الذي أُقر عام 2022. إطار طموح بـ23 هدفاً، وعلى رأسها حماية 30% من أراضي العالم وبحاره بحلول 2030. لكن المسودة الأممية تكشف أن العالم بعيد عن المسار: التعهدات الحالية تحمي 27% فقط من اليابسة و12% من المحيطات. فجوة واسعة، وربما محرجة، ستقود النقاش في يريفان.
واشنطن..مقعد غائب وحضور خفي
الولايات المتحدة ليست طرفاً في اتفاقية التنوع البيولوجي، وبالتالي لا تشارك رسمياً في المفاوضات ولا في صياغة القرارات. ورغم توقيعها الاتفاقية عام 1993، لم تصادق عليها قط. هذا الغياب الرسمي يترك فراغاً سياسياً، لكنه لا يعني انعدام التأثير.
في 5 أكتوبر 2026، قُدّم قرار في مجلس النواب الأميركي (H.Res.1616) يرحب باستضافة أرمينيا للقمة، ويشيد بقيادة واشنطن في التكنولوجيا الزراعية والبحوث العلمية والابتكار البيئي. القرار غير ملزم، لكنه يشجع على تعميق التعاون الثنائي في علوم الحفاظ على البيئة، والغابات المستدامة، وإدارة المياه، والوقاية من الحرائق. واشنطن ستراقب من الخارج، وقد يظل تأثيرها ملموساً في كواليس القمة وفي مؤتمر المناخ COP31 في تركيا المجاورة.
موسكو..اهتمام روسي ووفد رفيع
على الضفة المقابلة، روسيا طرف في الاتفاقية، وبدأت تحضيراتها مبكراً. ترأس رسلان إدلجيرييف، مساعد الرئيس الروسي والممثل الخاص في شؤون المناخ والموارد المائية، الاجتماع الرابع لفريق الخبراء المعني بالتنوع البيولوجي ومشاركة روسيا في الاتفاقية.
تتجه التحضيرات إلى إعداد أجنحة روسية وفعاليات تسعى لإظهار الإمكانات الروسية وجذب الاستثمار، مع إشراك قطاع الأعمال في منصات التفاوض. وناقش فريق الخبراء تقارير الأداء المتعلقة بامتثال موسكو لالتزاماتها الدولية. لم يُعلن التشكيل النهائي للوفد، لكن المعطيات تشير إلى أن إدلجيرييف سيكون في موقع قيادي، ما يمنح روسيا حضوراً بارزاً في يريفان.
لكن هذا الحضور قد يرافقه توتر. ففي قمة سابقة لاتفاقية مكافحة التصحر في أولان باتور (أغسطس 2026)، عطلت روسيا جزءاً من جدول الأعمال احتجاجاً على استبعاد عالم روسي من مجموعة عمل دولية. هذا يعطي مؤشراً على أن موسكو قد تستخدم مشاركتها كورقة ضغط، خصوصاً في قضايا التمويل والحوكمة.
المال..العقدة الكبرى
بعيداً عن الحضور والغياب، تبقى المعركة الأصعب مالية. الدول الغنية متأخرة عن تعهدها بجمع 200 مليار دولار سنوياً بحلول 2030. والأخطر أن صندوق كالي، المخصص لجمع مليار دولار سنوياً من الشركات، لم يجمع سوى 6000 دولار. رقم صادم سيجعل الصندوق تحت المجهر. الدول النامية تطالب بتمويل عادل، يمكن الوصول إليه، ولا يزيد أعباء الديون.
أرمينيا..المضيف الباحث عن فرصة
بالنسبة لأرمينيا، القمة ليست حدثاً بيئياً فقط، بل “فرصة سياسية ودبلوماسية فريدة”. تريد يريفان تقوية قوانينها الوطنية، وتحديث أنظمة الرصد، والتصديق على بروتوكول ناغويا، وجذب دعم مالي وتقني لتحدياتها البيئية.
نجاح COP17 لن يقاس ببيانات ختامية، بل بخطة ملموسة وممولة لسد فجوة التنفيذ. يريفان تحتضن اهتماماً روسياً وبرودة أميركية، وسط عالم لا ينتظر. إما أن تكون القمة لحظة استدراك تاريخية، وإما شاهداً جديداً على وعود تتبخر أمام جشع الاقتصاد وتكاسل السياسة.




