حين يُستعمَر بلد، تُغلَق حدوده وتُرفَع أعلام جديدة فوق مؤسساته. لكن ماذا لو كان الاحتلال يمر دون جندي واحد، ودون أن يشعر من يخضع له بأنه محتَل؟ هذا هو جوهر السؤال الذي يطرحه مصطلح “الانتداب الرقمي”، وهو مفهوم لبناني المنشأ يستحق أن يُعاد تداوله اليوم، في ظل تصاعد النقاش حول سيادة الدول على بياناتها وقراراتها التكنولوجية.
الفضل في صياغة هذا المفهوم يعود إلى الأستاذ الجامعي اللبناني الدكتور محي الدين الشحيمي، الذي طرح مصطلح “الانتداب الرقمي” (Digital Mandate) لأول مرة في يونيو 2020، عبر مقال تحليلي نشرته منصة “الملف الاستراتيجي” (strategicfile.com). وهذا التوقيت بحد ذاته لافت، إذ سبق موجة النقاش العالمي حول سيادة الدول على بياناتها بسنوات، في وقت كانت فيه هذه الإشكالية لا تزال هامشية في الخطاب العربي.
المفارقة أن المصطلحات الجديدة غالباً ما تكشف واقعاً كان قائماً قبل أن يُسمّى. فتسمية الشحيمي لم تخترع ظاهرة، بل منحت اسماً دقيقاً لعلاقة تبعية تشكّلت تدريجياً منذ أن أصبحت البنية التحتية الرقمية للعالم مملوكة لحفنة من الشركات لا تخضع لسيادة أي دولة بعينها.
الانتداب التقليدي كان يحتاج جيشاً وإدارة استعمارية معلنة. أما هذا الشكل الجديد، كما يصفه الشحيمي، فيُدار عبر شروط استخدام لا يقرأها أحد، وخوارزميات توزّع الانتباه والدخل والمعلومة، وبنية تحتية سحابية يمكن قطعها عن دولة بأكملها بقرار إداري لا سياسي.
الأخطر أن هذا النوع من التبعية لا يواجَه بالطرق التي واجهت بها الشعوب الانتداب القديم، لأنه لا يبدو احتلالاً بل تسهيلاً. وهذا بالضبط ما يجعله أكثر صعوبة في المقاومة: العدو هنا مريح، والتبعية طوعية في ظاهرها.




