السبت 3 أكتوبر 2026 بيروت
النشرة البريدية
تحليل سياسي واقتصادي معمّق — بيروت
اشترك
3 أكتوبر 2026·بيروت النشرة
الملف الاستراتيجي
الأقسام النشرة
الأرشيف والخدمات
الرئيسية›الاحدث
الاحدث

فخ الصين الكبرى: كيف خسرت تايوان معركة الصين الواحدة؟ | بقلم حيدر المنصوري

ذكرت في الجزء الأول من هذا البحث بعنوان: كيف تستخدم الولايات المتحدة سياسة الرأسمالية النفعية  Utilitarian Capitalism والشراسة الجيوسياسية للحد من تراجع هيمنتها المطلقة. أمريكا بين فخ ثوسيديدس (Thucydides’s Trap وفخ الصين الكبرى:

تاريخياً، يمكن القول إن تايوان خسرت معركتها الدبلوماسية الدولية الكبرى في عقد السبعينيات وتحديداً في عام 1971. لقد كان هذا العقد بمثابة زلزال سياسي عَزلَ الجزيرة رسمياً، وحرمها من مقعدها كممثلة للصين في مجلس الأمن، والفيتو الذي يمتلكه هذا المقعد، وحولها من الممثل الشرعي والوحيد للصين في نظر القوى الكبرى، إلى كيان سياسي محمي بقوانين خاصة وليس باعتراف دبلوماسي.

حولتها الولايات المتحدة في زمن الرئيس الأمريكي نيكسون ووزير خارجيته كيسنجر إلى مجرد وسيلة مساومة سياسية بيد واشنطن. ولابد لنا من الرجوع للوراء قليلاً للتعرف على الصراع بين تايوان وبكين لفهم كيف خسرت تايوان معركة الصين الواحدة.

ترك بكين والهروب إلى تايوان:

خلال وبعد الحرب العالمية الثانية، انتشر الفساد في حكومة الكومينتانغ، وإنهار الاقتصاد الصيني بسبب التضخم الهائل، مما أفقد الحزب القومي الحاكم دعم الشعب الصيني.

في المقابل، اكتسب الحزب الشيوعي الصيني شعبية كبيرة بين الفلاحين بفضل إصلاحاته الزراعية في تلك الفترة وأظهرت قواته (جيش التحرير الشعبي) انضباطاً وفعالية عسكرية أعلى.

حدثت الحرب الأهلية في البر الرئيسي للصين بين الحزب القومي الصيني الكومينتانغ KMTبقيادة شيانغ كاي شيك الذي كان حاكماً، ضد الشيوعيين بقيادة ماو تسي تونغ. بعد معارك حاسمة (مثل حملة هوايهاي)، انهارت خطوط الدفاع القومية، مما دفع شيانغ كاي شيك وحوالي 2 مليون من قواته ومؤيديه للهروب إلى تايوان عام 1949.

لم يكن هروب القوميين إلى تايوان يهدف إلى الانفصال، بل كان تراجعاً تكتيكياً. أطلق شيانغ كاي شيك مشروع المجد الوطني لاستعادة البر الرئيسي. وأصرت حكومة الكومينتانغ في تايوان على أنها جمهورية الصين (ROC) وأنها الحكومة الشرعية الوحيدة لكل الصين، وأن الشيوعيين في بكين هم متمردون.

التوافق العجيب:

في البداية، اتفق هذان العدوان اللدودان، شيانغ كاي شيك (زعيم حزب الكومينتانغ القومي) وماو تسي تونغ (زعيم الحزب الشيوعي الصيني)، حتى أثناء محاولتهما تدمير بعضهما البعض، على مفهوم واحد (لا توجد سوى صين واحدة، وكل منهما يدعي أنه يمثلها)،. لم يكن اتفاقهما عبارة عن معاهدة سلام، بل كان قناعة مشتركة راسخة لا تلين. اما كيف؟

الإرث الثقافي والإمبراطوري المشترك: عقلية تفويض السماء:

على مدى آلاف السنين من التاريخ الصيني، كانت الصين إما موحدة بالكامل تحت حكم إمبراطور واحد أو في حالة حرب أهلية لتحديد من سيكون الإمبراطور القادم. كان مفهوم وجود صينين أو تقسيم البلاد بشكل دائم أمراً غير مقبول ثقافياً لكل من ماو وشيانغ.

الجغرافيا المقدسة:

بالنسبة لكلا القائدين، كانت الصين حضارة لا تقبل التجزئة. وكان يُنظر إلى تايوان، ومنغوليا، والتبت، وشينجيانغ من قبل كل من الكومينتانغ والحزب الشيوعي الصيني كأجزاء مقدسة من الوطن الأم، يجب أن تحكمها حكومة مركزية واحدة.

من منظور شيانغ كاي شيك، تايوان مجرد قاعدة لاستعادة الصين. عندما فر إلى تايوان عام 1949، لم يكن ينوي أبداً إنشاء دولة تايوانية منفصلة، ورفض أن يكون دولة جزيرة. بل ادعى أن حكومته، جمهورية الصين (ROC)، لا تزال الحكومة الشرعية الوحيدة لجميع سكان الصين الذين يتجاوز عددهم آنذاك ستمائة مليون نسمة في البر الرئيسي .

أبناء الهان واللصوص لا يتعايشون:

كان هذا هو شعار شيانغ الشهير. لقد كان يرى شيوعيي ماو كعصاة متمردين احتلوا البر الرئيسي بشكل غير قانوني. بالنسبة لشيانغ، فإن الاعتراف بصينين إثنين يعني التخلي عن حقه المشروع في تحرير بكين والعودة إلى دياره مجدداً. لذلك، أصر على وجود صين واحدة، وأنه حاكمها الشرعي.

منظور ماو تسي تونغ: تحرير تايوان هو الخطوة الأخيرة.

بالنسبة لماو، لم تكن الحرب الأهلية الصينية قد انتهت طالما أن شيانغ كاي شيك يسيطر على تايوان. وطالبت جمهورية الصين الشعبية (PRC) التي تأسست في بكين بالسيادة الكاملة على الصين بأكملها، بما في ذلك تايوان. وتحريرها هو استكمال للثورة.

كان ماو يرغب بشدة في منع الولايات المتحدة من فصل تايوان بشكل دائم عن البر الرئيسي. ومن خلال اتفاقه مع شيانغ على وجود صين واحدة، ضمن ماو أن ينظر المجتمع الدولي إلى قضية تايوان باعتبارها شأناً داخلياً محلياً (حرب أهلية) وليس صراعاً دولياً بين دولتين مختلفتين.

المفارقة الغريبة: الإجماع المزدوج

طوال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، نشأ وضع دبلوماسي غريب جداً. إذا أرادت دولة أجنبية فتح سفارة دبلوماسية لها في بكين، كان ماو يقول: يجب عليك أولاً قطع جميع علاقاتك مع تايوان، لأنه لا توجد سوى صين واحدة.

وإذا ذهبت تلك الدولة نفسها إلى تايبيه، كان شيانغ كاي شيك يقول الشيء نفسه تماماً: يجب عليك إغلاق سفارتك في بكين، لأنه لا توجد سوى صين واحدة ونحن نمثلها.

رفض كلا القائدين بشدة أي محاولة دولية بما في ذلك مقترحات الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة، للاعتراف بصينين أو إعلان تايوان دولة مستقلة. لقد اتفق كلاهما على صين واحدة، لكنهما تقاتلا حتى الموت حول من يحكمها؟

انقلاب الموازين وخسارة المعركة دولياً: فقدان المقعد في الأمم المتحدة 1971

 تايوان أدركت أنها خسرت هذه المعركة منذ تحول اعتراف المجتمع الدولي تدريجياً نحو بكين. في عام 1971، طُردت تايوان (جمهورية الصين) من الأمم المتحدة، وهذا يعني إمتلاك بكين (جمهورية الصين الشعبية (PRC) للفيتو في مجلس الأمن. ويمكنهم إيقاف أي قرار أممي ضدها.

وطبعا لا يحدث شيء في الأمم المتحدة دون تدبيره -تحت الطاولة- من قبل الولايات المتحدة. وتمهيداً للزيارة التي كان سيقوم بها الرئيس الأمريكي نيكسون إلى بكين في سنة 1972. والذي ختم بالتطبيع الأمريكي (1979 حيث اعترفت الولايات المتحدة رسمياً بجمهورية الصين الشعبية وقطعت العلاقات الدبلوماسية الرسمية مع تايوان، وغادرت السفارة الأمريكية عائدة إلى بكين، وأبقت على مكتب تنسيق صغير في تايوان، مما شكل ضربة قاضية لإدعاء تايوان بأنها الحكومة الشرعية لكل الصين.

تحول الموقف في تايوان من استعادة الصين إلى التنمية بعد تبدد آمال العودة العسكرية، تحول تركيز تايوان نحو التنمية الاقتصادية وبناء دولة حديثة، مع استمرار المطالبة الرسمية بالسيادة على الصين القارية بموجب الدستور الذي لم يتغير.

كيف يتردد صدى هذا اليوم: توافق عام 1992.

هذا الاتفاق التاريخي بين الأعداء وضع حجر الأساس لما يُعرف اليوم بتوافق عام 1992. فبعد عقود، التقى ممثلون عن بكين وتايبيه واتفقوا على نسخة حديثة من المنطق القديم لماو وشيانغ: يتفق الطرفان على وجود صين واحدة، ولكن لكل طرف تفسيره الخاص لما تعنيه هذه الصين. بينما حافظت هذه الصيغة على السلام لعقود

إلا أنها تنهار اليوم لأن الجيل الجديد من الشعب التايواني لم يعد يهتم بحلم شيانغ كاي شيك في حكم بكين، فهم ببساطة يرون أنفسهم تايوانيين، مما يقطع السلسلة التاريخية التي ربطت ذات يوم بين ماو وشيانغ.

الديمقراطية وتغير الهوية والواقعية السياسية:

مع دمقرطة تايوان في التسعينيات، وانتقالها من الدكتاتورية القومية إلى الديمقراطية، برزت أحزاب (مثل الحزب الديمقراطي التقدميDPP تنادي بهوية تايوانية منفصلة، مما جعل التمسك بمفهوم الصين الواحدة يضعف داخل الجزيرة نفسها، رغم استمرار التهديد العسكري الصيني.

خسرت تايوان معركة الصين الواحدة لأنها فقدت السيطرة على الأرض (البر الرئيسي) والاعتراف الدولي. ومع ذلك، نجحت في البقاء ككيان سياسي مستقل، لكنها ظلت عالقة في إرث الصين الواحدة الذي فرضته هي بنفسها خلال حقبة الحرب الأهلية.

الولايات المتحدة تطالب بالصين الواحدة:

لم تكن الولايات المتحدة تطالب بالصين الواحدة لمصلحة تايوان، بل استخدمت هذا المفهوم كأداة دبلوماسية مرنة ومراوغة لإدارة الصراع وحماية مصالحها السياسية والعسكرية في آسيا.

الدعم الأمريكي تحول إلى مرحلتين زمنيتين مختلفتين تماماً.

المرحلة الأولى الدعم المطلق لتايوان (1949 – 1971):

الاعتراف بالتايوانيين كحكام للصين، بعد فرار حكومة الكومينتانغ إلى تايوان عام 1949، حيث رفضت واشنطن تماماً الاعتراف بالشيوعيين في بكين. واعتبرت الولايات المتحدة حكومة تايوان (جمهورية الصين) هي الممثل الشرعي الوحيد للصين الواحدة.

وقّعت واشنطن مع تايوان معاهدة الدفاع المشترك عام 1954 لحمايتها من أي غزو شيوعي. واستخدمت نفوذها لإبقاء مقعد الصين في الأمم المتحدة بيد تايوان.

لكن الهدف لم يكن تمكين تايوان من غزو البر الرئيسي، بل استخدام الجزيرة كحصار جغرافي وسياسي لمنع تمدد الشيوعية في المحيط الهادي خلال الحرب الباردة.

المرحلة الثانية: نقطة التحول التاريخية في السبعينيات: زيارة ريتشارد نيكسون بكين عام 1972

حيث رأت واشنطن ضرورة استغلال الخلاف (السوفيتي – الصيني) لصالحها. وجاءت رؤية وزير الخارجية الأمريكي كيسينجر (الذي كان مستشار الأمن القومي آنذاك) في ضرورة إبعاد الصين عن الإتحاد السوفيتي.

فتغيرت المصالح الأمريكية. وقام الرئيس ريتشارد نيكسون بزيارة بكين عام 1972، وتلا ذلك اعتراف الرئيس جيمي كارتر رسمياً بجمهورية الصين الشعبية (بكين) عام 1979، وقطع العلاقات الرسمية الدبلوماسية مع تايوان كممثل للصين الواحدة، والإكتفاء بمكتب تمثيل بسيط في تايبه.

ظهور الغموض الاستراتيجي Strategic Ambiguity

ابتكرت واشنطن صيغة دبلوماسية شديدة الذكاء تُعرف بالغموض الاستراتيجي (Strategic Ambiguity)، وهي تختلف تماماً عن مبدأ الصين الواحدة الذي تطالب به بكين.

في البيانات المشتركة، صرحت أمريكا أنها تقر (Acknowledges) بوجهة نظر بكين وتايوان بأن هناك صين واحدة وأن تايوان جزء منها، لكنها لم تعلن رسمياً أنها توافق أو تؤيد سيادة بكين على تايوان.

قانون العلاقات مع تايوان (1979):

بالتزامن مع قطع العلاقات الرسمية، أصدر الكونغرس الأمريكي قانون العلاقات مع تايوان (TRA)، الملزم قانونياً ببيع أسلحة دفاعية لتايوان لحمايتها، ومساعدتها على حماية نفسها.

وهذه العبارة مهمة هنا في هذا السياق لأنها ستترك تايوان رهينة لشراء الأسلحة الأمريكية والإستنزاف الاقتصادي بحجة التسليح. وهو يني زن جزء كبير من الاقتصاد التايواني ستحصل عليه واشنطن مادامت هذه الحالة مستمرة.

وسيتضح كيف رهنت هذه العبارة تايوان وربطتها بالإقتصاد الأمريكي في الجزء القادم من الدرع السيليكوني كيف تقوم تايوان بحماية نفسها؟

واشنطن رسمياً لا تدعم إستقلال تايوان المعلن (حتى لا تندلع حرب)، لكنها في ذات الوقت ترفض أي محاولة من بكين لضم الجزيرة بالقوة. وهذا ما يسمى بمبدئ الإقرار وليس التأييد.

أمريكا لم تكن تطالب بالصين الواحدة حباً في تايوان أو رغبة في توحيد الصين، بل تبنت المفهوم لفتح العلاقات مع بكين وعزل الاتحاد السوفيتي سابقاً، مع الإبقاء على تايوان كحليف ديمقراطي غير رسمي عبر تزويدها بصفقات سلاح ضخمة لردع أي غزو عسكري صيني.

الرواية التاريخية حول زيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى الصين عام 1972 تحمل تفاصيل دقيقة ومثيرة حول كيفية إدارتها، خاصة فيما يتعلق بالسرية ودور الكونغرس والمؤسسات الأمريكية:

السرية التامة وليس خرق القانون:

قاد هنري كيسنجر (مستشار الأمن القومي آنذاك) رحلة سرية للغاية إلى بكين عام 1971 عبر باكستان (التي كانت وسيطاً) للترتيب للزيارة الرسمية. لم يكن الكونغرس أو حتى وزارة الخارجية الأمريكية على علم بهذه التحركات السرية حتى أعلن نيكسون فجأة في يوليو 1971 في خطاب تلفزيوني أنه سيزور الصين.

حظيت زيارة نيكسون في فبراير 1972 بتأييد واسع وشبه إجماع داخل الكونغرس ومن الحزبين (الديمقراطي والجمهوري). كان نيكسون يمتلك ميزة سياسية نادرة، كونه جمهورياً معروفاً بعدائه الشديد والشرس للشيوعية (Anti-Communist)، فلم يتجرأ أحد في الكونغرس على اتهامه بالضعف أو المهادنة مع الشيوعيين. لو قام رئيس ديمقراطي بهذه الخطوة لتعرض لهجوم سياسي عنيف.

نجحت استراتيجية نيكسون وكيسنجر تماماً؛ في عزل الاتحاد السوفيتي، حيث كانت العلاقات بين بكين وموسكو قد وصلت إلى حد الاشتباكات العسكرية الحدودية عام 1969. أدى التقارب الأمريكي الصيني إلى ذعر في الاتحاد السوفيتي، مما أجبر القائد السوفيتي ليونيد بريجنيف على الإسراع بدعوة نيكسون لزيارة موسكو بعد أشهر قليلة فقط (مايو 1972) وتوقيع اتفاقيات سالت 1 للحد من الأسلحة الاستراتيجية، وبدء مرحلة الوفاق الدولي (Détente).

ولابد لنا من الخوض قليلا في تفاصيل بيان شانغهاي الصادر خلال الزيارة وصياغته المعقدة.

ربما نستفيد منه في مفاوضات كثيرة. فقد صيغ بيان شانغهاي عام 1972 بذكاء دبلوماسي سمح لواشنطن وبكين بعرض مواقفهما المتعارضة علناً، مع اعتماد صيغة الغموض البنّاء لإدارة ملف تايوان عبر الإقرار بموقف الصينيين دون اعتراف قانوني مباشر. نص البيان على انسحاب عسكري أمريكي تدريجي من تايوان واتفق الطرفان على معارضة الهيمنة السوفيتية. مما أسس لسياسة الصين الواحدة الأمريكية.

بيان شانغهاي (Shanghai Communiqué) الموقع في 28 فبراير 1972 في ختام زيارة ريتشارد نيكسون، أحد أكثر الوثائق الدبلوماسية دهاءاً وتعقيداً وبساطةً في نفس الوقت في التاريخ الحديث. لقد صِيغت هذه الوثيقة بأسلوب عبقري ابتكره هنري كيسنجر ونظيره الصيني تشو إن لاي، حيث تعمدا تجنب لغة الدبلوماسية التقليدية (التي تحاول إخفاء الخلافات) وقررا بدلاً من ذلك صياغة بيان يسرد فيه كل طرف مواقفه المتناقضة بوضوح، قبل الانتقال إلى نقاط الاتفاق المشتركة.

الابتكار الدبلوماسي: لأول مرة نختلف علناً لنلتقي:

بدلاً من الخروج ببيان كاذب يدعي التوافق، قُسِّم البيان إلى أجزاء تعبر عن وجهة نظر كل دولة بشكل منفصل،

أكد فيه الجانب الصيني دعمه الكامل لحركات التحرر في فيتنام، ولاوس، وكمبوديا، وأكد دعم كوريا الشمالية، ورفض الإمبريالية.

بينما الجانب الأمريكي أعلن عن دعمه للسلام في آسيا، ومساندة كوريا الجنوبية، وأكد رغبته في خفض التوتر دون التخلي عن التزاماته تجاه حلفائه.

هذا الأسلوب الصادق ظاهرياً أزال الشكوك بين الطرفين، وأثبت لكل جانب أن الطرف الآخر لا يحاول خداعه.

اما قضية تايوان فقد إعتمدت الصياغة المعقدة والمراوغة لأنها كانت هي العقدة الكبرى. فالصين اشترطت الاعتراف بسيادتها عليها، بينما لم يستطع نيكسون التخلي عن تايوان فجأة أمام الرأي العام الأمريكي.

هنا ظهرت عبقرية الصياغة القائمة على الغموض البنّاء.

الموقف الصيني (الصارم):

أكدت فيه بكين أن حكومة جمهورية الصين الشعبية هي الحكومة الشرعية الوحيدة للصين، وأن تايوان مقاطعة صينية، وتحريرها شأن داخلي لا يحق لأي دولة التدخل فيه. بينما الرد الأمريكي (المراوغ جداً) صِيغ بكلمات دقيقة للغاية (باللغة الإنجليزية):

“The United States acknowledges that all Chinese on either side of the Taiwan Strait maintain there is but one China and that Taiwan is a part of China. The United States Government does not challenge that position.

تفكيك التعقيد في الصياغة الأمريكية يعتمد على كلمة واحدة مازالت محل خلاف حتى اليوم حيث استخدام كلمة Acknowledge (تُقِرّ / تأخذ علماً) فأمريكا لم تقل توافق (Agree) أو تعترف (Recognize) بسيادة بكين على تايوان. بل قالت: نحن نُقر ونعلم أن الصينيين على جانبي المضيق يقولون ذلك. مستفيدة من استغلال موقف تايوان القديم حيث كان رئيس تايوان (شيانغ كاي شيك) لا يزال يصر على أن تايوان والبر الرئيسي هما صين واحدة (لكنه يرى نفسه حاكمها). أمريكا استغلت هذا واعتبرت أن الطرفين متفقان على المبدأ، وبالتالي هي لا تتحدى هذا الموقف ما دام الطرفان يقرّانه.

بعد سرد الخلافات وقضية تايوان، انتقل البيان إلى الأهداف الاستراتيجية التي تهم الطرفين، وكانت موجهة بالكامل لعزل وتطويق الاتحاد السوفيتي دون ذكر اسمه صراحة وهي نقاط الاتفاق المشتركة (الهدف الحقيقي للبيان)

مناهضة الهيمنة (Anti-Hegemony):

اتفق الطرفان على أنه لا ينبغي لأي من الطرفين السعي وراء فرض الهيمنة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وكلاهما يعارض جهود أي دولة أخرى أو مجموعة دول لترسيخ مثل هذه الهيمنة. (كلمة الهيمنة كانت الرمز الدبلوماسي المتفق عليه للإشارة إلى الاتحاد السوفيتي).

تعهدت أمريكا بالحد تدريجياً من قواتها، ومنشآتها العسكرية في تايوان، وهو ما سمي تعهد بالانسحاب ولكن ربطت ذلك بشرط أساسي وهو، أن يتم تسوية قضية تايوان سلمياً من قبل الصينيين أنفسهم.

النتيجة والأثر التاريخي:

لقد سمح هذا البيان لبكين بالشعور بأنها انتزعت اعترافاً مبدئياً بأن تايوان جزء من الصين، وكسر عزلتها الدولية، ولواشنطن بفتح الباب التجاري والسياسي مع الصين، وإرعاب الاتحاد السوفيتي، مع الاحتفاظ بخط رجعة لحماية تايوان عبر المطالبة بالحل السلمي.

التطور إلى البيانات المشتركة الثلاثة (The Three Communiqués)

لم يكن بيان شانغهاي (1972) كافياً لإنشاء علاقات كاملة، فكان لا بد من استكماله بوثيقتين أخريين وضعتا الإطار الرسمي لسياسة الصين الواحدة الأمريكية. أعلن فيه الرئيس الأمريكي جيمي كارتر الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية (بكين) كحكومة شرعية وحيدة للصين. وهو البيان المشترك الثاني (بيان إقامة العلاقات الدبلوماسية – 1 يناير 1979). بموجب هذا البيان، قطعت واشنطن علاقاتها الدبلوماسية الرسمية مع تايوان، وألغت معاهدة الدفاع المشترك الموقعة معها عام 1954.

صدر البيان الثاني في عهد الرئيس رونالد ريغان لحل أزمة مبيعات الأسلحة لتايوان. وتعهدت فيه واشنطن لبكين بأنها لا تسعى لسياسة طويلة الأجل لبيع السلاح لتايوان، وأنها ستخفض مبيعاتها تدريجياً، شريطة أن تلتزم بكين بالحل السلمي للقضية. وهذا البيان المشترك الثالث (17 أغسطس 1982) كان الضربة القاضية التي قضت على حلم تايوان.

التدخل المفاجئ للكونغرس: قانون العلاقات مع تايوان (TRA 1979)

شعر الكونغرس الأمريكي (من الحزبين الديمقراطي والجمهوري) بأن الرئيس جيمي كارتر باع تايوان وتخلى عن حليف ديمقراطي قديم لإرضاء بكين.

للرد على ذلك، قام الكونغرس بخطوة تشريعية غير مسبوقة صدمت بكين عبر تشريع قانون محلي ملزم (أبريل 1979) مرر الكونغرس بأغلبية ساحقة قانون العلاقات مع تايوان (Taiwan Relations Act).

هذا القانون جعل أمريكا ملزمة قانونياً (بموجب دستورها) بإلزام الإدارات الأمريكية بتزويد تايوان بأسلحة ذات طابع دفاعي لتمكينها من الحفاظ على قدرة كافية للدفاع عن نفسها، واعتبار التهديد العسكري على تايوان خطراً أمريكياً.

النص صيغ على أن أي محاولة لتحديد مستقبل تايوان بغير الوسائل السلمية (بما في ذلك المقاطعة أو الحصار) ستعتبر تهديداً لسلام وأمن منطقة غرب المحيط الهادئ ومحط قلق شديد للولايات المتحدة.

كما قامت بإنشاء العلاقات غير الرسمية، عبر إنشاء المعهد الأمريكي في تايوان (AIT)، وهو سفارة أمريكية بحكم الأمر الواقع (De facto) لإدارة العلاقات التجارية، والثقافية، والأمنية دون غطاء دبلوماسي رسمي.

تايوان لم تختفِ بل أعادت تعريف نفسها

رغم أن تايوان خسرت معركة الشرعية الدستورية للصين الواحدة وفقدت مقعدها الدولي، إلا أن هذه الخسارة دفعتها إلى مسار جديد تماماً، للانتقال من الديكتاتورية إلى الديمقراطية.

فقد أدركت القيادة في تايوان أن التمسك بوهم حكم الصين بالكامل لم يعد واقعياً. بدأت الجزيرة تدريجياً في الثمانينيات والتسعينيات بالتحول من نظام حكم عسكري سلطوي (الكومينتانغ) إلى واحدة من أقوى الديمقراطيات في آسيا.

سلاح التكنولوجيا:

ركزت تايوان على الاقتصاد التكنولوجي، لتصبح اليوم المنتج الأول في العالم لأشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية المتقدمة (عبر شركة TSMC)، مما جعل أمن الجزيرة مصلحة حيوية للاقتصاد العالمي بأكمله، وليس مجرد ملف سياسي قديم من الحرب الباردة.

نشوء الديمقراطية في تايوان حوّل المعركة من صراع عسكري على الشرعية بين حكومتين ديكتاتوريتين، إلى معركة أيديولوجية وجيوسياسية معقدة تسببت في حرج وإرباك شديدين لجميع الأطراف بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وصعود الصين وقوتها الحالية.

أدى ذلك لإحراج الولايات المتحدة (بين المبادئ والمصالح) فقد انتهت حجة الديكتاتور الحليف، خلال الحرب الباردة، بررت أمريكا دعمها لتايوان (رغم ديكتاتورية الكومينتانغ وقمع شيانغ كاي شيك للشعب التايواني فيما عُرف بالرعب الأبيض) بأنها تحمي حليفاً ضد الشيوعية.

ولكن عندما تحولت تايوان إلى ديمقراطية حقيقية ونموذجية في التسعينيات، لم يعد بإمكان واشنطن إهمالها أو التضحية بها بسهولة إرضاءً لبكين. بيع تايوان ديمقراطية للصين الشيوعية سيهدم الصورة الأخلاقية لأمريكا آنذاك كقائدة للعالم الحر.

اليوم مع صعود الصين كقوة عظمى، تجد أمريكا نفسها مجبرة على المناورة. فهي ملزمة شكلياً بالدفاع عن ديمقراطية تايوان، أو استخدامها كحجة، وفي نفس الوقت هي مقيدة بالبيانات الثلاثة التي تمنعها من الاعتراف الرسمي بها كدولة مستقلة لمنع اندلاع حرب عالمية.

إحراج ورعب الحزب الشيوعي الصيني: كسر السردية الصينية:

كانت بكين تروج دائماً لفكرة أن الديمقراطية الغربية لا تناسب الثقافة الآسيوية أو الصينية. نجاح تايوان كدولة ديمقراطية متطورة تكنولوجياً واقتصادياً نسف هذه السردية، وقدم نموذجاً حياً ومقلقاً لبكين يثبت أن مجتمعاً ذا ثقافة صينية يمكنه العيش بازدهار تحت حكم ديمقراطي تعددي.

تحول الهوية وسقوط وهم التوحيد السلمي:

مع الديمقراطية، تغيرت المناهج التعليمية وهوية الأجيال الجديدة في تايوان. تشير الإحصاءات اليوم إلى أن الغالبية الساحقة من السكان يعرِّفون أنفسهم بأنهم تايوانيين وليسوا صينيين. هذا التحول جعل خيار التوحيد السلمي مستحيلاً بالنسبة لبكين، لأن الشعب التايواني لن يصوت أبداً في ظل نظام ديمقراطي للاندماج مع دولة يحكمها حزب واحد.

فخ ثيوسيديدز: انقلاب الحسابات بعد انهيار الاتحاد السوفيتي

دعوا الصين تنام، فإذا استيقظت سيهتز العالم — هذه المقولة أطلقها نابليون بونابرت سنة (1816) الإمبراطور الفرنسي في تحذيره الشهير، لم يكن يمتلك أقماراً صناعية، ولا نماذج محاكاة للحرب غير المتناظرة، لكنه كان يمتلك حساً استراتيجياً أدرك من خلاله أن الجغرافيا والتعداد والعمق الحضاري للصين هي عملاق نائم قادر على قلب موازين الأرض إن هو قرر النهوض.

اليوم، وبعد قرنين من تلك النبوءة، يعيش العالم لحظة الاستيقاظ التي حذر منها نابليون، ولكن بآليات تفوق ما تخيله الجميع. فالصين لم تستيقظ لتخوض حرباً تقليدية مباشرة تهز بها العالم، بل تركت فخ ثيوسيديدز يلتهم خصمها الأمريكي ببطء وذكاء.

عندما تأسس التقارب الأمريكي الصيني في السبعينيات على هدف وحيد هو مواجهة الاتحاد السوفيتي. بمجرد انهيار موسكو عام 1991، اختفى هذا المبرر المشترك. وتم إيقاظ التنين من سباته، وتحولت هي إلى التهديد الوجودي الجديد.

هذا الاستيقاظ تم ترجمته عبر النمو الاقتصادي والعسكري المذهل للصين، تحولت في العقود الأخيرة من شريك تجاري وموازن استراتيجي، تهرب إليه الشركات الغربية العابرة للقارات، للإستفادة من العمالة الرخيصة لديه، إلى المنافس الشرس والأكبر للولايات المتحدة على الزعامة الدولية.

وهنا نعرف الفرق بين الإستراتيجية الصينية التي تريد الحفاظ على قواعد النظام الدولي الحالي وتدافع عنه، لأن هذا النظام هو ما صنع مجدها الحالي.

والفريق بينها وبين روسيا الإتحادية التي تشعر أن النظام الحالي ظلمها وتريد الإطاحة به. وقد فصلت ذلك في بحث منشور على منصة strategicfile.com  بعنوان: كيف يمكن لإيران مساعدة الصين لتجنب الوقوع في فخ ثيوسيديز التقليدي، لوراثة النظام الدولي.

ولكنها حسب رأي الإستراتيجيين -وخصوصا الغربيين منهم- تريد أن تزيح الولايات المتحدة من عرش القطب الواحد، وتتربع هي على هذا العرش أو على الأقل توجد نظام متعدد الأقطاب تضمن هي فيه موقع الريادة والتميز.

ولكني أستبعد أن الصين تريد الجلوس على عرش القطب الواحد، لتتحمل مشاكل العالم التي أوجدتها الإمبراطوريات السابقة. فالصين تنأى بنفسها عن تحمل هذا العبئ. وتترك هذه المساحة لكي تملأها الدول الأخرى وتكتفي هي بالتركيز على حماية نفسها وإقتصادها وطرق الحرير التي تريد من خلالها الإرتباط بالعالم إقتصادياً فقط.

تايوان كـحاملة طائرات غير قابلة للغرق:

في ظل هذا التنافس المحموم، توقفت أمريكا عن رؤية تايوان مجرد ملف قديم من الحرب الباردة، بل أصبحت الجزيرة تمثل نقطة الارتكاز الجيوسياسي لمنع الصين من الهيمنة على المحيط الهادئ واختراق خط الجزر الأول، فضلاً عن كونها مركز إنتاج الرقائق الإلكترونية (أشباه الموصلات) التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي والعسكري العالمي.

لقد منحت الديمقراطية لتايوان درعاً أخلاقياً وسياسياً أنقذها من النسيان الدولي، لكنها في نفس الوقت جعلت التنازل عنها من قِبل بكين أو واشنطن أمراً مستحيلاً، لتتحول الجزيرة من مجرد صين ثانية -هاربٌ حاكمها- إلى بؤرة الصراع الأخطر في العالم بين قوتين عظميين.

الجزء الأول: كيف تستخدم الولايات المتحدة سياسة الرأسمالية النفعية  Utilitarian Capitalism والشراسة الجيوسياسية للحد من تراجع هيمنتها المطلقة. (1-4).

أمريكا بين فخ ثوسيديدس (Thucydides’s Trapوفخ الصين الكبرى:

الجزء الثاني: فخ الصين الكبرى: كيف خسرت تايوان معركة الصين الواحدة؟ (4-3)

الجزء الثالث: الدرع السيليكوني التايواني (Silicon Shield) كيف تحمي تايوان إستقلالها. (3-4)

الجزء الرابع: أسلحة الصين الاقتصادية لتوظيف السياسة الرأسمالية النفعية لزيادة إستنزاف الولايات المتحدة بدون الوقوع في فخ ثوسيديدس Thucydides’s Trap. (4-4)

عن الكاتب حيدر المنصوري، خبير في الاتصالات والتكنولوجيا حيدر المنصوري خبير في الاتصالات والتكنولوجيا، شغل منصبًا إداريًا في إحدى كبرى شركات الاتصالات في العراق، ويمتلك خبرة في إدارة العمليات وتطوير البنية الرقمية. يعمل حاليًا مستشارًا في القطاع، مقدمًا رؤى استراتيجية حول التحول الرقمي والأسواق. كما يهتم بالجغرافيا الجيو-استراتيجية وتأثيرها على القرارات السياسية، وله مقالات وبحوث في هذا المجال.
تبحث عن المزيد؟