الاحدثالملف العربي الصيني

كيف تستخدم الولايات المتحدة سياسة الرأسمالية النفعية Utilitarian Capitalism والشراسة الجيوسياسية للحد من تراجع هيمنتها المطلقة | بقلم حيدر المنصوري

أمريكا بين فخ ثوسيديدس (Thucydides's Trap وفخ الصين الكبرى:

يرى العديد من المفكرين الاستراتيجيين أن جوهر الصراع الأمريكي الصيني لا يتعلق بالخوف من غزو عسكري حتمي صيني لتايوان بل بالخوف من الإزاحة الاقتصادية والتكنولوجية السيادية لصالح قطب دولي جديد. والسبب في ذلك هو تخوف الولايات المتحدة من الوقوع في فخ ثوسيديدس (Thucydides’s Trap).

من منظور السياسة الواقعية تعتبر مصيدة ثوسيديدس (Thucydides’s Trap) واحدة من أبرز وأعمق النظريات الجيوسياسية في العلاقات الدولية، والتي صاغها عالم السياسة الأمريكي المعاصر غراهام أليسون (Graham Allison) بناءً على قراءة تاريخية متعمقة للمؤرخ الإغريقي القديم ثوسيديدس في كتابه الشهير تاريخ الحرب البيلوبونيسية.

مصيدة ثوسيديدس Thucydides Trap:
تنص هذه النظرية على أنه عندما يهدد طرف صاعد بقوة إزاحة قوة مهيمنة وحاكمة للنظام الدولي، فإن النتيجة الحتمية غالباً ما تكون الحرب. تشير هذه النظرية إلى أن بنية النظام الدولي عندما تتحول من القطبية أحادية الاستقرار إلى حالة صعود قطب منافس، يتولد ديناميكية نفسية وسياسية تجعل التصادم أمراً يصعب تفاديه، ليس بالضرورة بسبب رغبة الطرفين في الحرب، بل بفعل الضغوط الهيكلية لخوف القوة المهيمنة وطموح القوة الصاعدة.

الجذور التاريخية للنظرية
تستند النظرية إلى الكلمات الخالدة للمؤرخ الإغريقي ثوسيديدس الذي فسر اندلاع الحرب الكبرى في اليونان القديمة (عام 431 قبل الميلاد) بقوله: إن صعود أثينا، والخوف الذي أحدثه هذا الصعود في أسبرطة، هو ما جعل الحرب حتمية. القوة المهيمنة (أسبرطة) كانت تخشى فقدان مكانتها وحلفائها وامتيازاتها التاريخية. القوة الصاعدة (أثينا) كانت تنمو تجارياً وعسكرياً وبحرياً، وتشعر بأن القواعد القديمة تظلمها وتحد من طموحها المشروعة.

الديناميكية النفسية والهيكلية للمصيدة
تتأسس المصيدة على تفاعل مدمر بين شعورين متناقضين لدى قيادات الدولتين يدور بين:

متلازمة القوة الحاكمة (خوف الذعر)
يتملّك القوة المهيمنة شعور متزايد بالخوف من التراجع والاقتراب من حافة الإزاحة، مما يدفعها لتفسير أي تحرك سلمي أو اقتصادي من القوة الصاعدة على أنه تهديد وجودي أو محاولة لقلب النظام، فتلجأ للشيطنة والمحاصرة الوقائية.

متلازمة القوة الصاعدة (الغطرسة أو الطموح)
تشعر القوة النامية بأنها تستحق مقعداً أعلى يتناسب مع قوتها الجديدة، وترى في محاولات الحصار المفروضة عليها عملاً عدائياً يهدف إلى خنقها ومنعها من أخذ مكانها الطبيعي تحت الشمس.

الإحصاء التاريخي وإمكانية النجاة
في دراسته الشهيرة بجامعة هارفارد، قام غراهام أليسون بتحليل 16 حالة تاريخية على مدار الـ 500 عام الماضية شهدت صعود قوة عظمى لتحدي قوة مهيمنة (مثل صعود ألمانيا لتحدي بريطانيا قبيل الحرب العالمية الأولى. 12حالة انتهت بنشوب حروب كارثية مدمرة أطاحت بالطرفين. و 4 حالات فقط نجحت الأطراف في تجنب المصيدة عبر تسويات استراتيجية دبلوماسية مرنة وعميقة (أبرزها صعود الولايات المتحدة لإزاحة الإمبراطورية البريطانية في بدايات القرن العشرين، والمواجهة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة التي كبحها الردع النووي).

أهمية البحث إسقاط النظرية على الواقع المعاصر.
تكتسب هذه النظرية أهميتها القصوى اليوم عند إيقاعها على العلاقات الأمريكية الصينية؛ حيث تمثل الولايات المتحدة الأمريكية القوة المهيمنة الحالية التي تحاول الحفاظ على عالم القطب الواحد الذي تربع على عرشه منذ نهاية الحرب الباردة، بينما تمثل جمهورية الصين الشعبية القوة الصاعدة بسرعة الصاروخ اقتصادياً وتكنولوجياً وجيوسياسياً.

يسعى هذا البحث إلى تفكيك آليات الصراع الراهن لمعرفة ما إذا كان الطرفان يسيران بشكل أعمى نحو تكرار التاريخ والوقوع في المصيدة عبر بؤر مشتعلة مثل جزيرة تايوان، أم أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل وعصر الرقائق الفائقة وسلاح الردع النووي سيوفر كوابح تتيح للبلدين صياغة قواعد اشتباك جديدة تضمن نجاة البشرية من تصادم انتحاري بين قوتين عظميين.

تدير الولايات المتحدة هذا الصراع من خلال استراتيجية الفناء الصغير والسياج العالي (Small Yard, High Fence)، والتي تعني حماية صارمة للمجالات التكنولوجية والعسكرية الفائقة (السياج العالي) مع السماح ببعض التبادل التجاري في القطاعات الأقل حساسية لتقليل التكلفة الاقتصادية (الفناء الصغير)

واقع الاستقرار الصيني مقابل السردية الأمريكية
تدرك الدوائر العميقة في واشنطن (البنتاغون والمخابرات المركزية)، أن الصين وعاء رأسمالي استثماري، فهي ليست الاتحاد السوفيتي القديم المعزول، بل هي مندمجة عضويًا في الرأسمالية العالمية وتملك مئات المليارات من السندات، وتعتمد في نموها على التصدير والاستقرار. أي حرب مجنونة تشنها بكين تعني تدمير الحلم الصيني وصعود شبح الاضطرابات الداخلية جراء الانهيار الاقتصادي.

اليقين بعدم الغزو الوشيك:
القادة في واشنطن يدركون آن الصين لن تغزو تايوان، فهم يعلمون أن كلفة الغزو لتايوان انتحارية جغرافياً وعسكرياً وتكنولوجياً، وأن بكين تفضل استراتيجية الطهي البطيء والضم الناعم عبر الاقتصاد والاختراق السياسي.

لماذا تلجأ أمريكا إلى الشيطنة؟ (التحوط الناعم)
تلجأ الولايات المتحدة لاحتواء صعود الصين (فيما يُعرف بـ فخ ثيوسيدس) بشكل متدرج، ابتداءً من مزيج معقد من القوة الاقتصادية والتكتيكات الجيوسياسية الشرسة، لمعالجة تخوفها من الوقوع في هذا الفخ تتبع الولايات المتحدة سياسة الشيطنة وإدارة الهلع للحفاظ على موقعها متربعة على عالم القطب الواحد.

ورغم تيقنها من عدم وجود غزو عسكري قريب، ولكنها تروج لمصطلحات مثل خطر الغزو الصيني الوشيك لتايوان؟ من أجل إعادة هيكلة إقتصادها لإبطاء صعود الصين الصاروخي. وذلك من أجل:

إعادة هندسة سلاسل الإمداد (De-risking):
لكي تقنع واشنطن الشركات العملاقة (مثل آبل، وإنتل، والشركات الأوروبية) بنقل مصانعها واستثماراتها خارج الصين إلى داخل الولايات المتحدة كما يطالب الرئيس ترامب الجمهوري، أو كما طالب الرؤساء الديمقراطيون قبله بإتجاه الهند أو فيتنام أو المكسيك، فهي تحتاج إلى خلق أجواء من الذعر الأمني. الشيطنة هي الأداة النفسية لإجبار رأس المال الجبان على الهروب من الصين وتقليص التعامل معها.

تسويق صفقات السلاح وتوطين التكنولوجيا:
عبر إشاعة الخطر الصيني، ينجح صقور واشنطن في إجبار حلفاء مثل اليابان، وكوريا الجنوبية، والفلبين، وحتى تايوان نفسها على توقيع صفقات سلاح أمريكية بمليارات الدولارات، وإجبار شركة TSMC على التنازل عن تكنولوجيتها الفائقة وبناء مصانع داخل الولايات المتحدة (توطين الرقائق).

معركة القطب الواحد وكسر الاحتكارات:
تتخوف أمريكا ليس نابعا من القوة العسكرية البحتة للصين، بل من تفوقها في أدوات المستقبل التي تضمن لها البقاء على عرش القطب الواحد

احتكار الجيل القادم من التكنولوجيا:
تخشى واشنطن الريادة الصينية في مجالات الذكاء الاصطناعي، والاتصالات (5G و6G)، والسيارات الكهربائية، والبطاريات المتطورة، والحوسبة الكمومية. سيطرة الصين على هذه القطاعات يعني نهاية التفوق الاقتصادي والتجاري الغربي.

كسر هيبة الدولار:
المحاولات الصينية الدؤوبة عبر تكتل بريكس واستخدام اليوان في تسويات النفط والطاقة (مع دول مثل روسيا وإيران وبعض دول الخليج) تهدد الميزة الجيوسياسية الأكبر لأمريكا، وهي الدولار كعملة احتياط عالمية وحيدة، والتي تمنح واشنطن القدرة على فرض العقوبات وشل أي دولة في العالم.

قمة ترامب الحالية كمثال على هذه البراغماتية
تثبت القمة الجارية حالياً (مايو 2026) في بكين بين دونالد ترامب وشي جين بينغ هذا الأمر. فترامب، رغم خطاباته الشرسة وشيطنته للصين خلال حملاته الانتخابية، يجلس اليوم ليتفاوض على صفقات تجارية واستثمارات صينية بقيمة تريليون دولار داخل أمريكا وشراء طائرات بوينغ. هذا يوضح أن الشيطنة هي أداة ضغط لرفع سقف المفاوضات وانتزاع تنازلات، وليست رغبة في خوض حرب حقيقية؛ فأمريكا تريد إبقاء الصين في وضع الدفاع الدائم وإبطاء صعودها، دون دفعها نحو الزاوية الضيقة التي قد تفجر النظام الدولي بأكمله.

أمريكا تخوض حرباً وقائية باردة تهدف الدعاية والشيطنة فيها إلى محاصرة واحتواء التمدد الناعم للصين. الهدف النهائي لواشنطن ليس تدمير الصين عسكرياً، بل منعها من تحقيق الاكتفاء الذاتي التقني والمالي الكامل، وإبقائها في مرتبة المصنع التابع خلف الولايات المتحدة، لضمان استمرار تربع أمريكا على عرش القطب الواحد لأطول فترة ممكنة من القرن الحادي والعشرين.

مقارنة بين العقلية الروسية والصينية:
ان الصين لا تحاول تدمير الوضع القائم على المؤسسات الدولية بل تحاول وراثة قيادته من الولايات المتحدة بينما روسيا تحاول تغيير القواعد كاملة لانها لم تكن يوما جزءا من المؤسسات الدولية وتشعر ان هذه المؤسسات وجدت لتدميرها
في الفلسفة الاستراتيجية العميقة (Grand Strategy) التي تحرك كلاً من بكين وموسكو في مواجهة النظام الدولي الحالي نجد هذا التباين الجوهري في العقلية والأسلوب وهو ما يجعل الصين منافساً نظامياً ذكياً، بينما تبدو روسيا كـ قوة تخريبية متمردة.

الفروق الجوهرية بين العقلية الصينية والروسية في التعامل مع النظام الدولي والمؤسسات القائمة:

العقلية الصينية:
الوارث الذكي للنظام القائم
الصين لا تريد هدم المعبد، بل تريد الجلوس على سدة عرشه وإدارته لحسابها الخاص، وذلك لعدة أسباب: فهي ابنة النظام الاقتصادي العالمي. بكين تدرك أن صعودها التاريخي المذهل ليصبح اقتصادها الثاني عالمياً لم يكن ليحدث لولا مؤسسات النظام الرأسمالي العالمي الذي أرسته أمريكا (منظمة التجارة العالمية، البنك الدولي، صندوق النقد الدولي). الصين مستفيدة من العولمة، ولذلك تحمي الاستقرار لأنه يضمن تدفق صادراتها واستثماراتها.

استراتيجية التسلل وإعادة الصياغة:
بدلاً من مقاطعة الأمم المتحدة ومؤسساتها، نجحت الصين في العقود الأخيرة في السيطرة تدريجياً على قيادة العديد من الوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة مثل منظمة الأغذية والزراعة FAO، والاتحاد الدولي للاتصالات. هي تريد قيادة هذه المؤسسات من الداخل لتغيير المعايير الدولية والقوانين تدريجياً لصالح نموذجها السلطوي، مستبدلةً الهيمنة الأمريكية بهيمنة صينية ناعمة.

الصبر الاستراتيجي البوذي:
تؤمن العقلية الصينية بالزمن الطويل. هم يرون أن أمريكا تضعف وتتراجع داخلياً وخارجياً بفعل ديونها وصراعاتها السياسية، وبالتالي فإن القيادة ستؤول إلى الصين حتماً كإرث طبيعي دون الحاجة لتدمير الهيكل الدولي وصدمة العالم بحروب كبرى.

العقلية الروسية:
المخرب اليائس الذي يشعر بالحصار:
على النقيض تماماً، تتصرف روسيا بعقلية اللاعب الذي يريد قلب طاولة الشطرنج لأن القواعد لم تُكتب لمصلحته أبداً. السبب في ذلك يكمن في:

عقدة المهانة بعد الحرب الباردة:
تشعر روسيا أن المؤسسات الدولية الحالية (وتحديداً حلف الناتو، والمؤسسات المالية الغربية) صُممت في الأساس بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 لعزلها، وتطويقها، ومنعها من استعادة مكانتها كقوة عظمى.

الاقتصاد الريعي المعزول:
على عكس الصين، روسيا ليست دولة مصنعة مندمجة في سلاسل الإمداد العالمية المعقدة؛ اقتصادها يعتمد بشكل أساسي على تصدير النفط والغاز والسلاح. لذلك، فإن فرض العقوبات الغربية عليها يفصلها عن النظام المالي (مثل نظام سويفت وبورصات الغرب)، مما يعزز قناعتها بأن هذه المؤسسات هي أسلحة جيوسياسية موجهة لتدميرها، ولا أمل في إصلاحها.

العقلية العسكرية الصادمة:
تؤمن النخبة الحاكمة في موسكو بأن القوة العسكرية المباشرة (الصلبة) وخلق الفوضى في مناطق النفوذ (مثل أوكرانيا، وسوريا، وإفريقيا) هي الطريقة الوحيدة لإجبار الغرب على الاعتراف بها كقطب دولي. هم لا يملكون نفساً طويلاً للانتظار، بل يفضلون كسر القواعد الحالية لفرض واقع جديد بالقوة.

النتيجة والفرق في المواجهة مع واشنطن:

واشنطن ضد روسيا:
ترى أمريكا في روسيا تهديداً حاداً ومباشراً (Acute Threat) للأمن والسلم بسبب تهورها العسكري ورغبتها في هدم الحدود الدولية (كما يحدث في حرب أوكرانيا).

واشنطن ضد الصين:
ترى أمريكا في الصين التهديد الوجودي والأخطر على المدى الطويل (Pacing Challenge). فالصين تنافس أمريكا بنفس أدواتها. بالمال، والتكنولوجيا، والنفوذ داخل الأمم المتحدة، وأشباه الموصلات. الصين تريد إزاحة أمريكا لتصبح هي مدير النظام العالمي الجديد، بينما روسيا تريد إنهاء هذا النظام من الأساس والعودة لعالم محكوم بنفوذ القوة العسكرية البحتة والمناطق الأمنية المغلقة.

الانفصام البراغماتي الحذر:
تدير بكين حالياً واحدة من أكثر المناورات الدبلوماسية تعقيداً في التاريخ الحديث عبر تبني استراتيجية الانفصام البراغماتي الحذر. فالصين تسعى لموازنة علاقتها الجيوسياسية مع روسيا (شريكتها في كسر الهيمنة الغربية) من جهة، وشريكتها التجارية الكبرى أمريكا من جهة أخرى، لضمان استقرار نموها الاقتصادي. يتزامن هذا التوازن مع قمة الزعيمين شي جين بينغ ودونالد ترامب في بكين، حيث تطبق الصين التوازن عبر المسارات الحيوية التالية:

الموازنة العسكرية: الدعم تحت الطاولة والإدانة فوقها.
تدرك بكين أن تقديم دعم عسكري مباشر ورسمي لروسيا سيفجر علاقتها مع أمريكا والاتحاد الأوروبي فوراً عبر العقوبات الشاملة. لذلك تتبع قواعد صارمة منها:
منع السلاح الفتاك:
ترفض الصين تزويد موسكو بأسلحة أو ذخائر صريحة، وتكتفي بإمدادها بالمواد ذات الاستخدام المزدوج (Dual-use) مثل الرقائق الإلكترونية غير العسكرية، والمكونات الصناعية، والمسيرات التي تدعم الآلة الروسية بشكل غير مباشر.

الالتزام بالقنوات الخلفية الملتوية:
لتفادي العقوبات الغربية على بنوكها الكبرى، أوقفت غالبية البنوك الصينية الكبرى التعاملات المباشرة بالدولار مع روسيا، ولجأت بدلاً من ذلك إلى مقايضة السلع بالذهب الفعلي أو عبر بنوك إقليمية صغيرة يصعب ملاحقتها دولياً لتسوية المعاملات.

الفجوة الاقتصادية: روسيا محطة وقود. وأمريكا سوق الحياة.
الحسابات الرقمية لبكين واضحة جداً وتفرض عليها عدم التخلي عن واشنطن لصالح موسكو. فالتفاوت الضخم في حجم التجارة بين الصين وروسيا لتصل إلى حوالي 234 مليار دولار، إلا أن التجارة الصينية الأمريكية تظل أضخم بكثير، حيث بلغت قرابة 415 مليار دولار.

طبيعة العلاقات المتبادلة:
تتعامل الصين مع روسيا باعتبارها مستودعاً آمناً ورخيصاً للطاقة والنفط. لكنها تدرك أن بقاء اقتصادها ونمو شركاتها الفائقة يعتمد وجودياً على التصدير والوصول للمستهلك الأمريكي الغني، والحصول على التكنولوجيا الغربية. لذا، لا يمكن التضحية بالسوق الأمريكي لأجل روسيا.

المناورة السياسية: ترامب للمقايضات وشي للتحصين
استغلال روسيا كـ فزاعة وورقة ضغط:
تستخدم الصين علاقتها القوية مع فلاديمير بوتين كورقة مساومة غير مباشرة أمام ترامب. بكين ترسل إشارات لواشنطن مفادها: إذا ضغطتم علينا بالتعريفات الجمركية وملف تايوان، فسندفع بروسيا ومجموعات مثل بريكس للتصعيد وتهديد مصالحكم أكثر.

تبني لغة التهدئة التجارية الحالية:
في القمة الجارية مع ترامب، يعرض شي جين بينغ صفقات شراء واستثمارات تاريخية لامتصاص التوترات التجارية الأمريكية، مفضلاً إظهار الصين كـ شريك عاقل ومستقر قادر على المساهمة في تهدئة صراعات عالمية (مثل ملف إيران) مقارنة بروسيا المشاغبة التي تسعى لقلب النظام الدولي بالكامل.

تحصين جبهة الطاقة دون التبعية المطلقة:
تريد الصين شراء أكبر كمية ممكنة من النفط والغاز الروسي لإنقاذ اقتصاد موسكو من الانهيار وضمان خط إمداد بري آمن بعيد عن البحار التي تسيطر عليها البحرية الأمريكية. ومع ذلك، ترفض الصين بشكل قاطع الاعتماد الكلي على روسيا؛ فهي تتعمد تنويع مصادر طاقتها بشراء كميات ضخمة من الغاز المسال والنفط من أمريكا نفسها والشرق الأوسط، لضمان ألا تقع يوماً تحت رحمة الابتزاز الروسي.

المنظم الحذر:
الصين تلعب دور المنظم الحذر، فهي تمد روسيا بـ أجهزة إنعاش اقتصادي وتكنولوجي كافية لبقائها واستنزاف أمريكا والغرب، ولكنها تسحب يدها فوراً عندما يقترب الأمر من إشعال حرب تجارية مدمرة مع واشنطن قد تطيح بأرباح واستقرار الاقتصاد الصيني.

استراتيجية خط الجزر الأول (First Island Chain
جوهر الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في المحيط الهادئ، والمعروفة في العلوم العسكرية والجيوسياسية باسم استراتيجية خط الجزر الأول (First Island Chain). إستخدام تايوان بسبب موقعها الجغرافي لخنق الصين ومنعها من الانفتاح على المياه العميقة وخنقها داخل اراضيها عبر تحويل البحار حولها من اليابان إلى الفلبين من خلال تايوان.

تمثل تايوان قلب هذه الاستراتيجية الجغرافية المزلاج أو العقدة المركزية التي بدونها ينفرط عقد الحصار الأمريكي المفروض على البحرية الصينية التي يعتبر الانفتاح على المياه العميقة معركة وجودية لبكين:

جغرافية الحصار: خط الجزر الأول
يمتد خط الجزر الأول كقوس جيو-عسكري يبدأ من جزر الكوريل واليابان في الشمال، يمر بـ تايوان في المنتصف، وينتهي بالفلبين وبورنيو في الجنوب. الهدف الأمريكي هو تحويل البحار المحيطة بالصين من بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي إلى بحيرات مغلقة تحت الرقابة النارية والبحرية لأمريكا وحلفائها. وتايوان تقع في منتصف هذا الخط تماماً. طالما أن تايوان خارج السيطرة العسكرية لبكين، فإن البحرية الأمريكية وحلفاءها (اليابان والفلبين) يمتلكون القدرة على رصد وخنق أي تحرك للغواصات والسفن الصينية ومنعها من العبور بحرية نحو المحيط الهادئ المفتوح.

معركة المياه العميقة (Deep Water) وحرب الغواصات:
البحار القريبة من السواحل الصينية (داخل خط الجزر الأول) هي بحار ضحلة نسبيًا، مما يجعل الغواصات الصينية، وخاصة الاستراتيجية منها (التي تحمل رؤوساً نووية)، سهلة الرصد والتعقب من قبل الطائرات وأنظمة الاستشعار الأمريكية. حيث تتميز السواحل الشرقية لتايوان (المواجهة للمحيط الهادئ) بوجود خنادق بحرية شديدة العمق تنحدر فوراً لآلاف الأمتار في المياه المفتوحة.

حلم بكين الجيوسياسي:
إذا سيطرت الصين على تايوان، فستتمكن غواصاتها النووية من الإبحار مباشرة من القواعد التايوانية والاختفاء فوراً في أعماق المحيط الهادئ دون أن يتمكن الرادار الأمريكي من رصدها، مما يمنح الصين قدرة الضربة النووية الثانية الحقيقية والمهددة للعمق الأمريكي بسبب عجزها عن رصد مواقع الغواصات.

تايوان كـ حاملة طائرات غير قابلة للغرق:
استخدم الجنرال الأمريكي دوجلاس ماك آرثر هذا الوصف الشهير خلال الحرب الباردة، وهو لا يزال حياً في العقيدة العسكرية الأمريكية اليوم. طالما أن تايوان حليفة لواشنطن، فهي تمنع الصين من مد نفوذها العسكري شرقاً، وتجعل القواعد الأمريكية في أوكيناوا (اليابان) وغوام في مأمن نسبي. آما سقوط تايوان في يد بكين سيعني كسر القوس الأمريكي، وتحول الجزيرة إلى قاعدة انطلاق صينية ضخمة تهدد خطوط الملاحة التي تغذي اليابان وكوريا الجنوبية (حلفاء أمريكا الأساسيين)، مما يجبر القوات الأمريكية على التراجع إلى خط الجزر الثاني (نحو هاواي وغوام).

قمة ترامب وشي جين بينغ الحالية
هذا البعد الجغرافي العسكري هو السبب الرئيسي الذي يمنع الرئيس دونالد ترامب -رغم عقليته التجارية البراغماتية- من بيع تايوان بالكامل للصين مقابل مجرد صفقات تجارية أو تنازلات في ملف إيران. قد يساوم ترامب على حجم مبيعات السلاح أو لغة الخطاب الدبلوماسي لإبرام اتفاقات اقتصادية وتوطين الرقائق الإلكترونية داخل أمريكا.

صقور الأمن القومي في البنتاغون والكونغرس يوضحون دائماً للبيت الأبيض أن التخلي الجغرافي عن تايوان يعني تسليم المحيط الهادئ للهيمنة البحرية الصينية، وهو خط أحمر يهدد الأمن القومي الأمريكي بشكل مباشر.

المعركة حول تايوان ليست مجرد خلاف على الديمقراطية أو صناعة أشباه الموصلات، بل هي في الأساس معركة خرائط ومضائق. أمريكا تريد إبقاء الصندوق الجغرافي مغلقاً على الصين لتقييد طموحها العالمي، بينما ترى بكين أن كسر هذا الحصار الجغرافي والانفتاح على المياه العميقة عبر تايوان هو بوابتها الوحيدة لتصبح قوة عظمى مكافئة للولايات المتحدة. وستكون يوم سيطرتها على تايوان هو اليوم الذي تعلن فيه تربعها على عرش القطب الواحد بدل الولايات الأمريكية.

الجزء الثاني: فخ الصين الكبرى: كيف خسرت تايوان معركة الصين الواحدة؟

الجزء الثالث: الدرع السيليكوني التايواني (Silicon Shield).

حيدر المنصوري، خبير في الاتصالات والتكنولوجيا

حيدر المنصوري خبير في الاتصالات والتكنولوجيا، شغل منصبًا إداريًا في إحدى كبرى شركات الاتصالات في العراق، ويمتلك خبرة في إدارة العمليات وتطوير البنية الرقمية. يعمل حاليًا مستشارًا في القطاع، مقدمًا رؤى استراتيجية حول التحول الرقمي والأسواق. كما يهتم بالجغرافيا الجيو-استراتيجية وتأثيرها على القرارات السياسية، وله مقالات وبحوث في هذا المجال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى