إقتصادالاحدث

صراع النخب بين الذهبين الفقير والغني – الفقاقيع اللامحتسبة والخسائر اللامتجانسة

 إعداد : محي الدين الشحيمي

يساهم التسعير العالمي للذهب المقرون والمقوم بالدولار الأميركي إلى حركة سطحية مقوننة وظاهرية عكسية. تضمر بكينونتها مفاهيم مختلفة. سيما أن الجوهر المتين المعروف للذهب على اعتباره من السلع المستخدمة في التحوط من مخاطر التغير في سعر صرف العملات الوطنية كملاذ آمن من المشهديات التضخمية. ذلك أن لجوء المستثمرين والخائفين إلى الذهب هو في دافع التحوط ضد المخاطر. لكنه يزيد من الخسائر عند الإقبال على المضاربة بالذهب وأكثر من توافر احتمالية الربحية، مع امكانية تحول العلاقة بين الذهب والدولار إلى حد التناغمية التامة، وبالتالي من أن يسير الاثنين في نفس المسار لبعض معقول من المواقيت.

 

تتميز إحدى الطرق الرائجة لامتلاك الذهب عبر شرائه وتخزينه بالطرق الشائعة المتعددة، ومنها المنزلية، أو وضعه في مكان آمن. تتجنب هذه الطريقة التكاليف المتكررة كالتخزين الا انها لا تخلو من تكاليف أولية كبيرة من رسوم الشراء المرتفعة والمخاطر. حيث يعتبر الذهب المخزن في المنزل عرضة للسرقة أو التلف والضياع، وغير خاضع لقوانين التأمين. ويتم شرائه في أغلب الأحيان برسوم مرتفعة. فهو تخزين إيجابي للذين يمتلكون كمية ضعيفة منه، ولكنه خطر في حال وجود كميات كبيرة.

 

تسود معدلات الفقر بمعادلة متناسبة عكسيا مع ديناميكية حيوية الذهب. يؤدي ذلك إلى خلل في الطبقات الاجتماعية المعهودة. ويساهم في زيادة فريق الجهة الفقيرة المستثمرة في الذهب بشكل معهود أكثر. هنا يدخل الذهب بمنافسة غير شريفة وشرسة بين فكرتين ورؤيتين مختلفتين. هي حرب الصفوة. فهي منازلة بين الذهبين الغني والفقير. تستعملهم النخبة لاستكمال الاستحواذ على الذهب. في معدلات بيوع ذات نتيجة عكسية بين المصارف المركزية والمؤسسات المالية. تؤدي إلى زيادة في الطلب بطريقة وهمية في الباطن ومغرية في الظاهر لحوافز بناء الثروة بأقل فترة زمنية. تساهم في ارتفاع الأسعار، وذلك ما يغري المستثمر الفقير والطامح في الأصل لتحقيق هوامش الربحية السريعة. يقنعه بالقيام في عمليات البيع للمستمثر الغني المتصف في توازن الذكاء العاطفي، والأقل توترا، والمتمتع كذلك بالمرونة والصبر لانجاح صفقات على المدى الطويل. يخطط للاستحواذ التام على الذهب. وهذا يتطلب دهاء التكيف مع الوقت وذهنية التداول المقنعة بالعرض والطلب. ذلك تمهيدا للتحكم، وليس بسعره فقط وانما تصميما لرسمة جديدة من الاحتكارية والابتكارية المرتقبة لنسق مختلف من توليفة هيكل تعاوني عالمي. سيكون مغاير للتوازن النظام العالمي الحالي. في سبيل تأمين حالة مقنعة للتحوط الشكلي أمام الموجبات العاصفة من التضخم والمد والجزر في الانكماش.

 

ارتفعت سعر أونصة الذهب في آخر ثلاثين سنة وبالتحديد منذ العام ١٩٩٦ إلى العام الحالي ٢٠٢٦ بأكثر من ٤٥٠٠ دولار. كان سعرها في العام ١٩٩٦ حوالي ٢٥٦$. وأضحت تساوي ٣٨٦ دولار في سنة ٢٠٠٣. ثم عادت وانحسرت بين ٣٨٦$ و٤٥٠$ من ٢٠٠٣ إلى العام ٢٠٠٩. وبدأ السعر بعدها بالصعود. ووصلت إلى سعر ١٩٢٠ دولار في شهر أيلول من العام ٢٠١١. استهل التذبذب بين الأعوام ٢٠١٣ وال٢٠١٥ وبلغ سعرها حوالي ١٠٤٦$ . وهو ما شكل البداية لفاتحة الموجات التغييرية الجديدة للنظام المرتقب، وبداية ضمور ما قبل الأفول للمرحلة الجديدة.

 

تأسست عقلية الاستثمار والذهب الفقير على الدخل المحدود، والتداول القصير وغير المدروس. يتبنى التركيز المستمر على اليوميات والرواتب الشهرية، والاحتياجات اليومية التفصيلية. يحول الذهب الى سلعة استهلاكية عوضا من التوجيه والتحصين والزيادة بالنمو. يحول مجهودهم الى استقرار مالي محدود في دائرة مغلقة مع ميل إلى المخاطر وعدم بناء الثروات.

 

لا يعيش العالم في فقاعة بل على العكس. أضحى يعيش في فقاعة وعدة العوالم لا تتعلم من أزماتها. يسود تأثير شمولي على شكل تبدل في حركية تراكم الثروات. تصيب البعض بانهيار وشيك. وتؤسس للبعض الآخر رسومات الأغنياء الجدد وتكون الثروات. يستمر الذهب في مراكمة الأسعار الشرسة رغم بعض التراجعات المحتفظة بالمكاسب غير المسبوقة. يستغل حالات اللايقين للفوز أكثر بالفردانية الملاذية الحكمية وعشوائية حتمية. تستعمله الجيوسياسية بشكل نخبوي دائم. فتتشكل مشهدية مختلفة وهي ارتفاع حالات المديونية وتفاقم حالات الفقر إلى أعلى مستويات عالمية بالنسبة للذهب. خلقت تعديل جديد لنسب الحد الأدنى للرواتب والمداخيل والتداولات على حسب سعر الذهب. اذ يؤدي ارتفاع سعره إلى تكون فجوة سميكة بينه وبين الرواتب والمعدلات الثروات الوسطى. كان الحد الأدنى يساوي أكثر من أونصة، وحاليا بات الحال هو العكس. فأمست الأونصة في موازنة مع أكثر من راتب.

 

يستثمر الفكر الغني في الذهب والمعادن النفيسة كفصل متحول وملاذ آمن. يؤمن له حماية الثروة والتحوط من تراجع قيمة العملات والديون. وتعد السبائك المادية هي الأولوية بهدف بناء أصول المدرارة للثورة. في حين ينظر الفكر الفقير والمحدود الطموح اليه على انه زينة أو وسيلة للمضاربة السريعة والذعر عند انخفاض الأسعار. تشتري العقلية الغنية الذهب من أجل الحفظ وبناء الثروة. فيما يركز الفقير على نماذج الحركة السريعة في البيع والمبادلة والخروج من السوق. لا يميل للتحدي ولا يحبذ المخاطرة ويفتقر لتحقيق البراغماتية الاستراتيجية. يعكس ذلك طبيعة الاختلاف في نمطية التحليل الفني وطرائق التفكير وأسلوب اللحظي التعامل الكمي مع المعلومات. فقد لا يمنح التحليل الفني الربحية بشكل يومي. وقد لا يحقق أيضا هدف الثراء في المضاربات عبر تعلم التداول الفني.

 

ليست المشكلة بقصور الفكرة وعدمية المعرفة الكافية في مزايا التحليل وخيابا التداول. فيمكن أن لا تحتاج أبدا الى أي من هذه النماذج، بل الى استنساخ نمطية مختلفة في الأسلوب وطريقة جادة في التفكير أثناء التفكير. فلا يقع الحق على الوسيط والوساطة، اذا ما كانت أغلبية الناس هي الخاسرة عند التداول في العقود مقابل الفروقات السعرية. لأن المشكلة هي انسانية بالدرجة الأولى وبشرية بامتياز، سيما انه مع أشخاص عقلانيين وأذكياء، جلهم من المميزين لكنهم خاسرين في التداول. ذلك لأنهم لم يتعلموا طريقة التفكير الصحيح.

 

يعد الذهب من الأصول الجوهرية الحقيقية الثابتة. تساهم في درء مفاسد السلوك الورقي. تحمي كذلك من التضخمات وتخفف من حدة انهيار العملات الوطنية. تتوجه الرؤية الغنية إلى الذهب. فتتداول به ومع ما يدور في فلكه على انه هدف استراتيجي على المدى الطويل، دون قلق من ترنح المؤشرات السعرية لقيمة العملات. تفضل الاستثمار في القطع الكبيرة للهروب من تكاليف الخدمة وقيمة الرسوم ومصاريف الحماية والتصنيع. هو عنصر مركزي في إدارة المخاطر ويستخدم في سبيل التأمين والاستئمان في فترات عدم اليقين.

 

فيما تتمحور الصورة الفقيرة على تداول الذهب كسلعة فقيرة كثيرة الحركة، ضمن عقليات المستهلك والمضاربة الرخيصة، ان في تركيزها على المشغولات، وبالتالي إلى فقدان القيمة عند البيع والشراء عبر حركة بلا بركة دون بلوغ الاشارات واحتوائها بسبب المضيعة المالية. وهنا تأتي فرصة أفضل صفقات المتداول الغني، خاصة بعد عملية توقف خسائر معظم المتداولين. ذلك أن الأسواق تميل الى التحرك بهذا الشكل، لأن الكبار لا يستطيعون الدخول ببساطة معلومة والضغط بسرعة على رز الشراء. فالسيولة قد تكون غير كافية لدخولهم بكميات كبيرة. فيؤسسون الى حركة موهومة، تدفع الآلاف من المتداولين الصغار الى انتهاج تعددية البيوع والشراء باتجاهات خاطئة. ويتم عقب ذلك تفعيل أوامر وقف الخسارة لديهم.

 

ينتهج المضارب صاحب العقلية الفقيرة سلوكيات الخوف. وتنتج المضاربة الانتقائية الفاشلة في الانتقال إلى مراحل من الثقة. فيشتري عند القمة ويبيع عند الخوف وبداية الانخفاض أو مع الوصول الى القعر.

 

تسيطر عليها الحركيات الخاطئة، وهو ما يوقعه بالمزيد من الخسائر. يربط الذهب بالحوائج الطارئة والتسييل الفوري، وهو ما يدخل الذهب في خانة طوارئ الادخار ولو بأكلاف باهظة للاستعمال السريع، وليس كإستثمار مفيد للنمو مع جهل تام بالتكلفة. لا يفرق ماديا ومعنويا بين أنواع الذهب الخالص والخام وغير المشغول وبين الآخر المصنع للزينه. حيث يعمل الفكر الغني الاستثماري من أجل الذهب ولحفظ قيمته، قيما يقوم الفكر الفقير بالاستثمار الاستهلاكي بالذهب، ويحول الذهب إلى سلعة يومية مع خوفه من المضاربة الدائمة. وهو ما يدخله بنفق من عدم اليقين، وبالتالي تكبد الخسائر والخروج من السوق وهروب الذهب إلى الفكر الغني في النهاية. هي تقنية بناء علاقة مختلفة بين المال ومصدر الثروات كوسيلة تدار بعلم دولي في كونها ملهمة دائمة للقلق والارتباكات وبالتالي الخسائر. تخلق هذه الأوامر موجة من السيولة وهي حاجة الكبار للدخول في السوق، وحتى من دون شجاعة للشراء على تلك المراحل. بملاحظة أن الكثير من الأشخاص قد تم اخراجهم من السوق، فيما بقيت المبالغ وتم شفطها. هو ترجيح في كونك على الجانب الصحيح من الصفقة. تعرف الصفقة الجيدة بكونها الصعبة عاطفيا وعندما يحين موعد الشراء، وقد لا ترغب في الشراء.

 

يختلف سلوك المستثمر الغني عن الفقير في إدارة الثروة بشكل جذري. هم يركزون على العامل الاستثماري الزمني والطويل الأمد، وتنويع الأصول وجعل المال يعمل لأجلهم بأطول الأجال. في حين يميل الفقراء وأصحاب الدخل المحدود والأثر المحبوس، إلى الادخار الخوفي والاستهلاك اللحظي. يعملون للبحث عن الأرباح السريعة فقط. يسود التخطيط والانضباط عقلية الغني في مقابل العشوائية والخوف لدى غيرهم. وفي عالم تداول قد لا يتعلق كثيرا بالفوز والخسارة. بل بالآداء، من هنا تنبع الأولويات الحقيقية والوظيفة المقيدة المكونة بتنفيذ الخطة بشكل صحيح في كل مرة. هذا بغض النظر عن ما يدور بالسوق.

 

فاذا التزمت في ذلك وكررت السيناريو بانضباط. قد تتمكن مع الوقت من استخراج رأس المال من السوق وأكثر من ما أدخلته اليه. وقد يكون هنالك أمر جيد في التداول ورائع. يجعل من المتداول معظم عمره، وهو يهرب من شياطينه النفسية. لكن في التداول ستلاحقه على الدوام ولن تتركه. وستعثر عليه أينما تحل وفي ظرف التداول والمضاربة. ويتأثر المتداول الفقير أكثر من المتداول الغني. فالتداول يوفر بيئة استثنائية تجعل المتداول متناغم مع نفسه أكثر. وتعمل على تطويره نفسيا. وقد تصبح انسانا أفضل في مجالات كثيرة، ومنها التداول نفسه. لكن يفترض فهم شيئأ مهما، هو أن التداول لا يقدم أرباح وانما منصة وسلم. تطل من خلاله على نفس الحقيقية الداخلية.

 

يوجد هنالك فارق كبير بين الفكرين. يتمحور سلوك المستثمر الغني حول المال كأداة لتوليد المزيد من المال والثروات، وليست فقط للانفاق. يركزون على نسقيات الاستثمار الطويلة الآجال بصبر ومسؤولية. يلتزمون بالاستراتيجيات الصلبة، والابتعاد كليا عن التقلبات العاطفية في الاقتصاد السوقي . ينطلقون من مسلمة تنويع محافظ الأصول في توزيع الاستثمارات بين الأسهم والسندات في العقارات والأعمال لتقليل المخاطر. يتسلحون بالشجاعة الاستثمارية وتحمل المخاطر المدرسة لإدارة مشاريع الحالية للعوائل، عوضا عن تكنيزها بصفرية عوائد إنتاجية. يخلق لهم هذا المسار تكتيك التعلم المستمر في التركيز على القيمة السوقية وتطوير المهارات.

 

سيكون لزاما اعادة تنظيم العقل واعادة ترتيب استجاباتك النفسية، حتى تصبح متداولا مميزا ويقظا بحق. حيث تأتي الأرباح عندما تسيطر على المشاعر. فالسبب في أي تحول للناس العاطفيين في التداول بحجة عدم استطاعتهم التحمل أكثر، ولا يستطيعون تحمل كسب المال. هنا تختلج اللوحة مشاعر مختلفة لكنها في النهاية مشاعر. وينبغي التنبه وخاصة في الأسواق المالية وهو أمر محوري، وما يجب أن تتقبله فعلا اذا قررت التداول. فعندما تشتري شيئا يتم الدفع على سعر العرض. سيما في حالة بيع السلعة بطريقة مكشوفة على سعر الطلب. وتقيم أرباحك وخسائرك عند الشراء على سعر الطلب، فيما الأرباح والخسائر عند البيع المكشوف تقيم على سعر العرض. لذا الخسارة تكون بشكل افتراضي، لكن أثارها حقيقية. فمن اللحظة الأولى والتي تضغط فيها على زر التنفيذ، وحالة الخسارة هي جزء من اللعبة. ويفترض تقبل ذلك وأغلب الناس لا يتقبلون. تخلق هذه اللعبة الفروقات الجوهرية بين العقليتين الغنية الفقيرة. يحب الذهب دائما صاحب المرونة المتكيفة مع الظروف، هو ما فشل به المستثمر الفقير. ويفقد المعركة لصالح العقلية الغنية. فتتشكل الفقاعة السعرية. وتتم نقل الأموال مع بقاء الثروة في مكانها الظاهري.

مركز السياسات والاستشراف المعرفي (مسام)

مركز السياسات والاستشراف المعرفي (مسام) هو وحدة بحثية تابعة لموقع "الملف الاستراتيجي"، تُعنى برصد وتحليل السياسات العامة، وتحولات الشركات الكبرى، والديناميات الجيوسياسية التي تسهم في إعادة تشكيل العلاقات الدولية والبُنى المؤسسية والاجتماعية على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية. ينطلق المركز من منظور استشرافي علمي يهدف إلى تجاوز التحليلات الظرفية، من خلال تتبّع الأنماط الكبرى في السياسات والتحولات المعرفية، وفهم التفاعلات المعقدة بين الدول، والشركات العابرة للحدود، والمجتمع المدني، والمنصات الرقمية. يركز المركز بشكل خاص على دراسة السياسات الوطنية في دول الشرق الأوسط، وتحليل استراتيجياتها في مجالات الحوكمة، وإعادة التموضع الإقليمي، والتفاعل مع التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية. كما يعالج المركز القضايا المتصلة بمستقبل السيادة الرقمية والمعرفة، ودور الفاعلين غير التقليديين في التأثير على صنع القرار وتشكيل الفضاء العام. يعتمد المركز في إنتاجه المعرفي على مقاربة تحليلية حيادية تلتزم بالصرامة المنهجية والموضوعية، بعيدًا عن التحيزات السياسية أو الإيديولوجية، ويسعى إلى تقديم فهم مركب ومسؤول للتحولات الراهنة، بما يخدم الباحثين وصنّاع السياسات والمشتغلين في حقل التفكير الاستراتيجي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى