إقتصاددولي

كيف سيغير كورونا شكل العالم في المستقبل!

لقد تمكنت جائحة كورونا الراهنة من قلب موازين الأمور وتغيير وجه الأرض بصورة تامة، كل ذلك في غضون أقل من ستة أشهر فقط، فما بالنا بالقادم! هل يمكننا التكهن به في ضوء المعطيات والشواهد الحالية! قد يبدو الأمر غامضا ومعقدا للغاية ولكنه ليس مطلقا وقاطعا، لذا فنحن قد نكون بحاجة إلى تقييم الحاضر من أجل تقديم رؤية استشرافية للمستقبل.
في بداية الأمر، دعونا نتذكر أن العالم برمته كان يحيا في حالة اضطراب شامل قبل انتشار هذا الوباء منذ نحو 12 عام. فلقد تسببت الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم في ثلاثينات القرن الماضي في حدوث آثار وتبعيات اقتصادية عنيفة أثرت بشكل كبير على المجتمعات الرأسمالية، وتسببت في حالة من الغضب الشعبي في عدد منبلدان العالم ممن يحظى مواطنوها بمستويات مرتفعة من الدخل.
ولقد عبر الغضب الشعبي عن نفسه في عدة صور كان أهمها الاستفتاء حول خروج بريطانيا العظمى من المملكة المتحدة أو البريكست Brexit،وانتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية في عام 2016 ولعل ذلك الحدث الأخير كان له عظيم الأثر في انجراف السياسات الاقتصادية نحو الحمائية والدفع في اتجاه تحول الصين إلى قوة عظمى، الأمر الذي تم تداوله إعلاميا على أنه حرب باردة من نوع جديد.
والآن، تُظهر التوقعات الاقتصادية لكل من البنك الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن العالم يعيش حاليا أسوأ حالة ركود في وقت السلم منذ أكثر من مائة وخمسين عام، حيث أن اتساع نطاق الوباء على نحو غير متوقع قد تسبب في وقوع آثار سلبية حول العالمتفاوتت من دولة لأخرى. فهناك بعض الدول ممن تضررت بصورة أكبر من غيرها ربما لاستهتارها بالأمر أو ربما لمجرد سوء الحظ. وكذلك الأفراد فهناك من سحقه الوباء ربما لعدم التزامه بالإجراءات الوقائية أو ربما لحالته الصحية العامة أو كبر سنه أو اضطراره للعمل في مناخ قائم على التقارب بين البشر. على أية حال فالأزمة قد حلت بالجميع ولا مفر من ذلك.
لقد تعلمنا خلال الشهور الماضية أن الدول تحاول على الأقل تحمل المسئولية في الظروف العصيبة، كما تعلمنا أيضا أن تحقيق التضافر بين دول العالم وتوحيد الاستجابة هو أمر قد يبدو مستحيلا في ظل هيمنة أصحاب الاتجاهات الديماغوغية والميول الاستبدادية.
نحن نعلم جيدا أن هذا الوباء سوف يترك جروحا اقتصادية وندوبا عميقة تتمثل في انهيار شركات، وضياع رؤوس أموال، وفقدان مهارات، ومن ثم يصبح لدينا خسائر طويلة الأجل في الإنتاج بوجه عام. ولا يخفى على أحد حقيقة أن معظم دول العالم ستواجه أزمة تراكم الدين بعد انتهاء الوباء، بحيث تصبح البنوك المركزية صاحبة النصيب الأكبر من هذا الدين.
ورغم ذلك، فلازال هناك الكثير مما لا نعرفه عن مستقبل العالم بعد الوباء، نحن لا نعرف متى وكيف سيتم التوصل إلى علاج أو لقاح مناسب أو أي حلول أخرى من شأنها أن تجعل الأمور تحت السيطرة. كما أننا لا نعرف ما هو المسار الصحيح لإعادة إنعاش الاقتصاد مجددا.
ولكن ثمة بعض التطورات المحتمل حدوثها في نهاية المطاف، ولعل أولها هو انتهاء عصر عولمة الأشياء والذهاب في اتجاه العولمة الافتراضية والتي يثار حولها الجدل أيضا بين دول العالم. كما أن انخفاض التكامل بين سلاسل التوريد العالمية، والذي كان سائدا قبل ظهور الوباء ينذر بأن السياسة العامة في العالم سوف تذهب في الاتجاه ذاته على نحو أكبرخلال السنوات القادمة.
ثانيا، فإنه من المحتمل أن تستبق معظم دول العالم الخطى نحو تبني المزيد من التقنيات الحديثة والتي تستهدف تعزيز السلامة العامة إلى جانب تحقيق قدر أكبر من الضبط الاجتماعي، وبالفعل فقد تولت الصين قيادة تلك المسيرة لتحذو الدول الأخرى حذوها واحدة تلو الأخرى.
والاحتمال الثالث هو تنامي سياسات الاستقطاب وتفاقم الصراع بين يمين أكثر ديمقراطية ودفاعا عن سياسات الحمائية الاقتصادية، ويسار أكثر اشتراكية وتقدمية. فسوف تتنازع تلك الأطراف على السيادة والزعامة وتقلد منصب المسئولية الدولية.
وتأتي الحقيقة الرابعة في هذا الشأن، وهي ارتفاع نسبة العجز والدين أضعافا مضاعفة. ولن يسمح بجولات جديدة من الإجراءات التقشفية التي تستهدف خفض الإنفاق العام. والمؤكد هنا في هذا السيناريو هو ارتفاع قيمة الضرائب وبخاصة على العجز طويل الأمد الذي تموله البنوك المركزية بشكل صريح تارة وعلى نحو ضمني تارة أخرى.
والحقيقة الأخيرة التي لا تقبل الشك هنا، هي تدهور العلاقات الدولية وبخاصة في ظل التنامي الملحوظ للقوة الصينية والتي طالما اتهمها العالم بأنها المسئولة عن وجود الفيروس بالنظر لكونها البؤرة الأولى للتفشي.
أما فيما يتعلق بإيقاع الحياة اليومية، فمن المتوقع أن يعود الناس إلى حياتهم السابقة بعد نهاية الوباء من حيث ارتياد المطاعم والمحال التجارية ولكن على نحو أكثر ريبة وحذرا مما كان في السابق.
ولازال الجدل يثار حول مستقبل عمالقة صناعة التكنولوجيا في العالم مثل فيسبوك وغوغل وأمازون وغيرهم، فلنقل أن تلك الشركات سوف تخضع لمزيد من التحكم من قبل السلطات السياسية، فالأنظمة الحاكمة بوجه عام لا تفضل مثل هذا النوع من تكتلات الملكية الخاصة.
وختاما فإن القضية الأساسية- شكل العالم بعد كورونا- لا يمكن حسمها حتى الآن، وبخاصة في ظل وجود عدد من التساؤلات التي تطرح نفسها على الساحة. فإلى أين سيذهب ملف الصراع الدولي؟ وهل سيتفاقم العداء بين كل من الصين وأمريكا أم سيكون هناك فرصة لتعاون محدود بين الجانبين!
وما حجم الاقتصاد العالمي بعد انتهاء الجائحة! وهل ستتكاتف الأمم سويا لإنعاش الاقتصاد وإدارة ملف التغيرات المناخية؟ أم أن الأمور ستزداد سوءا في المستقبل.
لا شك أننا مقبلين على اضطرابات سياسية واقتصادية أكثر حدة ولكن هذا لا ينفي أن نسعى دائما إلى فعل الصواب.
رابط المقال اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى