إقتصاد

لبنان: تثبيت سعر صرف الليرة اخفى هشاشة الاقتصاد | جورج عبيد

للأشتراك بالنشرة البريدية اضغط هنا

ان العناصر الرئيسية التي تؤثر على سعر الصرف هي الميزان التجاري وميزان المدفوعات، الكتلة النقدية ونسبة التضخم، واسعار الفائدة. لم تترافق زيادة الفوائد مع تحسن سعر الصرف وذلك لاسباب اقتصادية صرفة، كتفاقم عجز الميزان التجاري وعدم ضبط نسب التضخم والبطالة وتردي الاوضاع السياسية والاقليمية ونمو الاقتراض الخارجي. ولكن تدخّل المصرف المركزي عبر تثبيت سعر الصرف حجب العوامل الموضوعية التي تبيّن الوضع النقدي الواقعي، كما انه طمس الحقائق وابقى سعر مصطنع للعملة الوطنية، من هنا تكمن اهمية البنى الانتاجية للاقتصاد في الانفاق العام.

وصل سعر صرف الليرة اللبنانية الى حدود 2825 للدولار الواحد في ايلول 1992، فبدل اعتماد سياسة نقدية تساهم في النمو المستدام اذ ان النقد بخدمة الاقتصاد وليس العكس، تمت عمليات المضاربة من خلال شراء الليرة بكميات هائلة ومن ثم بيعها بعد تثبيت سعر الصرف عند 1507 ليرات للدولار الواحد اواخر التسعينات، وتقاضي فوائد لامست 40 % على سندات الخزينة، بذلك جنى المضاربون، ومعظمهم من النافذين، اموالا طائلة على حساب الخزينة من دون دفع اي ضريبة تذكر على الفوائد او على عمليات التحويل والصرف.
على رغم كل المكافآت التي وزعت على مقتني الليرة من فوائد خيالية، عجزت الليرة على مدار سنوات اعادة الاعمار وما بعدها عن ان تشكل وسيلة دفع اساسية ووحدة حساب معتمدة وقيمة احتياط رئيسية او رديفة.
ماذا لو لم يثبّت سعر صرف الليرة بالنسبة للدولار وبقي متحركا” ضمن نظام ربط عائم Floating peg ؟ هل كنا وصلنا الى ما نحن اليوم عليه؟
لم يشعر اللبنانيون بخطر التضخم وبالتالي لم يعوا الحاجة الى استبدال استهلاكهم المستورد بانتاج محلي يخفف الطلب على العملة الصعبة، وعاش معظمهم نمط حياة ترفيا مقارنة بمدخولهم، في حين كان الدين يتفاقم مستندا” الى احتياط البنك المركزي المكون بقسم كبير من تحويلات اللبنانيين في الخارج والاحتياط الالزامي على الودائع. اذا” كان اللبنانيون يدفعون من جيوبهم فاتورة تثبيت سعر صرف ليرتهم بطريقة غير مباشرة، وهم يزيدون استهلاكا” استنادا” الى ثقة وهمية بالقدرة الدفاعية لليرة التي لو لم تثبّت، لكانت عكست حقيقة ضعف الاقتصاد وبالتالي اضطروا للتوجه الى الانتاج والتقشف بدل الاستهلاك غير المحسوب، خوفا” من التضخم وانهيار قدرتهم الشرائية كما يحدث الآن.

لقد امتص البنك المركزي خطر تدهور الليرة وشجع اللبنانيين على الافراط في الاستهلاك. اما الحكومات المتعاقبة فلم تولي الاستثمار في القطاعات الانتاجية الاهتمام اللازم لتحفيز المبادرة الفردية.
بقي قسم كبير من اللبنانيين متوسلا” وظيفة في الادارات الحكومية والمرافق العامة اما المحظيين فكانوا متعهدين وسماسرة ولم يفضلوا القطاع الخاص حيث الابداع والانتاج وخلق فرص العمل. تجدر الاشارة الى ان الانفاق الاستثماري في القطاعات الانتاجية وخصوصا الصناعة والزراعة والسياحة لم يتجاوز حاجز 14% عبر السنين، من مجمل نفقات الموازنة العامة.

.بما ان الاقتصاد في لبنان مدولر بنسبة تفوق 65 % وهي نسبة الودائع بالعملات الاجنبية الى الودائع المصرفية الاجمالية، فتطور الكتلة النقدية M3 التي تضم مجموع الليرات والعملات الاجنبية لم يعكس نمواً اقتصادياً متوازناً، الامر الذي اثر سلباً على الاسعار والنقد.
وعكس تعاظم الميزانيات المجمعة للمصارف مقارنة بحجم الناتج المحلي، عدم مساهمة تطور الكتلة النقدية بفعالية في زيادة النمو الاقتصادي، واظهر ضعف دور المصارف كوسيط لتنشيط الدورة الاقتصادية وحاجات السوق اذ انها تحتكر عملياً الادخار الداخلي والرساميل الخارجية في غياب سوق مالية متطورة وصناديق ادخار مع ركونها الى تسليف الخزينة الحكومية بفائدة مرتفعة لتمويل العجز المتنامي عبر السنين.

ويمكن بالتالي اختصار حقبة ما بعد الحرب في لبنان بالقول انه بقدر ما أتاح الانفتاح على التمويل الخارجي تثبيت سعر صرف اللّيرة وخفض مستوى التضخم، فإنه ترافق مع ارتفاع حجم المديونية العامة ومع اعاقة نمو المقدرة الإنتاجية والقدرة التنافسية الخارجية للاقتصاد الوطني.
ما وصلنا اليه اليوم يؤكد جلياً ان تعزيز النقد لا يتم بواسطة سياسات دعم النقد بالنقد بل بواسطة دعم الاقتصاد وتوازنه. واذا كان هناك من ثقة في العملة الوطنية فهي تكون ظرفية بغياب خطط تنمية اقتصادية مستدامة، اما الغاء الدولرة القسري forced de-dollarization فله اثار كارثية على الاقتصاد الجزئي والكلي.
ان الامر الأهم الذي ينبغي تسجيله بخصوص تجربة لبنان السابقة في ميدان تثبيت سعر صرف العملة هو ان هذا التثبيت لم يكن له المردود المرجو لجهة تعزيز القدرة الانتاجية وكسب المناعة للاقتصاد الوطني. وذلك لانه لم يستثمر كاحد عناصر مشروع نمو بديل منفتح على السوق الدولية ولم يعزز القدرة التنافسية للعملة الوطنية. ويرجع ذلك لغياب هذا التصوّر في الاساس لدى المسؤولين وغياب الادارة الحكومية التي تستطيع وضعه موضع التنفيذ.

للأشتراك بالنشرة البريدية اضغط هنا

جورج الياس عبيد، خبير في الشؤون المالية

جورج الياس عبيد، كاتب من المجال المالي وله دراسات ومقالات في الشؤون المالية وعلم الاجتماع الاقتصادي. يعمل مستشاراً مالياً انطلاقاً من باريس، كما عمل مع شركات إقليمية وعالمية في لبنان والخليج العربي. حائز على اجازة في التدقيق المالي وماستر في العلوم المالية من جامعة USEK لبنان ، وهو مرشح للدكتوراه في الادارة والمال من جامعة IAE Aix-Marseille فرنسا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى