إقتصاد

مقاربة اقتصادية صريحة مع البروفسور بسام همدر: تعلمنا التجربة التاريخية ان التضخم يؤدى الى انحلال طبقات اجتماعية واختفاء اخرى

من هو بسام همدر؟ البروفسور بسام همدر هو عميد كلية إدارة الأعمال ورئيس قسم الإقتصاد في جامعة المعارف. عمل سابقا رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة الاميركية للعلوم والتكنولوجيا(AUST) وخبير في شؤون الموارد الإقتصاديّة والطبيعيّة. عمل في عدة جامعات ومؤسسات في لبنان. مدقق علمي ومشرف للمجلة العالمية لأبحاث العلوم الاجتماعية التي تنشر في لوس أنجلوس، الولايات المتحدة الأميركية. حاصل على إجازة في إدارة الأعمال من الجامعة اللبنانية الأمريكية 1981 وماجستير في الاقتصاد التطبيقي من الجامعة الأمريكية في بيروت 1984 ودكتوراه في الاقتصاد التطبيقي والعالمي من جامعة ميسيسيبي الحكومية. نشر الدكتور همدر مجموعة واسعة من الأبحاث والاوراق العلمية المحكمة في مجلات مختلفة كإدارة الاقتصاد الزراعي وتمويل الموارد البيئية والتسويق ، كما شارك وترأس العديد من المؤتمرات المحلية الإقليمية والدولية. (الناشر)

متطرقا إلى أهم جوانب وعوامل الأزمة الإقتصادية والمالية والمعيشية، وبصراحته الاستثنائية يؤكد عميد كلية ادارة الاعمال ورئيس قسم الاقتصاد في جامعة المعارف البروفسور بسام همدر أن الإصلاحات الإقتصادية باتت خطوة عاجلة أكثر من أي وقت مضى في سبيل إنقاذ لبنان واللبنانيين وإلا سيكون لبنان في قعر الهاوية خلال أشهر قليلة .

ويضيف في حديث خاص لموقع “الملف الاستراتيجي” أن  الإقتصاد الحقيقي هو عمود النظام المستقبلي الذي يمكن أن يساعد لبنان،  ناعيا النظام الريعي الذي اعتمده بلد الأرز،  واضعا المسؤولية بالدرجة الأولى على عاتق  كل المنظومة السياسية الاقتصادية  والمالية والنقدية الحاكمة منذ عشرات السنين، مؤكدا أن إعادة الودائع إلى أصحابها تحتاج إلى جهد كبير ووقت طويل في حال بدأ المعنيون المعالجة اليوم قبل الغد. (اعداد د. مازن مجوز)

 

 

– هل اصبحنا اقتصاديا في الهاوية أم على شفيرها ؟

.  بعض الارقام تساعد القارىء على فهم الوضع في لبنان،  فنسبة الفقر تجاوزت ال 55 % من الشعب اللبناني وأكثر من نصف مليون لبناني يعيش تحت خط الفقر، وهذا قد يسبب لهم نوع من الجوع ، فوفق الاحصاءات الدولية أكثر من 30 % من الشعب بشكل عام سيعاني قريباً من سوء تغذية،  وحوالي 25 % من العائلات اللبنانية  يعتمدون في معيشتهم على ال NGO   والاقارب في الخارج،  وعلى بعض المساعدات الحكومية الطفيفة .

في المقابل، من المؤكد أن الوضع سيزداد سوءاً،  لأنه وكما نعلم حالياً أن البنك الدولي يتوقع إنخفاض في النمو الاقتصادي بحوالي 25 % العام القادم، والبطالة تجاوزت ال 40 % عند بعض فئات القوى العاملة،  والتضخم وصل الى حدود ال 200 % وهناك سلع زاد سعرها أكثر من 300 % وهذا جعل لبنان في المرتبة الثانية عالمياً من حيث التضخم،  أما الدين العام فتجاوز 100 مليار دولار،   وقد يتخطى ال 200 % من الناتج المحلي ( على حساب سعر الدولار 1500 ) إذا لم نقم باصلاحات إقتصادية بشكل عاجل .

في ما يتعلق بالدعم الحكومي للكهرباء والخبز والدواء والسلع الغذائية سيتوقف قريباً، لأن  الدولة غير قادرة على الاستمرار بهذا الدعم،  وهذا  ما سيفاقم الوضع الإقتصادي والمعيشي،  وسيؤدي الى إنفجار شعبي كبير قد لا تحمد عقباه . أما العجز في الميزان التجاري فلا يزال كبير جداً،  وإن تقلص الإستيراد الى 50 % مقارنة مع السنوات السابقة، وصولاً إلى الأمن الغذائي المعدوم في لبنان ، والإكتفاء  الذاتي لا يتجاوز ال 20 % في أحسن الاحوال في المعدل العام.

هذه الأرقام تعطي صورة واضحة عن موقع لبنان.  فهل هو في الهاوية ؟ أم على حدود الهاوية ؟ على شفير الهاوية ؟ للأسف الشديد إذا لم تتغير هذه المعطيات من اليوم وحتى العام القادم، أو في حال إزدادت سوءاً، وهنا أجزم – وللأسف الشديد- أن لبنان سيكون في قعر البئر وفي قلب الهاوية و”الله يساعد” لبنان.

– منذ سنوات يقول حاكم مصرف لبنان أن الليرة بألف خير وإذ استيقظنا يوما أن لا خير من الليرة . إلى متى سيستمر هذا الوضع برأيكم ؟

. الليرة ليست بألف خير إطلاقاً،  لقد فقدت الليرة ما يقارب ال 80 % من قوتها الشرائية، وهذا جعل اللبناني يفقد الثقة بعملته الوطنية وراح يتهافت على الدولار الاميركي أو العملات الاجنبية الأخرى .

في هذا الوقت،  لقد إزدادت الكتلة النقدية بمعدل ضخم جداً،  حيث تجاوزت ال 60 تريليون ليرة مما جعل سعر صرفها في الحضيض مقارنةً مع الاعوام السابقة، والوضع سيستمر سوءاً إن لم تشكل حكومة نظيفة أكانت من الساسة أو من إقتصاديين شرط أن يكونوا أكفاء وبعيدين عن الفساد والمحاصصة، وأن تكون الحكومة مقبولة من الشعب اللبناني، عندها تحوز على ثقة الخارج.

وساعتئذ يتسنى للبنان إجراء اصلاحات إقتصادية جذرية في نظامه الإقتصادي والمالي، كما يطلب منه عالمياً وخصوصاً من الحكومات التي ترغب بمساعدة لبنان ورفده بدعم  مالي، كي يسلك  خط التعافي تدريجياً.

والأمر لا يتوقف هنا، إذ هناك متطلبات من خلال التعامل مع صندوق النقد الدولي، الذي يطالب بحزمة من  الإصلاحات حتى يتسنى له دعم لبنان، وإذا لم تتشكل الحكومة وتنال الثقة المشار اليها، فإن الوضع سيستمر الى ما لانهاية.

يجب علينا أن نعترف بأن الإقتصاد الريعي في لبنان، إنتهت  صلاحيته ولم يعد نافعاً بعد اليوم للبنان، فعلى لبنان أن  يعزز الاقتصاد الحقيقي من صناعة وزراعة وصناعات تحويلية ذات قيمة مضافة وخدمات وسياحة تتلائم مع متطلبات اليوم من بنية تحتية وإقتصادية وتنوعية .

فلبنان لطالما إشتهر بالسياحة الاقتصادية والطبية والثقافية والاستجمامية والدينية .ولبنان بتراثه وتاريخه ومناخه وموقعه غني بكل هذه السياحات التنويعية،  لكن على الحكومة أن  ترفد هذا القطاع بالبنية التحتية الحديثة التي تجذب كل السياح الى لبنان،  وتعزز السياحة،  فالنظام الإقتصادي الحقيقي هو النظام المستقبلي الذي يمكن أن يساعد لبنان،  فيما الريعي الذي كان يقوم على وضع أموالنا في البنك كي نأخذ فائدة من دون أننقوم بأي عمل أو إنتاج  هذا النظام أتى بالويلات على لبنان .

 

– كيف تقرأون وجود لبنان في المرتبة الثانية على لائحة التضخم في العالم؟

. التضخم هو آفة العصر،  وفي لبنان أصبح مرض عضال،  فلبنان في المرتبة الثانية عالمياً، وهذا  يعني فقدان القدرة الشرائية عند اللبناني،  وإزدياد الفقر والعوز والبطالة وأيضاً عدم رغبة أي مستثمر للإستثمار في لبنان، لأن  قيمة المردود قد تتغير بشكل مضطرد مما يعمق عدم الإستقرار الاقتصادي وهذا من الاسباب المباشرة لخوف أي مستثمر، لأن  رأس المال  كما يقال في العامية جبان،  أو كم يقول  الإقتصادي العالمي “جون ماينر كينز”   animal spirit  لن تجد ما يطمئنها في لبنان ويدفعها على الإستثمار.  وهنا يجدر بنا التذكير أن دولاً  عدة في الماضي كانت  ترزح تحت معدلات تضخم عالية،  ما أدى الى زيادة في معدلات الفقر والعنف وعدم الإستقرار الاجتماعي والإقتصادي والسياسي، ومن بينها فنزويلا واميركا اللاتينية  ففي الماضي أدت هذه المعدلات إلى إنحلال طبقات إجتماعية وإختفاء طبقات أخرى، وأدت  الى عدم إستقرار اقتصادي ومنها سياسي،  وأدت في بعض الاحيان الى العنف الاجتماعي،  ونتمنى ان لا يحدث هذا في لبنان، لأنه في الواقع ليس بمنأى عن المردود السلبي لمشكلة التضخم.

 

– برأيكم لماذا وصل الحال إلى ما نحن عليه ؟ فمن المسؤول : المصارف أو مصرف لبنان ام من؟

. اللوم يقع على الطبقة الحاكمة وعلى الفاسدين في لبنان،  وعلى عدم الرؤية الاقتصادية الصحيحة للمصارف في لبنان  وفي مصرف لبنان  واللوم على كل مسؤول في الوضع الاقتصادي والنقدي والمالي في لبنان والى حد ما لوم بسيط على الناس ، الناس ليسوا اقتصاديين ولا يستطيعوا قراءة المستقبل ولكن هناك مسؤولين إقتصاديين ونقديين وسياسيين كانوا على علم بالوضع، فالمسؤواية تقع على عاتق  كل المنظومة السياسية الاقتصادية الحاكمة منذ عشرات السنين.

فعلى سبيل المثال  : أنا أعمل منذ 30 سنة، إدخرت مبلغ معين، أناله عندما أتقاعد كي لا أحتاج أحد وفي لبنان كانوا يشجعون التعامل في الدولار وكانت الدولرة 75 % في السنوات الماضية،  وربط الليرة بالدولار حتى عندما كان الدولار ينخفض عالمياً كان الدولار ثابت في لبنان،  ما يعني أننا كنا ندعم الدولار وليس الليرة اللبنانية،  وكانت سياسة الدعم منذ الاول سياسة خاطئة،  كلفت لبنان مليارات الدولارات وإستفاد منها الفاسدين.

ما إدخرته وضعته في البنك،  وعندما قصدت البنك سألته عن أموالي فأجابني “وضعتها في مصرف لبنان”،  أسال مصرف لبنان فيجيبني :”إستدانتها مني الحكومة” ، والحكومة أفلست ولا يمكنها أن تدفع لمصرف لبنان،  وهو لم يعد لديه المال لأن الحكومة لا تدفع له،  وهو غير قادر أن يدفع للمصارف والمصارف غير قادرة أن تدفع لي .

هذه هي الحلقة المفرغة التي ندور فيها،  المصارف لم تحسن إستخدام أموال المودعين ، مصرف لبنان لم يحسن إستخدام أموال المودعين ، الدولة إستدانت أموال المودعين ولم تحسن إستخدامها .

فالمسؤولية تقع على النظام العام وعلى الفساد في لبنان، وعلى المنظومة التي حكمت لبنان،  وادت الى خراب لبنان،  قد تكون نسبة الفائدة العالية جذبت  بعض الناس وهذا يعني وجود مخاطر كبيرة، وهذا ما إستهوى اللبنانيين، فوضعوا اموالهم في البنوك التي لم تحسن إستعمال أموال المودعين.

واليوم لا أحد من المودعين قادر أن يسحب أمواله، والدولار يتجاوز عتبة 8000 واذا أردت أن أسحب  من حسابي بالدولار يعطوني على 3900 بالليرة اللبناني وهذا يعني haircut  يتجاوز ال 50 % على كل أموال المودعين وهذا  هو ال haircut  الحقيقي، لقد  طارت اموال المودعين والله يعلم متى يمكنهم استعادتها،  والمسؤولية تقع على كل من كان له كلمة في هذه الدائرة والمنظومة السياسية والاقتصادية والنقدية وعلى من دعمهم، وعلى كل هذه الطبقة التي لم تأت الا بالويلات على لبنان والآلام والامراض على لبنان والمواطن الذي يستأهل عيش كريم والعيش بكرامة. هم أذلوا وافقروا اللبناني وأولادنا باتوا يتركون البلد على متن سفن مثل أي دولة في العالم، يموت نصفهم أو يقبضون عليهم ويضعوهم في السجن ، واليوم نعاني من هجرة الشباب ومن هجرة الناس، لقد  أفرغوا البلد من أبنائه .

-ما مصير ودائع الناس في المصارف ؟ هل ذهبت مع الريح ؟

. بالنسبة لاموال المودعين ، ف “سلام  عليها” في المدى المنظور ، أما اذا تشكلت حكومة تنال ثقة الداخل والخارج، حكومة يتم دعمها بالمساعدات وتقوم بالاصلاحات المطلوبة، عندئذ نضع الدولاب على السكة الصحيحة كما يقال ويبدأ الوضع بالتحسن وتبدأ الثقة تعود رويداً رويداً الى الوضع اللبناني وأموال المودعين لا أراها قبل 3 الى 4 سنوات،  نسحبها كما كنا نسحبها من قبل، شرط ان نبدأ من اليوم بالاصلاحات والعمل الجدي وتشكيل حكومة تستحق الدعم وتؤدي الى التفاهم مع صندوق النقد، وإلا  سنبقى نضيع الوقت، وآنذاك الله وحده يعلم متى تعود أموال المودعين المتعلقة لأن عودتها متعلقة بالوضع الاقتصادي العام وبالإصلاحات وبتشكيل الحكومة، وبالاستقرار الاقتصادي والمادي، وهذا صعب التحقيق في المدى المنظور .

– هل ترون أن حكومة جديدة بإمكانها الإصلاح وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل 17 تشرين ؟

. يجب أن تكون الحكومة نظيفة وبعيدة عن الفساد وعن المحاصصة السياسية وعن كل شيء إلا عن نظافة الكف والعمل الجدي، وحكومة عابرة لكل الطوائف، وتتصرف لبنانياً ولمصلحة وكرامة لبنان وحكومة من اليوم الاول تبدأ بالعمل الجاد والإصلاحي على كل الصعد، نعم رويداً رويداً يستعيد لبنان ما كان قبل 17 تشرين، لكن ذلك يتطلب وقت وعمل شاق وجاد، وأن نثبت للعالم أننا جديين ونستحق الدعم والمساعدة والعيش بكرامة وكل شيء جميل، فالمسؤولية تقع على عاتقنا ويجب أن نبدأ من اليوم قبل الغد .

– مؤتمر باريس الاخير لدعم لبنان كيف تقرأونه ؟ وهل بالإمكان فعلا إنتشال لبنان من أزمته ؟

. إذا كان مؤتمر سيدر  كما الذي قبله، يجب أن نحرص على أن الاموال يجب أن تعطى لمشاريع اقتصادية وبطريقة شفافة بمنتهى الشفافية وأن يكون هناك رقابة على كل دولار يصرف وكل يورو يصرف وأن يكون لدينا نخبة من الاقتصاديين تدير هذه المشاريع،  وأن تبعد عنها المحاصصة،  ويجب أن يكون الدعم لكل لبنان كي يقوم لبنان من وضعه الى وضع أعلى وافضل وأرقى، وإن شاء الله كما عاهدنا بأن الشعب اللبناني شعب قوي وعنيد وصاحب كرامة،  ولن يأتي سيدر إلا مع وجود حكومة تقوم بإصلاحات تصرف أموال الدعم على البنى التحتية ومشاريع التطور الاقتصادي والقيمة المضافة للإقتصاد الحقيقي بشكل مراقب جداً وشفاف جداً.

مقال متصل

هل التحول إلى الإقتصاد غير النقدي ينهي الأزمة وينهض بلبنان؟ بقلم اليروفسور بسام همدر

 

الدكتور مازن مجوّز اعلامي وباحث

الدكتور مازن مجوز ، باحث وإعلامي . يشغل منصب مسؤول الإعلام والعلاقات الخارجية في الرابطة العربية للبحث العلمي وعلوم الاتصال، ونائب رئيس مجموعة " الصحافة العربية " للتواصل الإعلامي، وأحد مؤسسي شركة Beyond the stars للخدمات الإعلامية اللبنانية ، يعمل حاليا في ال new media في أكثر من مؤسسة إعلامية ، وهو باحث متخصص في شؤون الاقتصاد البيئي والإدارة، ومدير مكتب مجلة "أسواق العرب" في بيروت ، لديه مئات التحقيقات والمقالات في مجالات : السياسة، الإقتصاد، البيئة ، والمجتمع المنشورة في صحف لبنانية وعربية ومواقع إخبارية إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى