الهندسة الدينية للمجتمع: إعادة تشكيل الدين في الشرق الأوسط
مقدمة
لا أُخفي سرّاً أن هذا العنوان، أو هذا المصطلح، اقتبسته من مفهوم «الهندسة الاجتماعية»، الذي بدأ بوصفه حلاً لمشكلات العمال النفسية، ثم تطوّر إلى مفهوم اجتماعي سياسي.
ولا بأس من الاطلاع على لمحة تاريخية موجزة عن تطور هذا المفهوم، قبل أن أستعرض المفهوم الذي استحدثته وكتبته عنواناً لاستعراض أخطر طريقة في إعادة هندسة المجتمعات، ولا سيما مجتمعات الشرق الأوسط ذات الأغلبية الإسلامية، عن طريق إعادة الهندسة الدينية.
قراءة تاريخية للمصطلح واستخداماته
بدأ مفهوم الهندسة الاجتماعية بوصفه حلاً لمشكلة قلة الإنتاج لدى العمال، على الرغم من وجود مكائن حديثة. فقد لاحظ رجل الأعمال الهولندي (J. C. Van Marken)، في نهايات القرن التاسع عشر، أن لدى العمال مشكلات سلوكية واجتماعية.
لذلك، بدأ بالمطالبة بتعيين ما أسماه «مهندسين اجتماعيين»، أي علماء نفس واجتماع، لإدارة العنصر البشري في مصانعه، وحل مشكلاته النفسية والاجتماعية، ومنع تأثيرها السلبي في الإنتاج. وكان ذلك في هولندا، في أوروبا.
أما في الولايات المتحدة، فقد قام عالم الاجتماع الأمريكي والقس المسيحي Edwin Lee Earp، في معهد Drew Theological Seminary، بتأليف كتاب «المهندس الاجتماعي» سنة 1911، الذي شكّل اللبنة الأكاديمية الأولى لطرح مفهوم «الهندسة الاجتماعية». وتركزت أهدافه على الإصلاح الاجتماعي باستخدام أدوات علم الاجتماع بصورة منهجية وتطبيقية.
لكن هذا المفهوم انتقل إلى الاستخدام السياسي، بهدف التأثير في السلوكيات والاتجاهات الاجتماعية العامة للشعوب. ويُعدّ Karl Popper من رواد توظيف هذا المفهوم سياسياً، إذ ألّف كتابه «المجتمع المفتوح وأعداؤه» عام 1945، الذي تناول فيه عملية التغيير السياسي، وقسّمها إلى نوعين:
أولاً: الهندسة الاجتماعية الجزئية أو التدريجية.
ثانياً: الهندسة الاجتماعية اليوتوبية أو الشمولية.
ولا شك في أن حكومات الدول الكبرى لا تنفك عن تطبيق هذه الآليات على مجتمعاتها، كما أن ممارستها على المجتمعات الأخرى باتت أمراً واضحاً، ولسنا بحاجة إلى إثباته أو إلى أن نُوصم بأننا غارقون في نظريات المؤامرة.
فببساطة متناهية، تسعى الدول الكبرى إلى تغيير المجتمعات أو إعادة «هندستها» كي تتوافق مع مصالحها أو تضمن تحقيقها، كما تستخدم هذه الأداة بعضها ضد بعض.
الهندسة الدينية للمجتمع
ما معنى الهندسة الدينية للمجتمع؟
باختصار، هي مجموعة من السياسات والخطط والمبادرات التي تستهدف إعادة فهم الدين ووظيفته المجتمعية ومؤسساته ومرجعياته، بما يخدم غايات سياسية أو ثقافية محددة.
وبالتالي، فإنها تؤدي، بحسب هذا التصور، إلى إنتاج دين جديد من خلال إعادة تفسير النصوص بما ينسجم مع النظام العالمي الجديد.
تمتاز دول الشرق الأوسط بأن معظم أبنائها يدينون بالإسلام، وما زالوا متمسكين بالهوية الإسلامية بشكل أو بآخر. ولا يمكن، وفق هذا الطرح، أن ينجح أي تغيير مجتمعي كبير دون إعادة الهندسة الدينية لهذه المجتمعات.
ولقد دأبت الحكومات المتعاقبة، بعد انتهاء الاحتلال العثماني إثر الهزيمة الكبرى في الحرب العالمية الأولى، على إعادة هندسة الدين، وكان النجاح متفاوتاً.
ولم يستطع رواد «الإصلاح» في الوطن العربي إحداث أي تغيير حقيقي، وبقيت محاولاتهم محدودة. أما في تركيا، مركز الخلافة العثمانية، فقد كانت البلاد الأبرز في تطبيق هذه العملية بقيادة أتاتورك.
أتاتورك رائد الهندسة الدينية
كانت تركيا مركز الخلافة العثمانية، التي اعتمدت على النظام الإسلامي لاستمداد الشرعية. ولهذا، أركز على إعادة الهندسة الدينية، لكي يتضح أن الأمر يتجاوز مجرد السيطرة على الحكم، إلى استبدال القيم السائدة التي استُمدت من الدين الإسلامي، كما فهمه العثمانيون آنذاك.
يُعدّ كمال أتاتورك، وفق هذا التصور، أول من استطاع هندسة الدين في بلاده؛ فقد فكّك المؤسسة الدينية القديمة، وحلّ محلها نظاماً دينياً بلباس رسمي، ولعلي أُسمّيه «ديناً حكومياً»، أدى دوره طوعاً لرغبات أتاتورك عبر مديرية الشؤون الدينية، التي حُدّدت صلاحياتها وأدوارها وفق القوانين التي سُنّت آنذاك.
وحاول أتاتورك ترسيخ الهوية القومية بدلاً من الهوية الدينية، وعمل على تغيير الحروف العربية إلى حروف لاتينية.
والملاحظ أن أتاتورك تحوّل إلى «رمز مقدس» في الجمهورية التركية بعد موته؛ إذ ينص قانون العقوبات التركي رقم 5816 على معاقبة كل من يمسّه، بحسب أحكام القانون.
كما رسّخ العلمانيون الأتراك مبدأ أن تركيا دولة علمانية وديمقراطية تلتزم بالقومية الأتاتوركية، من خلال تعديلات دستورية أُقرت سنة 1982. وعمدوا كذلك إلى ترسيخ ذلك من خلال المادة الرابعة، التي تحظر تعديل بعض المواد الأساسية أو اقتراح تعديلها.
لم يكن النموذج الأتاتوركي قابلاً للتنفيذ في الوطن العربي لأسباب متعددة، كما أن مفهوم الدولة القومية انهار، وحتى مفهوم الدولة الوطنية أصبح هشّاً بعد التغيرات الجيوسياسية التي طرأت على المنطقة، ولا سيما بعد أحداث الربيع العربي، أو «الخريف العربي»، كما يسميه بعضهم.
لكن علينا أن نسير مع الأحداث التاريخية المفصلية لنصل إلى قراءة واضحة، كما بدأنا، ولعل أحداث الحادي عشر من أيلول تُعدّ أحد أهم الأحداث التي غيّرت شكل العالم.
ما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001
أدت هذه الأحداث إلى وضع استراتيجية لحماية الولايات المتحدة ووقايتها من الإرهاب. وبما أن منفذي تلك الهجمات كانوا جميعاً من المسلمين، وفق المشهد الظاهري، فإن الاستهداف، بحسب هذا الطرح، توجّه ضد الدين الإسلامي!
إن مشهد 11/9/2001 لم يكن، وفق هذه القراءة، سوى حلقة من الحلقات المدروسة ضمن مخطط أوسع لبسط نظريات العولمة، وإدارة التغيير الراديكالي والنيوليبرالية الاقتصادية في العالم الإسلامي، من خلال السيطرة المباشرة عسكرياً أو شبه العسكرية.
لقد تحولت الخطط من أفكار وملفات سرية إلى أطروحات أكاديمية تتكفل بتقديمها مؤسسات الرأي إلى البنتاغون وأجهزة الاستخبارات الأمريكية.
وكان هناك مساران، وما زالا قائمين حتى يومنا هذا:
أولاً: المسار العسكري، ويتمثل في الحرب على طالبان واحتلال أفغانستان، ثم العراق، واليوم الحرب على إيران.
ثانياً: المسار الفكري والثقافي؛ لأن المشكلة، وفق هذا التصور، لم تكن عسكرية فحسب. فالولايات المتحدة تملك أكبر قوة عسكرية، ومع ذلك لم تستطع حماية نفسها من هجمات استهدفت مدنها الكبرى.
لهذا، أخذ أصحاب هذا المسار على عاتقهم دراسة الدين الإسلامي، بغية رسم آلية جديدة تمكّنهم من احتواء تبعات تعاليمه ومفاهيمه. وهذا، وفق هذه الرؤية، لا يتأتى إلا من خلال إعادة الهندسة الدينية للمجتمعات العربية والإسلامية، وهي المهمة التي تكفلت بها مؤسسة راند للأبحاث.
مؤسسة راند الأمريكية (RAND Corporation)
تكفلت مؤسسة راند الأمريكية، التي تعمل لصالح البنتاغون، بإعداد بحوث عملية من خلال دراسات تهدف إلى فهم الإسلام، ووضع الخطط الكفيلة باحتوائه، على الأقل، وإبدال المفاهيم التي تشير إلى الدفاع عن الدين، باعتبارها مفاهيم وقتية، ومن ثم تجميدها بطريقة أو بأخرى، بهدف منع التطرف الذي يؤدي إلى الإرهاب، بحسب رأيهم.
وبالحديث عن هذه المؤسسة، ندخل إلى المسار الثاني، أي مسار القوة الناعمة، الذي يتخذ شكلين.
أولهما الترويج للقيم والأفكار الغربية التي يراها المسلمون مخالفة للدين ولإرثهم المعرفي، لكنها تُفرض، بحسب هذا الطرح، بالقوة العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية، من خلال محاصرة أي نظام لا يسمح بقبول هذه القيم، أو على الأقل لا يعارضها، من أجل قبوله في النظام العالمي.
أما المسار الثاني، فيتمثل في دعم القراءات الجديدة للدين والترويج لها. وحتى إن بدت هذه القراءات، في ظاهرها، معارضة، فإن الدول الكبرى بارعة في سياسة «الاحتواء والتوظيف».
وتعمل هذه القراءات، وفق هذه الرؤية، على إعادة الهندسة الدينية للمجتمعات بما يصبّ في مصلحة الولايات المتحدة الاستراتيجية، كما عملت سابقاً حين دعمت القومية العربية في مواجهة التيار الإسلامي، ثم دعمت التيار الوطني في مواجهة مشروع القومية.
مرحلة التنفيذ
بدأت مرحلة التنفيذ الفعلي لكثير من السيناريوهات، من خلال ترجمة الأفكار والنظريات إلى خطط تنفيذية طبقتها وزارة الخارجية الأمريكية وأجهزة الاستخبارات الأمريكية، من أجل رسم مشهد ديني جديد في الدول العربية والإسلامية.
وقد تبنّت الدكتورة شيريل برنارد تقارير مهمة عن العالم الإسلامي.
أما التساؤلات التي قد تراود بعض القراء، فهي: لماذا هذه المؤسسة؟ ولماذا تقارير الدكتورة شيريل برنارد؟ وما خطورتها؟
قبل الإجابة، لا بد من مراجعة بسيطة. نجد أن زوج الباحثة برنارد وزميلها السابق في الجامعة هو الدكتور زلماي خليل زاد، الذي شغل موقعاً مهماً في مجلس الأمن القومي في عهد بوش الابن، ثم انتقل إلى أفغانستان سفيراً بعد غزوها من قبل الولايات المتحدة، ومن ثم أصبح سفيراً في العراق.
ما يهمنا هنا أن تقارير الرأي الصادرة عن هذه المؤسسة، والتي كتبتها الباحثة برنارد، وجدت صدى وقبولاً، واتُّخذت، بحسب هذا الطرح، خريطة طريق في استراتيجية الولايات المتحدة لمواجهة الإسلام أو احتوائه، أو ما اصطلح عليه بإعادة هندسة الدين.
ولعل القارئ بحاجة إلى الإحالة إلى بعض ما أنتجته هذه المؤسسة من تقارير بقلمها، ومنها ما يأتي:
- تقرير «الإسلام الديمقراطي المدني: الشركاء والمصادر والاستراتيجيات» (Civil Democratic Islam).
يُعدّ هذا التقرير من أهم التقارير، وقد طُبع في المكتبة العربية على شكل كتاب يتضمن الأفكار الواردة فيه. ويرى الكاتب أنه أخطر هذه التقارير، وسيأتي استعراض ما ورد فيه؛ لأنه مثّل، وفق هذا التصور، خريطة طريق لإعادة الهندسة الدينية للمجتمعات الإسلامية.
- تقرير «العالم الإسلامي بعد 11 أيلول» (The Muslim World After 9/11).
قدّم هذا التقرير خريطة جغرافية دينية للعالم الإسلامي، ودرس خصائص كل منطقة، بما في ذلك الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا والمسلمون في أوروبا. كما شرح آليات عمل التيارات الدينية، ولذلك نصح بشن حرب الأفكار.
- تقرير «بناء شبكات سياسية مسلمة معتدلة» (Building Moderate Muslim Networks).
يُعدّ هذا التقرير مكملاً للتقرير الأول، إذ طالب الإدارة الأمريكية باستخدام أدوات الحرب الباردة التي نجحت في انهيار الاتحاد السوفيتي.
وتضم الشبكة المقترحة أكاديميين ليبراليين، ونخباً ثقافية وإعلامية، ومؤسسات مجتمع مدني، ولا سيما المؤسسات النسوية ومنظمات حقوق الإنسان، لتكون بموازاة الحركات الأصولية أو المتطرفة.
- تقرير «الإسلام المعتدل: خيارات السياسة الأمريكية» (Moderate Islam: Options for U.S. Policy).
يوضح التقرير المعايير التي يُستدل بها على المسلم المعتدل، وكيف يمكن للولايات المتحدة ضمان شراكته. وبالتالي، لا بد له، وفق هذا التصور، من تقديم ما يشبه «شهادة حسن سيرة وسلوك»، من خلال احترامه أو تبنيه قضايا حقوق المرأة، وقبوله بالقوانين المدنية مقابل الأحكام الشرعية.
تختلف هذه التقارير عن تقارير مراكز الرأي الأخرى (Think Tanks)، مثل بروكينغز وكارنيغي ومعهد واشنطن وغيرها، التي تتناول الجانب السياسي والأمني في علاقتها بالعالم الإسلامي.
وبعبارة أخرى، تتعامل تلك المراكز مع الشكل الخارجي، من خلال توصيف مشاركة الجماعات الإسلامية وشخصياتها في الحياة العامة ومراقبتها، ولا تدخل بالضرورة في العمق البنيوي للفكر الديني.
أما تقارير مؤسسة راند التي حملت توقيع الدكتورة برنارد، فهي، وفق هذا الطرح، تقارير تشخيصية بنيوية توضّح هيكلية العالم الإسلامي، ثم ترسم استراتيجية وخطة عمل للتعامل مع كل جهة، وصولاً إلى إعادة هندسة الدين من الداخل، أو ما يُصطلح عليه بالمقاربة اللاهوتية والثقافية.
فهي لا تنظر إلى السلوك الخارجي للجماعات الإسلامية فحسب، بل تبحث في الفكر الديني وإنتاجه للتيارات، أو كما قسّمها التقرير.
ولم تكتفِ المؤسسة بتقديم بحث مفصل عن الخريطة الإسلامية، بل دخلت في تفاصيل العقيدة والفقه، وطالبت بإعادة تفسير النصوص بما يتوافق مع المعايير الأمريكية وتوجهاتها، كما طالبت بتغيير المناهج التعليمية الدينية، وهو ما طبّقته بعض دول الخليج بشكل أو بآخر.
فتقارير هذه المؤسسة لم تكتفِ بالتحليل السياسي، بل دخلت في تفاصيل العقيدة والفقه والفتوى. وطالبت بإعادة تفسير النصوص بما ينتزع منها أي تهديد للولايات المتحدة، وتقليص سلطة المؤسسات الدينية التقليدية، وصناعة نخب إسلامية بمواصفات غربية، أي من الحداثيين.
وبالتالي، فإن ذلك يؤدي، بحسب هذه القراءة، إلى تفكيك المنظومة الفكرية الإسلامية التقليدية، وإعادة الهندسة الدينية للمجتمعات بما يتواءم مع قيم الحداثة والعولمة الغربية.
ولا بد من الإشارة إلى أن مثل هذه الدراسات، سواء أصدرتها هذه المؤسسة أم غيرها من مراكز البحوث، وإن حملت اسم باحث بعينه، فإنها قد تكون حصيلة جهود مجموعة من الباحثين والصحفيين وأصحاب الخبرة في المجال الاستقصائي، الذين يُوظَّفون أو يُستعان بهم في مثل هذه المشاريع.
هل اكتفت الإدارة الأمريكية بتوصيات مؤسسة راند وتركت بقية المؤسسات؟
من السذاجة القول إن الإدارة الأمريكية، أو بقية الإدارات السياسية للدول الكبرى، تكتفي بنمط واحد أو بمسار أحادي في الحروب الباردة، ولا سيما أن الولايات المتحدة تشن حروباً أو تواجه تحديات عسكرية وأمنية.
لذلك، لن تكتفي بمسار هذه المؤسسة، بل ستجد توليفة متنوعة من أدوات القوة الناعمة، من دون التخلي عن القوة الصلبة.
ولهذا، يرى المراقب السياسي أن صانع القرار الأمريكي يدمج بين حرب الأفكار، أو ما يُصطلح عليه بالقوة الناعمة، والحرب العسكرية والعمليات الأمنية، أو ما يُعرف بالقوة الصلبة.
فالولايات المتحدة جمعت، وما زالت تجمع، بين القوة الناعمة والقوة الصلبة في مواجهة العالم الإسلامي وجميع أعدائها المفترضين.
الفئات المستهدفة في تقارير مؤسسة راند
قسّم التقرير الأول، «الإسلام الديمقراطي المدني: الشركاء والمصادر والاستراتيجيات»، فئات المسلمين إلى أربع فئات رئيسية:
- الأصوليون (Fundamentalists):
يُعرَف عن الأصوليين، بحسب تصنيف التقرير، رفضهم الديمقراطية والقيم الغربية، وسعيهم إلى إقامة دولة شرعية متشددة. وينقسمون إلى تيار نصّي محافظ، وتيار راديكالي أو ثوري.
- التقليديون (Traditionalists):
يسعى هذا الصنف إلى إنشاء مجتمع محافظ ومتمسك بالتقاليد. ويتحفظ هذا التيار تجاه التغيير، لكنه لا يميل إلى استخدام العنف لفرض ما يراه.
- الحداثيون (Modernists):
يريد هؤلاء دمج الإسلام مع الحداثة العالمية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وتفعيل الاجتهاد الفردي؛ بمعنى تقديم إسلام جديد يتواءم مع النظام العالمي.
- العلمانيون (Secularists):
يدعون إلى الفصل الكامل بين الدين والدولة، وإبقاء الدين في حدود المسجد، وهناك أيضاً علمانية إلحادية.
كما شغلت الصوفية مساحة مهمة في تقارير المؤسسة، التي دعت إلى دعمها من خلال إقامة المؤتمرات العالمية والتسويق لها إعلامياً.
وقد برزت هذه الخطوات أثناء الحرب على تنظيم داعش، وهو ما جعل هذا الاتجاه مقبولاً، ولا سيما أن قيم التسامح، وتحويل الدين إلى طقوس روحية فقط، استُخدمت، وفق هذا الطرح، في الترويج له.
واستمرت هذه المسألة حتى يومنا هذا، من خلال التسويق في العالم الإلكتروني، إضافة إلى إنتاج أعمال درامية تشجع هذا الاتجاه وترسم للشخصية الصوفية بُعداً غيبياً يجعلها محط اهتمام وقدوة للآخرين.
وكانت إحدى توصيات مؤسسة راند، بحسب هذا الطرح، دعم الصوفية وإبرازها بديلاً عن السلفية الجهادية، من خلال مفاهيم التسامح التي تظهر في معالم التصوف، وفي ارتقاء المريد بسلوكه الإنساني نحو الإخاء والمحبة للآخر.
ومن خلال رصد بسيط، نجد أن مؤتمرات الحركة الصوفية لم تُعقد في قلب العالم الإسلامي، في الوطن العربي، فحسب، بل أُقيم عدد منها في الأطراف أيضاً، وهو ما يتماشى، وفق هذه القراءة، مع توصيات تقرير «بناء شبكات سياسية مسلمة معتدلة».
أما في العراق، وأثناء حرب التحرير، فقد شُجّع انتشار الصوفية بديلاً عن الأفكار المتطرفة في البيئة السنية، ونجحت الحكومة في إيجاد ترحيب بهذا الاتجاه من خلال المؤتمرات التي أُقيمت احتفاءً بالصوفية ورجالها.
كما كان ممثلو الصوفية من المشاركين الفاعلين في المؤتمرات التي عُقدت لمحاصرة الإرهاب ومفاهيم التطرف.
دعم القراءات الجديدة للدين
ما أود تثبيته هنا هو أنني لا أشكك في المحاولات الاجتهادية التي تسعى إلى إصلاح الخطاب الديني. فهناك فرق بينها وبين رسم بنية مفاهيمية جديدة للدين الإسلامي، وكأن أصحابها يقولون لنا: انتهى «دور محمد»، وجاء الآن دورنا!
نحن من نفهم الإسلام بفهمنا للقرآن الكريم، وبعقليتنا، بعيداً عن السلف، وإن كان صالحاً. والمشكلة أن هذا «السلف» يشمل حتى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يصرّحوا بذلك!
كما أنني لا أتهم جميع مشاريع الإصلاح الديني أو المراجعات الفكرية بأنها ناتجة عن توجيه خارجي، ولا أدعو إلى التعميم. فبعضها نشأ من أسئلة داخلية حقيقية في المجتمعات الإسلامية؛ وبعضها قراءات نقدية إصلاحية، كما أشرت، وبعضها الآخر قد تكون نتيجته الهدم من دون معرفة.
وإنني هنا أبحث في توظيف هذه الاتجاهات ضمن استراتيجيات دولية أوسع.
وعندما نقرأ توصيات راند، نجد أنها لم تكتفِ بدعم التقليديين في مواجهة الأصوليين، بل دعت أيضاً إلى دعم من يقدم قراءة جديدة للدين. ولعل ما سُمّي بالقرآنيين هم من أبرز الجهات التي يمكن أن يشملها هذا التوجه.
لقد أوصت مؤسسة راند في تقاريرها وتوصياتها، بحسب هذه القراءة، بدعم الأطروحات الأكاديمية، وكذلك كل تيار أو شخصية تسعى إلى فك الارتباط بالمنظومة التراثية التقليدية، وتقديم قراءات تفكك النصوص الأصولية وتشكك فيها.
وهنا التقت توصيات المؤسسة مع تيار القرآنيين، ومنكري السنة، ومحاولات «التجديد الجذري»، التي يرى الكاتب أنها تنسجم مع أهداف إعادة الهندسة الدينية.
فقد أوصت تقارير مؤسسة راند بدعم التيارات الحداثية، وإبراز قراءاتها الجديدة للنص الديني، ونشر أعمالها، وتوسيع حضورها في التعليم والإعلام.
وتلتقي هذه التوصيات جزئياً مع مشاريع قرآنية أو حداثية تسعى إلى إعادة بناء المرجعية الإسلامية خارج الأطر التراثية التقليدية. وربما يتم توظيف هذه المشاريع واحتواؤها ضمن استراتيجية إعادة هندسة الدين، لأنها تسعى إلى إسقاط مصادر التشريع، وفق هذا الطرح.
وبما أن خبراء راند يرون أن الفكر الأصولي والجهادي، وكذلك الفكر التقليدي المتشدد، يستمد معظم أحكامه وتفاصيله من كتب الحديث والسيرة والفقه الموروث، وليس من القرآن مباشرة، فإن عزل السنة والحديث يفرغ خطاب الجماعات المتشددة من مستنده الفقهي الأساسي.
وبهذا، يلتقي الطرفان، وإن لم تكن أهدافهما واحدة.
كما أن هذه العملية تدفع بما يُسمّى التأويل الحداثي خطوة إلى الأمام؛ لأن النص القرآني، وفق هذا التصور، حمّال أوجه ويحتوي على مبادئ عامة. وفي غياب السنة الشارحة والمقيّدة، يصبح من السهل جداً على أي باحث تقديم «قراءة جديدة» ومرنة للآيات تتوافق مع القيم الغربية وتلتقي مع الحداثة.
وهناك أمر آخر، وهو أن هذه القراءة قد تهز المؤسسات الدينية التقليدية، وتضرب الإجماع القيمي للمفاهيم الإسلامية التي قد تخفق تلك المؤسسات في حمايتها، أو تكون قد استُبدلت بها مفاهيم أخرى، فلا تعود هناك حاجة إليها، وبالتالي نتجه نحو الفردية.
كما أوصت المؤسسة، بحسب هذا الطرح، بضرورة كسر احتكار الأصوليين والتقليديين للمنبر الديني، بحيث تتعدد القراءات والاجتهادات، ويُفكَّك العالم الإسلامي في نظرته إلى الإسلام بوصفه منظومة قيمية صالحة، ويتشتت الفرد في إيمانه، ويتجه إلى العزلة أو الفردية.
ولهذا نرى، وفق هذه القراءة، دعماً وترويجاً للمفكرين الذين يعاملون النص القرآني بوصفه «نصاً تاريخياً» خاضعاً لظروف زمانه ومكانه، بما يؤدي إلى نزع الالتزام بالأحكام.
وكذلك دعم الباحثات والمنظمات النسوية التي تحاول قراءة النصوص من منظور جندري، لإثبات أن الإسلام لا يتعارض مع النظريات النسوية الحديثة التي تستهوي أصحاب الحداثة.
ولا شك في أن العالم الإلكتروني أصبح أحد أهم الوسائل المستخدمة اليوم، وفق هذا التصور، لإعادة الهندسة الدينية، من خلال تمويل مراكز الأبحاث والمواقع الإلكترونية التي تتيح لهذه الأصوات، التي كانت معزولة أو مرفوضة شعبياً، أن تتصدر المشهد الإعلامي والثقافي بوصفها رموزاً لـ«التنوير».
بعد مجيء ترامب
أوقف الرئيس الأمريكي ترامب كل التمويل الحكومي الأمريكي للمنظمات المدنية، وانتقلت مهمة التمويل إلى دول الخليج بصورة مباشرة، بحسب ما يطرحه الكاتب.
فكما يرى ترامب أن الدفاع العسكري يجب أن يكون بثمن، وليس أمراً مجانياً، كما صرّح أكثر من مرة، فهناك اتفاق ضمني، وفق هذا التصور، على أن تنتقل هذه المهمة إلى هذه الدول التي يهددها «الإسلام المتطرف»، أو أن هذه الدول تبنّت تلك التوصيات وعملت بها من أجل خلق بيئة خالية من الإرهاب.
لكن ترامب، وكعادته في الإسراع وتعجيل النتائج، دعا إلى الانتقال إلى أمر جديد أسماه «الاتفاقية الإبراهيمية» أو «الدين الإبراهيمي»، حيث تتوحد الديانات الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية.
وبما أن المسيحية واليهودية قد فُرّغتا، بحسب هذا الطرح، وجُعلتا ممارسات فردية، ولم يبقَ إلا الإسلام، فقد ظن ترامب وبقية أركان النظام العالمي الجديد أن الخطوة أصبحت مواتية لفرض الديانة الإبراهيمية، وتجاوز الإسلام من خلال تبنّي قراءات جديدة له.
وعلى الرغم من أن هذه المحاولات لم تنجح كلياً في إعادة هندسة الدين حتى الآن، فإنها استطاعت، وفق هذه الرؤية، تقويض الأصولية ومحاصرة المحافظين والتقليديين بشكل كبير.
كما أن الحروب الأخيرة ونتائجها قد تفرض واقعاً جديداً، وهذا ما صرّح به ترامب حينما قال إنه بإمكان تركيا وباكستان، وكذلك إيران بعد الاتفاق معها، الانضمام إلى الاتفاقية الإبراهيمية.
النتيجة
إن المسار الذي وضعته تقارير مؤسسة راند كان يفضي، وفق هذه القراءة، إلى تبنّي الديانة الإبراهيمية، التي تتولد من إعادة هندسة الدين الإسلامي وتفريغه كلياً، ليصبح ديناً روحياً فردياً، تكون التجربة الفردية هي الطابع الأساسي لتديّن الفرد فيه.
وهي نزعة فردية بلباس ديني، تنسجم، بحسب هذا التصور، مع فكرة الديانة الإبراهيمية العالمية.




