اجتماع

هل يُنسينا كورونا نظاماً اعتدنا عليه؟ | جورج الياس عبيد

للاشتراك بالنشرة البريدية اضغط هنا

كان لا بدّ من حدث يحدّ من تطوّر مسار الاسواق المالية العالمية وخصوصا” الامريكية منها. قبل تداعيات وباء كورونا على الاقتصاد العالمي، كانت بعض المؤشرات المالية تتشابه الى حد كبير بتلك التي سبقت ازمتي عام ١٩٢٩ و ٢٠٠٨ الماليتين، اذ ان الفارق بين القيمة السوقية Market Cap والقيمة الفعلية Intrinsic Value للشركات الاميركية المدرجة في سوق الاسهم وول ستريت، أخذ بالتزايد على نحو مضطرد، وهذه الاعراض تشكل فقاعة مالية وتنذر بتباطؤ اقتصادي وبالتالي كساد Stagflation.
إن الاقتصاد الحر وما نتج عنه من ازالة للحدود بين الدول هو اليوم امام امتحان كبير خاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي واعتماد اميركا ترامب سياسة اقفال الحدود وتقديس المصلحة المالية القومية ولوعلى حساب إفقار باقي الدول. اتى وباء كورونا “ليزيد في الطين بلة”، فلن ننسى عجز الاتحاد الاوروبي عن مساعدة ايطاليا في مواجهة الوباء حتى اتتها المعونة من الصين بذاتها، ولن ننسى كيف اوقفت الولايات المتحدة الاميركية رحلاتها الجوية مع اوروبا حليفتها الكلاسيكية وامتعاض الاخيرة.
من يعتقد انّ الاقتصاد الصيني هو الخاسر الأكبر جرّاء تفشي فيروس كورونا، يكفيه النظر كيف انهارت سريعا” كل مكتسبات سوق الاسهم الاميركية والعالمية، حيث ان الكثير من الشركات الأميركية والاوروبية تعتمد على الصين في الصناعة والانتاج والاستيراد.
اذا” نحن امام وباء عالمي سوف يعيد رسم معالم اقتصادية ومالية واجتماعية وصحية جديدة. اما الهلع الناتج عن هذا الوباء فمن شأنه رمي الاقتصاد العالمي في هوةٍ من دون قعر. لعل النفط ابرز المتضررين، وبالتالي الدول المنتجة والمصدرة له هي اليوم امام تحدٍّ حقيقي مع تراجع سعر البرميل الى ما دون ٣٥$. فالمملكة العربية السعودية مثلا” تسعى لسعر تعادُل يصل الى ٨٠$ للبرميل الواحد حتى تسيطر على عجز الموازنة وتموّل القطاعات الإنتاجية الرديفة والبديلة، فانهيار السعر مضافا” الى حرب الإنهاك مع روسيا جراء فشل التوصل الى اتفاق حول كمية الانتاج ، يضعها امام خيار استعمالها لاحتياطها من العملة الصعبة لتمويل العجز، مما يشكل عاملاً ضاغطاً على استقرار سعر صرف عملتها في المستقبل.
ليس هناك اي دولة بمنأى” عن تداعيات الازمة الحالية، وربما يكون العالم امام حقيقة اقتصادية ومالية ونقدية جديدة إمّا تعيدنا الى انظمة تجاوزها الزمن كال Bretton Woods عندما اعتُمد الذهب كقيمة احتياط، وإمّا تستولد نظاما” جديدا” من رحم التحالفات التقليدية علّه يحمل خيرا” للبشرية. غدا” لناظره قريب.

للاشتراك بالنشرة البريدية اضغط هنا

جورج الياس عبيد، خبير في الشؤون المالية

جورج الياس عبيد، كاتب من المجال المالي وله دراسات ومقالات في الشؤون المالية وعلم الاجتماع الاقتصادي. يعمل مستشاراً مالياً انطلاقاً من باريس، كما عمل مع شركات إقليمية وعالمية في لبنان والخليج العربي. حائز على اجازة في التدقيق المالي وماستر في العلوم المالية من جامعة USEK لبنان ، وهو مرشح للدكتوراه في الادارة والمال من جامعة IAE Aix-Marseille فرنسا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى