ازمة لبنانالاحدث

التبرير في زمن الحروب: بين تديين العنف وتضليل الوعي | بقلم الأب البر حبيب عسّاف

عندما تضع الحرب أوزارها – كما في أيامنا هذه – لا ينتهي حضورها الفعلي، بل يبدأ وجه آخر أكثر خطورة: وجه التبرير.
فعندما تُظلِم الأرض من بشاعة الدخان والدمار، وعندما يئنّ التراب من ثقل الدماء المسفوكة وغبار الأسلحة المتطوّرة، وعندما تختنق الأصوات الأصيلة تحت ضجيج آلات الموت، يبرز نوع جديد من الفاعلين: ليسوا جنودًا في الميدان، بل مهندسو خطاب يبرّر المأساة.
هؤلاء لا يكتفون بتفسير الحرب، بل يعملون على شرعنتها. يكسونها أثوابًا فكرية ودينية فضفاضة، فيُعيدون إنتاج سرديات قديمة في سياقات جديدة:
حديث عن “حروب نبوية”، أو “شعوب مختارة”، أو “وعود إلهية” تُستحضر لتبرير العنف، أو إعادة بناء رموز دينية كأنها مشروع سياسي راهن. وهكذا يتحوّل الدين، من رسالة خلاص، إلى أداة تأويلية تُستخدم لتغطية العنف وإضفاء معنى زائف عليه.
إن أخطر ما في هذا الخطاب ليس خطأه المعرفي فحسب، بل أثره على الوعي العام.
فحين تُقدَّم الحرب كجزء من “خطة إلهية” وتُديّن، يُجرَّد الإنسان من مسؤوليته، وتُعطَّل قدرته النقدية، ويُطلب منه أن يقبل العنف كقدر محتوم.
لكن من منظور لاهوتي مسيحي واضح، الوحي قد اكتمل في شخص المسيح. ففيه قال الله كلمته النهائية للإنسان، لا بوصفها مشروع هيمنة أو صراع، بل كإعلان محبة وخلاص. لذلك، فإن كل ادّعاء بأن حربًا معاصرة هي “تحقيق لنبوءة” أو “تنفيذ لإرادة إلهية” هو ادعاء يفتقر إلى الأساس اللاهوتي السليم، بل يُسيء إلى جوهر الإيمان نفسه على امتداد الأديان كلّها.
كل حرب، مهما كانت مبرراتها، تحمل في جوهرها تناقضًا أخلاقيًا.
فهي لا تصنع سلامًا، بل تؤجّل الصراعات وتُراكم الأحقاد. لا توحّد، بل تُعمّق الانقسامات. ولا تبني مجتمعات، بل تُضعف الثقة وتُغذّي الخوف.
إن الخطاب الذي يبرّر الحرب باسم الدين أو التاريخ عبثيّ، يتجاهل حقيقة أساسية:
لا يمكن أن يكون العنف وسيلة مشروعة لتحقيق الخير العام، لأن الوسيلة الفاسدة تُفسد الغاية مهما بدت نبيلة.
أما مقولة “الشعب المختار”، فقد خضعت لتحوّل جذري في الفهم اللاهوتي بعد المسيح.
لم يعد الله إله جماعة مغلقة أو شعب محدد، بل أصبح حضوره شاملاً وقريبًا من كل إنسان. لم تعد العلاقة بالله قائمة على امتياز عرقي أو ديني أو جغرافي أو تاريخي، بل على دعوة مفتوحة لكل البشر.
من هنا، فإن كل خطاب يعيد إنتاج فكرة التفوّق الديني أو العرقي، هو خطاب يتناقض مع روح الإنجيل، الذي يعلن أن:
كل إنسان، وكل شعب، وكل أمة، مدعوون إلى أن يكونوا شعب الله.
في زمن الحروب، لا تقلّ الكلمة خطورة عن السلاح. فالكلمة قد تُبرّر، وقد تُحرّض، وقد تُضلّل، لكنها أيضًا قادرة على أن تُنير وتُحرّر.
من هنا تأتي مسؤولية المثقف، والإعلامي، والمفكّر، ورجل الدين المستقيم، وكل صاحب رأي:
ليس في تبرير الواقع، بل في كشف زيف الخطابات التي تُضفي الشرعية على العنف.
إن أخطر ما في الحروب ليس فقط ما تخلّفه من دمار، بل ما تزرعه من تشوّه في الوعي. وحين يُصبح التبرير ثقافة، تتحوّل المأساة إلى أمر عادي، ويُفقد الإنسان قدرته على التمييز بين الحق والباطل.
لذلك، فإن المواجهة الحقيقية لا تكون بالسلاح فقط، بل أيضًا بـاستعادة المعنى الحقيقي للإنسان والإيمان، ورفض تديين العنف، وتعزيز وعي نقدي يميّز بين الإيمان الأصيل والخطاب المضلّل.
فالسلام لا يُبنى على تأويلات خاطئة، بل على الحقيقة. والحقيقة، في جوهرها، لا تبرّر الحرب… بل تدعو إلى تجاوزها.

الأب ألبر حبيب عسّاف

كاهن ماروني، حائز على بكالوريوس في الفلسفة وبكالوريوس في اللاهوت ودكتوراه في القانون الكنسي والمدني من جامعة اللاتران الحبرية في روما. شغل سابقًا مهامًا أكاديمية وقضائية وثقافية متعددة، منها التدريس في الجامعة اليسوعية في مواد قانون العمل وعلوم الأحياء الحيوي، والتدريس في الجامعة الأنطونية في مادة القانون الكنسي، كما تولّى منصب قاضٍ في المحاكم الكاثوليكية في لبنان. وهو مؤسس فرع الشوف لجامعة سيدة اللويزة، وعمل سابقًا في إذاعة الفاتيكان، إلى جانب خبراته الواسعة في الأعمال الرسولية والرعوية في أوروبا وعدد من البلدان العربية. ويتقن عدة لغات حديثة تشمل الألمانية والإنكليزية والفرنسية والإيطالية، إضافة إلى اللغات القديمة مثل السريانية واللاتينية واليونانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى