الخيانة: عندما تبدأ من الداخل… | بقلم الأب ألبر حبيب عسّاف
وكيف تتحوّل من مسار خفيّ إلى حكم علني؟

تكبر الكلمات في أزمنة الأزمات، وتضيق معانيها. ومن بين هذه الكلمات، تتقدّم «الخيانة» إلى الواجهة، تُقال بسرعة، وتُرمى بسهولة، حتى تكاد تفقد وزنها. في لبنان اليوم، يكفي اختلاف في الرأي حتى يتبادل الناس الاتهام بالخيانة. هذا يرى في الدعوة إلى وقف الحرب خيانة، وذاك يعتبر أن من أدخل البلاد في حرب مدمّرة، بما حملته من ألمٍ وموتٍ وتشريد، هو الخائن. وبين الرأيين، تضيع الكلمة نفسها، وتتحوّل من مفهوم أخلاقي دقيق إلى ردّة فعل انفعالية، خارجة عن رجاحة الفكر وقوة المنطق.
لكن، هل الخيانة فعلٌ يُحكم عليه من الخارج فقط؟ أم أنها تبدأ في مكان أعمق… في الداخل؟ وكيف تتحوّل من مسار خفيّ لا يراه أحد، إلى حكم علني يُطلق على الألسنة ويُحاكَم في الساحات؟
منذ أرسطو، لم تُفهم الأفعال الإنسانية الكبرى كحوادث معزولة، بل كثمار لمسار داخلي طويل. فالإنسان، في نظره، لا يصبح فاضلًا أو فاسدًا بقرار مفاجئ، بل بما يسمح له أن يتكوّن فيه تدريجيًا. وهكذا، لا تبدو الخيانة حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة صامتة لمسار غير مرئي.
ومع الفلسفة الحديثة، يذكّرنا إيمانويل كانط بأن الأخلاق تقوم على الالتزام. فالخيانة، بهذا المعنى، ليست مجرد اختلاف في الرأي، بل كسرٌ لواجبٍ تجاه الآخر، وانتهاكٌ لثقةٍ مُعطاة. إنها سقوط العلاقة قبل أن تكون خطأً في الموقف.
أما بول ريكور، فيذهب أبعد، حين يربط بين الثقة والهوية. فحيث تُكسر الثقة، لا يُجرح الفرد فقط، بل تتصدّع صورة الجماعة عن نفسها. وهنا، تصبح الخيانة مسألة تمسّ الوجود المشترك، لا مجرد سلوك فردي.
لكن، لعلّ اللاهوت يضيء البعد الأعمق. ففي قراءة القديس أوغسطينوس، لا يبدأ الشر بالفعل، بل بانحراف الإرادة، حين يحبّ الإنسان ما ليس جديرًا بالمحبة. وهكذا، لا تكون الخيانة قرارًا لحظيًا، بل ثمرة ميلٍ داخلي تُرك لينمو.
ويكفي أن نتأمّل في شخصية يهوذا الإسخريوطي لنفهم: لم تبدأ خيانته في تلك اللحظة التي سلّم فيها المعلّم، بل يوم سمح لشيءٍ صغير — رغبة، مصلحة، أو ضعف — أن يتسلّل إلى قلبه، إلى أن صار الفعل نتيجةً لا مفاجأة. هكذا، لا تكون الخيانة انفجارًا مفاجئًا، بل تراكمًا صامتًا: لحظةٌ يكفّ فيها الإنسان عن مقاومة ما يضعف داخله، فيسمح له أن يكبر حتى يسيطر.
ومن هنا، يتبدّل السؤال كليًا: ليس «من هو الخائن؟»، بل «كيف يُصبح الإنسان خائنًا؟» وكيف ينتقل هذا المسار الخفيّ من عتمة الضمير إلى ضجيج العلن، حيث تتحوّل الهمسة الداخلية إلى حكم يُرمى في وجه الآخر؟
الجواب لا يبدأ في السياسة، بل في الضمير. حين يختلّ ميزان الأمانة في الداخل، يصبح الخارج انعكاسًا له.
أما الوفاء، فليس شعارًا يُرفع في وجه الآخر، بل مسارٌ معاكس: قدرة على الثبات، لا في الرأي فقط، بل في الحق والخير، حتى عندما تصبح الظروف ضاغطة والخيارات معقّدة.
بين الوفاء والخيانة، لا تُحسم الأمور بالشعارات، بل بمنطقٍ واضح: ما هو الالتزام؟ ما هو المعيار؟ وأين تكمن مصلحة الإنسان والمجتمع؟
ربما آن الأوان، في خضمّ الضجيج، أن نُعيد للكلمات معناها؛ لا لكي نحكم على بعضنا، بل لكي نفهم… لأن المجتمعات لا تنهار فقط بالحروب، بل أيضًا عندما تضيع فيها معاني الكلمات.
فالخيانة لا تبدأ عندما نختلف، بل عندما نسمح لما ليس حقًا أن يسكن في داخلنا. وعندها فقط، حين يخرج الخفيّ إلى العلن، يصبح النقاش أقلّ حدّة… وأكثر صدقًا… وأكثر إنسانية.




