ازمة لبنانالاحدث

نبيه بري … صمته حكمة وتوقيعه إنتصار | بقلم د.حسين نابلسي

قد يختلف الكثير من اللبنانيين حول أداء الرئيس نبيه بري أو خياراته، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن الرجل يمارس دورًا لا يشبه غيره. فهو لا يصنع بطولات عسكرية، ولا يخوض معارك إعلامية، بل يعمل في منطقة معقدة تتطلب أكثر منه الشجاعة للحفاظ على الوحدة الوطنية في بلدٍ تعلو فيه أصوات المدافع على كل الاصوات ويرتبك كل السياسة والاقطاب في الداخل. في هذا الوقت يقف نبيه بري معمدا بحكمة الصمت كأداة سياسية لتحقيق النصر وهو أمر يصعب على الآخرين الوصول إليه لأنه يمثل مساحة “الإدارة الهادئة” لأزمة تتجاوز حدود السياسة والجغرافيا.

 

في الحرب المفتوحة على لبنان، يتقدّم الرئيس بري لا بصفته زعيمًا لطائفة، ولا كرئيس لمجلس النواب، بل كـ ضابط لإيقاع دولة تكاد تتفكّك تحت ضربات الصراع الخارجي والتفكك الداخلي، إنه الدور الذي لا يُعلن، لكنه يُمارَس بدقة، وكأنه يقف يوميًا أمام ميزان حساس، يحاول ألا يميل طرفاه نحو الانفجار.

 

على مدى اربعة عقود، لم يغب نبيه بري عن كل الحروب التي شنت على لبنان لاعبا مختلف الادوار اما كشريك، أو كطرف او كوسيط وفي كل الادوار كانت وجهته دائما لبنان الدولة والوطن وصولا للدورالذي يلعبه اليوم اثناء العدوان الإسرا.ئيلي الحالي الذي يمكن اعتباره نسخة اضافيه من دور “نبيه بري السياسي”: لا يمكن رؤية دوره بسهولة لأنه يعمل في الكواليس بين مختلف القوى والساحات وبعيدا عن الاضواء.

 

هذا الدور البالغ الحساسية فمن ناحية كرئيس للسلطة التشريعية يسعى لمنع انهيار الدولة من خلال على الحفاظ على التوازن بين مكوناتها وبنفس الوقت هو زعيم للطائفة الشيعية ويمثل صوت المقاومة التي قاد مسيرتها، فيعمل على منع انهيار البيت الشيعي تحت ضغط العدوان وتجنيب البيئة الشيعية الانفجار الاجتماعي. إذا الرئيس نبيه بري في هذه الايام العصيبة لا يواجه بالسلاح، بل يحارب بأدوات النظام نفسه، مانعًا سقوط الدولة في الفراغ او انهيار النظام السياسي وهو الدور الاهم لأن انهيار النظام يعني عدم القدرة على تشريع أي اتفاق تهدئة وتعطل أي مفاوضات لوقف نار والجميع يعرف ان الحرب مهما طال امدها ستنتهي او ستبدأ عند حد معين بتدخل من هنا وهناك، وبالتالي اي سقوط يفقد لبنان آخر قناة سياسية يمكن أن تجري عبرها صفقة دولية وبالتالي فهو دور جوهري لا يراه كثيرون من هواة السياسة والمبتدؤن.

 

لقد خاض الرئيس نبيه بري غمار الحروب الداخلية ووقّع على نهايتها كما أنه واجه كل جولات الصراع مع العدو الإسرائيلي بثبات وعزيمة وثقة بالنصر حتى بدون حرب كان ينتصر وبالمقابل شهد تفكك الدولة وحاول بكل امكاناته ترميمها مرة بالحرب ومرة بالسلم ومرة بالصبر وأخرى بالمواجهة وهذه التجربة العميقة والمتشابكة جعلته يرى الحرب الدائرة معركة وجود للبنان الدولة والنظام وليس كمعركة حدود. وبالتالي فإن الإنتصار الحقيقي هو بتماسك المجتمع وقدرة الدولة على البقاء بعد صمت المدافع.

 

هو الرئيس الوحيد الذي خَبِرَهُ الأميركيون، ويثق به الأوروبيون، ويتواصل معه الإيرانيون، وتحسب له الحساب القوى السياسية في الداخل وفي المحيط العربي. وهو بهذا الإطار الرابط الوحيد بين “الحرب” و“الدبلوماسية” وجامع الاضداد، ولهذا فهو لا يُعلن عن موقفه بوضوح ويُظهر دوماّ ليونة وبرغماتية لتحقيق الهدف فيمارس دوره في الكواليس بحزم لمنع انزلاق لبنان الى الهاوية أو جرّه الى التقسيم كما يطيب للبعض وهو يقف في المقدمة عندما تتحرك خطوط التواصل للإطفاء او لوقف النار، أو لرسم خرائط الجنوب ولبنان كوطن نهائي لجميع ابنائه لأنه يريده دولة قادرة راعية مستقلة لا كـ أرض بلا دولة. بالمختصر إنه حارس البنية السياسية التي تسمح للبنان بالبقاء.

 

هذا الدور الذي تكرّس عبر السنوات، وجعله أحد أبرز مهندسي “الإيقاع السياسي” في البلاد، سواء في مراحل التصعيد أو التهدئة يظهر من خلال تثبيته التوازن السياسي الداخلي وتأمين الحد الأدنى من انتظام الدولة أثناء الحرب.

 

في هذه الحرب، يعمل الرئيس بري بصمت على ضبط العلاقة بين المقاومة والدولة، يوازن بين حسابات الميدان ومتطلبات السياسة، وبين ما يريده الداخل وما تخطط له القوى الإقليمية، هدفه ليس فرض معادلة جديدة بل حماية المعادلة الباقية من الانهيار.

 

قد تختلف الآراء حول السياسة اللبنانية وتعقيداتها، لكن في زمن الحرب، يبرز نبيه بري كعامل توازن لا يمكن تجاهله فوجوده في موقعه ليس مجرد استمرار سياسي، بل ضرورة تفرضها المرحلة، نظرًا لما يمتلكه من خبرة وقدرة على ضبط الإيقاع الداخلي ومنع الدولة من الغرق في فوضى أكبر.

وبين صمت السياسة وحركة الصواريخ والمدافع، يختار الرئيس بري طريق ذات الشوكة بهدوء وكتمان… طريق الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه، في بلد باتت فيه كل خطوة محسوبة بين الانهيار والبقاء. قد لا تُكتب هذه المرحلة بإسمه، لكن كثيرًا من ملامحها ستحمل أثر يده وبصمة اصابعه… اليد التي اختارت أن تقاتل من أجل البقاء، لا من أجل الظهور.

د. حسين نابلسي، أستاذ جامعي وكاتب في الاقتصاد السياسي

د. حسين نابلسي أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية ومدير فرع الجامعة الأميركية للثقافة والتعليم في النبطية. يعمل كمستشار للعديد من المؤسسات الأكاديمية وهو عضو مجلس ادارة في العديد من المؤسسات والجمعيات الاهلية. كما شغل سابقا العديد من المناصب الإدارية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى