إتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل: قراءة نقديّة في بنود اتفاق يُكرّس الهيمنة ويُقوّض السيادة | بقلم د. رنا منصور

يُمثّل اتفاق الإطار الثلاثيّ الذي رعته الولايات المتّحدة بين لبنان والكيان الصهيونيّ محطة مفصليّة في مسار الصراع العربيّ-الإسرائيليّ، غير أنّ القراءة المتأنيّة لنصوصه وما صاحبها من مناورات دبلوماسيّة تكشف عن خلل جوهريّ في مضمونه ومنهجيّة صياغته. فالمفاوض اللبنانيّ، الذي كان من المتوقع أن يمثل توجيهات رئاسيّة واضحة ترتكز على أولويّة المطالب الوطنيّة، بدا وكأنّه قد تخلّى عن هذه الثوابت، ممّا أتاح للطرفَيْن الأميركيّ والإسرائيليّ فرصة ثمينة لفرض رؤيتهما التي تمس بجوهر السيادة اللبنانيّة وتتجاهل تضحيات شعب ارتقى بدمائه إلى مستوى ما تعرّضت له غزة من حرب إبادة جماعيّة.
يتّسم النص باتفاق الإطار بطابع غامض يُخفي نوايا لا تصب في مصلحة لبنان، وهو ما يتجلّى بوضوح من خلال البنود السريّة التي لم يُكشف عنها، ممّا يُثير تساؤلات مشروعة حول دواعي الإخفاء. فالشفافيّة التي تغيب عن هذا الإتفاق تتناقض مع ما يتطلّبه أي تفاهم دوليّ يمس مصير دولة وشعباً بأكمله.
أولاً: يخلو الإتفاق من أي جدولة زمنيّة محدّدة للإنسحاب الإسرائيليّ من الأراضي المحتلة، ممّا يمنح تل أبيب غطاءً للتمركز في الجنوب اللبنانيّ إلى أجل غير مسمى، وذلك تحت ذريعة تحقيق أهداف لا يُمكن التحقّق من إنجازها موضوعيّاً، كسحب سلاح المقاومة وتفكيك بُنيتها التحتيّة. وهذا الأمر يضع الحكومة اللبنانيّة في موقف حرج، إذ تُصبح مسؤولة عن تنفيذ التزامات يصعب الوفاء بها ضمن معايير يقينيّة، بينما يظل الطرف الإسرائيليّ محتفظاً بحريّة تقيّيم مدى الإمتثال وفق مصالحه الذاتيّة.
ثانياً: يتّسم الإتفاق بخلل أخلاقيّ وقانونيّ فادح يتمثّل في إغفاله أي إشارة إلى المسؤوليّة الإسرائيليّة عن عدم الإستقرار في المنطقة، بل يتجاوز ذلك إلى اعتبار الكيان الصهيونيّ طرفاً بريئاً من أي عيب، في حين أنّ تاريخه التوسعيّ القائم على الإستيطان والعدوان المستمر يُعدّ المصدر الأساسيّ للأزمات الإقليميّة. إنّ استمرار انتهاكاته اليوميّة للأراضي اللبنانيّة، من خروق جويّة وبحريّة إلى احتلال مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقرية الغجر، يُناقض بشكل صارخ الصورة النمطيّة التي يحاول الإتفاق ترويجها عن “إسرائيل” كدولة تبحث عن الأمن والاستقرار.
ثالثاً: يستند الإتفاق إلى السطوة الأميركيّة-الإسرائيليّة لفرض إملاءات على لبنان، متجاهلاً أنّ الإنسحاب المفترض من مناطق لا وجود للإحتلال فيها هو مجرّد خدعة سياسيّة تهدف إلى إيهام الرأي العام بتحقيق تقدّم، بينما يظل الجوهر، أي الإنسحاب الكامل من جميع الأراضي المحتلّة، معلّقاً في مهب الرياح. وهذا النمط من المناورة ليس جديداً في السياسة الدوليّة، ولكنه يكتسي هنا طابعاً أكثر خطورة لأنّه يأتي في سياق تآكل القيم القانونيّة الدوليّة نتيجة السياسات الأميركيّة الإنتقائيّة.
يحوّل الإتفاق لبنان من معتدى عليه إلى معتدٍ يتوجّب عليه اتّخاذ تدابير تحمي العدو المحتل، بينما يُصوّر “إسرائيل” كضحيّة تستحق كل الضمانات. وهذه المفارقة ليست مجرد التواء في الصياغة، بل هي رؤية متكاملة تهدف إلى تجريد المقاومة من شرعيّتها وإعادة تعريفها ضمن خانة الإرهاب، في تجاهل تام بأنّ هذه المقاومة لم تظهر إلا رداً على عدوان صهيونيّ وحشيّ ومستمر منذ عقود.
كما يخلو الإتفاق من أي إطار دوليّ رسميّ لمتابعة تنفيذه، مكتفياً بولاية أميركيّة حصريّة، وهو ما يُثير القلق بشأن استمراريّته، خاصة في ظل التحوّلات السياسيّة الداخليّة في واشنطن. فشخصيّة الرئيس ترامب التي تطبعها التقلّبات المفاجئة، فضلاً عن سجله السياسيّ المثير للجدل، تجعل هذا الإتفاق عُرضة للإنهيار أو التفسير الأحاديّ الذي يخدم المصالح الأميركيّة-الإسرائيليّة على حساب لبنان.
يكشف الإتفاق عن استخدام لغة ملتوية تهدف إلى التلاعب بالحقائق، فهو يتحدّث عن “محتجزين” بدلاً من الأسرى، ويتجنّب ذكر جثامين الشهداء، ويغفل النازحين والعائدين إلى بيوتهم. وهذه اللعبة اللغويّة ليست مجرد تفاصيل شكليّة، بل هي جزء من استراتيجيّة لتجريد القضية اللبنانيّة من أبعادها الإنسانيّة والقانونيّة وتقديمها بصورة تخدم السرديّة الإسرائيليّة.
أخطر ما في هذا الإتفاق هو دفعه المُمنهج للبنان نحو الإنقسام الداخليّ ودفعه إلى مواجهة دولة إقليميّة لا مصلحة له في استعدائها. فهذا التوظيف للصراع الإقليميّ يخدم أجندات خارجيّة لا ترتبط بمصلحة لبنان الوطنيّة، ويحوّله إلى أداة في لعبة كبرى تتجاوز حدوده الجغرافيّة بكثير. وفي ظل مساعٍ دوليّة للمصالحة مع إيران، يبدو الإتفاق وكأنّه يحاول جر لبنان إلى مواقف تتناقض مع التوجهات الدوليّة الراهنة.
في المحصلة،اتفاق الإطار إنّه يمنح العدو حريّة الحركة في الأرض اللبنانيّة والتدخّل في شؤونها الداخليّة، بينما يُحرّم لبنان من حقوقه الأساسيّة في السيادة الكاملة. وإنّنا إذ ندعو رئيس الجمهوريّة والحكومة والمجلس النيابيّ إلى رفض هذا الإتفاق، نُناشد القوى اللبنانيّة كافة، باختلاف انتماءاتها، إلى نبذ مشاريع الفتنة والإنقسام، والتوحّد حول مشروع وطنيّ يُكرس سيادة لبنان واستقلاله ويصون كرامة أبنائه، إنطلاقاً من إيمان راسخ بأنّ الحريّة لا تُمنح، بل تُنتزع، وأنّ المقاومة بكلّ أشكالها المشروعة تظل الخيار الأنجع في مواجهة مشاريع الهيمنة والتبعية.




