إعادة هيكلة المصارف اللبنانيّة بين سياق النص التشريعيّ واستحقاقات الإنتظام الماليّ | بقلم د. رنا منصور

لم يكن إقرار مجلس النواب اللبنانيّ، في جلسته الأخيرة، لقانون “إصلاح مصارف لبنان وإعادة تنظيمها” مجرّد استجابة فنيّة لانهيار ماليّ بدأ في العام 2019، بل يُقرأ في عمقه الإعتراف الضمنيّ بفشل النموذج الاقتصاديّ القائم على هندسة ماليّة وهميّة، إرتكزت على مضاعفة الودائع عبر آليات مصرفيّة غير تقليديّة، وانهارت حين انكشفت فجوة السيولة الهائلة بين الأصول والخصوم. فبعد سبعة أعوام من التقهقر الاقتصاديّ، يضع هذا القانون حجر أساس في مشروع التعافي، لكنه يبقى، في تقديريّ، شرطاً ضروريّاً وغير كافٍ لاستعادة الثقة، طالما ظلّ قانون الفجوة الماليّة (الإنتظام الماليّ) معلّقاً في دهاليز التوافق السياسيّ.
أولاً: في جوهر التعديلات التشريعيّة وانزياحات السلطة التنظيميّة
يكمن لبّ التحوّل في هذا القانون بنقطتَيْن جوهريّتَيْن:
– الأولى، حصر صلاحيّة إصدار التعاميم المصرفيّة (التعليمات) بحاكم مصرف لبنان، وهو ما يُمثّل نقلة نوعيّة من التعدّدية في التفسير إلى تمركز القرار النقديّ، بما يُمهّد لتوحيد المرجعيّة في السياسات الإحترازيّة. غير أنّ هذه الخطوة، وإن بدت فنيّة، تحمل في طيّاتها إشكاليّة تركيز السلطة التنظيميّة، ما يستدعي آليات رقابيّة موازية لضمان عدم تحوّل هذه الصلاحيّة إلى أداة لإدارة الأزمات بشكل انفراديّ، يتجاهل الأبعاد الاجتماعيّة للسياسة النقديّة.
-الثانية، والأكثر إثارة للجدل من الناحية القانونيّة، هي إحالة القطاع المصرفيّ إلى المعايّير الدوليّة بعيداً عن أحكام قانون النقد والتسليف اللبنانيّ. وهذا النص، على أهميّته في جذب الاستثمار الأجنبيّ المباشر، يطرح تساؤلاً أكاديميّاً عميقاً حول مدى توافق هذه المعايّير الدوليّة مع البيئة القانونيّة المحليّة، خصوصاً في ما يتعلّق بحوكمة الملكيّة وحقوق الدائنين، فالإنتقال إلى هذه المعايّير ليس عمليّة ترجمة حرفيّة، بل يتطلب بناءً مؤسّسيّاً وهندسة قانونيّة قادرة على استيعاب تعقيدات المصارف اللبنانيّة التي تتداخل فيها الملكيّات السياسيّة مع الإدارات المهنيّة.
ثانياً: حزمة الإصلاح بين التصريح والتطبيق (قراءة في تصريح وزير المالية)
لا يمكن فصل تصريح وزير الماليّة، ياسين جابر، عن دلالات الربط العضويّ بين هذا القانون وقانون الإنتظام الماليّ واسترداد الودائع. فوزير الماليّة، بصفته مهندس السياسة الماليّة، أدرك أنّ إعادة الرسملة عبر إصدار أسهم لمستثمرين جدد، والتي نصّ عليها القانون، تظلّ حبراً على ورق ما لم تُحسم آليّات معالجة الخسائر المتراكمة. وهنا أوّد التأكيد على أنّ ما أشار إليه الوزير حول “تشريعات مترابطة” هو لبّ المعضلة؛ فالقانون الحاليّ يُعالج هيكل الحوكمة وآليات الإنقاذ بما فيها تدّخل الدولة والمركزيّ، لكنّه يتغاضى عن الجوهر، وهو، من يتحمّل العبء الأكبر من الفجوة الماليّة؟
فالسماح للدولة والمصرف المركزيّ بالتدّخل لإنقاذ أيّ تعثّر مصرفيّ، في نص القانون، يُثير مفارقة كبيرة، إذ كيف لدولة تُعاني من عجز ماليّ هيكليّ وصعوبات في تمويل رواتب موظفيها أن تكون شبكة أمان للمصارف التجاريّة؟ هذا النص، من وجهة نظر اقتصاديّة، يحوّل المخاطر النظاميّة من كاهل المساهمين إلى كاهل دافعي الضرائب بشكل غير مباشر، ما لم يُقرن بقوانين تُحدّد نسب تقاسم الخسائر بدقة.
ثالثاً: مشروع قانون الفجوة الماليّة بين الإكراهات الداخليّة وشروط المؤسسات الدوليّة
ما يسترعي انتباه الباحث، أنّ الحكومة طرحت مشروع قانون الفجوة الماليّة في مطلع العام الحاليّ كآليّة لتوزيع الخسائر بين الدولة والمصرف المركزيّ والمصارف التجاريّة والمودعين، وهو مشروع يتلاقى بوضوح مع رؤية صندوق النقد الدوليّ، لكنّه اصطدم باعتراضات مصرفيّة حادة وتحفظات سياسيّة عرقلت إقراره. وهنا تبرز المفارقة التي دفع ثمنها الاقتصاد الوطنيّ؛ فإقرار قانون الهيكلة دون قانون الفجوة، يُشبه إعادة طلاء مبنى آيل للسقوط دون ترميم أساساته. فالمودعون، الذين جُمّدت ودائعهم لسنوات، ينتظرون آليّات استرداد واضحة، وهو ما لم يُقدّمه القانون الأخير، بل أحاله إلى تشريع لاحق لا يزال في لجنة المال والموازنة.
إن إصرار وزير الماليّة على “ضرورة إنجاز قانون الفجوة” ليس مجرّد مناورة سياسيّة، بل إقرار بحقيقة اقتصاديّة صارمة، وهي أنّ استعادة الثقة بالقطاع الماليّ تتطلّب شفافيّة في الإفصاح عن الخسائر، وتحديداً لا لبس فيه لمن يتحمّل هذه الخسائر. فالغموض في توزيع الأعباء هو العدو الأول لأي مفاوضات مع صندوق النقد الدوليّ، فهو يحتاج إلى خريطة طريق واضحة لإعادة هيكلة الدين العام، وليس مجرّد نصوص تنظيميّة للتعاملات المصرفيّة اليوميّة.
رابعاً: إستعادة الثقة بين التطبيب الجراحيّ والمسكّنات التشريعيّة
في المحصلة النهائيّة، يمكن القول إنّ إقرار قانون إصلاح المصارف يُمثّل نقطة تحوّل نوعيّة في مسار الأزمة اللبنانيّة، إذ ينهي مرحلة الجمود التشريعيّ التي استمرّت نحو سبع سنوات، ويمنح الحكومة أوراق ضغط إضافيّة في مفاوضاتها مع الدائنين الخارجيّين وصندوق النقد. لكن، ومن منظور أكاديميّ بحت، يبقى هذا القانون مجرّد إطار تنظيميّ للأدوات، دون أن يحسم في المضمون الاقتصاديّ.
الخطر الحقيقيّ الذي يحدق بلبنان اليوم، هو التعويل على هذا النص باعتباره “علاجاً سحريّاً”، متناسين أنّ إعادة الرسملة لا تجذب مستثمرين جدداً في بيئة يغلب عليها عدم اليقين القانونيّ، وأنّ تدخّل الدولة للإنقاذ يظل وهميّاً في ظل غياب فائض ماليّ حقيقيّ. لذلك، إنّ استكمال المسار التشريعيّ بإقرار قانون الفجوة الماليّة، بأسرع وقت، ليس خياراً ثانويّاً بل شرطاً أساسيّاً لنجاح هذه الإصلاحات. فطالما ظلّت آليّة توزيع الخسائر غامضة، وطالما بقي المودعون في دائرة الإنتظار القسريّ، فإنّ أي إصلاح مصرفيّ سيظلّ قابلاً للإنزلاق إلى مجرّد ورقة تفاوضيّة في مسار صندوق النقد الدوليّ، بدلاً من أن يكون خريطة طريق حقيقيّة نحو التعافي الاقتصاديّ المنشود. ويبقى السؤال الأبرز معلّقاً في الأفق: هل يمتلك الفاعلون السياسيّون الجرأة الكافية لإقرار تشريع مؤلم اجتماعيّاً واقتصاديّاً، أم ستظل الإصلاحات رهينة بتوازنات القوى التي أوصلت لبنان إلى هذه الهاوية الماليّة؟




