الجمعة 28 أغسطس 2026 بيروت
النشرة البريدية
تحليل سياسي واقتصادي معمّق — بيروت
اشترك
28 أغسطس 2026·بيروت النشرة
الملف الاستراتيجي
الأقسام النشرة
الأرشيف والخدمات
الرئيسيةازمة لبنان
ازمة لبنان

الأمن العام اللبنانيّ: إحدى وثمانون عاماً من صون الهوية الوطنيّة والوجود | بقلم د. رنا منصور

تحلّ الذكرى الحادية والثمانون لتأسيس المديريّة العامة للأمن العام اللبنانيّ، ولا شك أنّ من يُمعن النظر في مسيرة هذه المؤسسة العتيدة يُدرك أنّه أمام حالةٍ مؤسّساتيةٍ فريدةٍ تستحق الدراسة والتأمّل، لا من زاوية الإحتفاء البروتوكوليّ فحسب، بل من منطلق تحليليّ رصين يتقصّى أثر هذه المؤسسة في بنية الدولة اللبنانيّة، وفي صياغة مفهومها للأمن بمعناه الشامل.

لقد اضطلعت المديريّة العامة للأمن العام، منذ نشأتها في مطلع أربعينيّات القرن المنصرم، بدورٍ محوريٍّ في تثبيت أركان الكيان اللبنانيّ، إذ لم تكن مجرّد جهازٍ إداريٍّ وأمنيٍّ يُعنى بضبط حركة الأفراد عبر المنافذ، بل شكّلت إحدى اللبنات الأساس التي قامت عليها فكرة الدولة الوطنيّة في لبنان. فالدولة، في التحليل السياسيّ العميق، ليست مجرّد جغرافيةٍ ودستورٍ ومؤسّسات، بل هي قبل ذلك قدرةٌ على ممارسة السيادة الفعليّة على الإقليم والحدود والسكان؛ وهنا تحديداً تكمن قيمة الأمن العام اللبنانيّ، بوصفه الأداة الدستوريّة التي تُجسّد هذه السيادة في أبعادها اليوميّة الملموسة.

وإذا كانت المؤسّسات تُختبر في الأزمات لا في الأوقات العاديّة، فإنّ الأمن العام اللبنانيّ خرج من العقود الثمانية الماضية وقد راكم رصيداً اعتباريّاً رفيعاً، جعله محل ثقةٍ تتجاوز الإنقسامات الداخليّة والإصطفافات السياسيّة التي عانى منها لبنان طويلاً. وليس هذا الرصيد منحةً مجانيّة، بل هو حصيلة تراكمٍ مؤسّسيٍّ صلبٍ قوامه الإنضباط والإحتراف، وحصيلة مواكبةٍ واعيةٍ لتطوّر المهام الأمنيّة والإداريّة في عالمٍ متغيّر.

وفي تقديرنا أنّ أبرز ما يُميّز التجربة الأمنيّة اللبنانيّة في هذا المجال هو قدرتها على صوغ نموذجٍ خاصٍّ بها في إدارة الملفات الشائكة. فمسألة الحدود، على سبيل المثال، لم تكن يوماً في لبنان مسألةً تقنيّةً محضة، بل كانت ولا تزال من أعقد الإشكاليّات التي تتداخل فيها السيادة الوطنيّة بالتوازنات الإقليميّة والإلتزامات الدوليّة. ومع ذلك، استطاعت المديريّة العامة للأمن العام أن تُمسك بزمام هذا الملف بدقةٍ متناهية، وأن تُرسي قواعد عملٍ مؤسسيٍّ يضمن الأمن دون إخلالٍ بمتطلبات الإنفتاح الذي تقتضيه طبيعة لبنان الاقتصاديّة والثقافيّة.

وثمة بُعدٌ آخر يفرض نفسه عند الحديث عن الأمن العام اللبنانيّ، وهو البعد الإنسانيّ في أداء المهام الأمنيّة. فهذه المؤسسة، بما راكمته من خبراتٍ في التعامل مع موجات النزوح والهجرة منذ منتصف القرن الماضي وحتى يومنا هذا، قدّمت نموذجاً متميّزاً في المزاوجة بين الحزم الأمنيّ المطلوب لحماية السيادة، والإلتزام الأخلاقيّ بكرامة الإنسان وحقوقه.

إن هذا التوازن الدقيق بين بُعدَيْن كثيراً ما يُصوَّران على أنّهما متناقضان، هو في التحليل النهائيّ سمةُ الدول القويّة، لا الضعيفة. فالدولة التي تمتلك من الثقة بنفسها ما يكفي لأن تتعامل مع ملفات الهجرة والنزوح بعينٍ إنسانيّة، من دون أن تتخلّى عن صرامة القانون، هي دولةٌ واثقةٌ من شرعيّتها وقدرتها على الضبط. وهذا ما جسّدته المديريّة العامة للأمن العام في أكثر من محطة، إذ أثبتت أنّ المنظور الإنسانيّ ليس ترفاً يُستغنى عنه في العمل الأمنيّ، بل هو شرطٌ من شروط فعاليّته واستدامته.

وفي قلب هذه المنظومة المؤسّسيّة، تبرز شخصيّة المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير، الذي يتولى قيادة هذه المؤسسة الحساسة في واحدةٍ من أدقّ المراحل التي مرّ بها لبنان في تاريخه الحديث. ولعل أبرز ما يُسجَّل للواء شقير، في نظر المحلّلين والمتابعين، هو قدرته الفائقة على قراءة المرحلة بمتغيّراتها المحليّة والإقليميّة والدوليّة، وعلى توجيه دفة المؤسّسة وفق هذه القراءة، دون أن تفقد بوصلتها الوطنيّة أو تُحيّد عن مسارها الدستوريّ.

إنّ القيادة الحكيمة، في المنظور المؤسّسي، لا تُقاس بما يُحققه القائد من حضورٍ إعلاميٍّ أو مكاسب آنيّة، بل بقدرته على تحصين المؤسّسة من الداخل، وضمان استمراريّتها وكفاءتها في مختلف الظروف. ومن هذا المنطلق، فإنّ اللواء شقير قد نجح في ترسيخ نهجٍ مؤسّسيٍّ قوامه اللامركزيّة في اتّخاذ القرار، والاعتماد على الكفاءات، وتعزيز ثقافة القانون داخل المؤسّسة. وهي منجزاتٌ صامتةٌ قد لا تلفت انتباه المراقب العابر، لكنّها في عمقها هي التي تصنع الفارق بين مؤسّسةٍ صلبةٍ وأخرى هشة.

كما أنّ للواء شقير إسهاماً ملموساً في تكريس الدور التنسيقيّ للأمن العام مع سائر الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة. ففي بلدٍ تتعدّد فيه الأجهزة وتتقاطع فيه الإختصاصات، يُشكّل التناغم بين هذه المؤسّسات شرطاً أساسيّاً لتحقيق الأمن الشامل. وقد أدرك اللواء شقير منذ اليوم الأول لتوليه منصبه أنّ قوّة أي جهازٍ أمنيٍّ لا تكمن في انكفائه على نفسه، بل في انخراطه في منظومة عملٍ تكامليّةٍ تقودها الدولة وتجمعها أهدافٌ وطنيةٌ مشتركة.

وإذا كان السؤال الكبير الذي يواجه لبنان اليوم هو سؤال بناء الدولة واستعادة قدرتها على مواجهة التحديّات الوجوديّة، فإنّ المؤسّسات الأمنيّة الشرعيّة تتصدّر مقدّمات هذا السؤال، بوصفها العمود الفقري لأي مشروع إصلاحيٍّ جاد. فالإستقرار الأمنيّ ليس شرطاً للتنمية فقط، بل هو أيضاً نتيجةٌ لها؛ ولا أمن بلا دولةٍ قادرةٍ على حماية حدودها ومواطنيها، ولا دولة بلا مؤسّساتٍ أمنيّةٍ كفوءةٍ ونزيهة.

من هنا، فإنّ الذكرى الحادية والثمانين للأمن العام اللبنانيّ تُطرح اليوم بوصفها محطةً للنظر إلى المستقبل لا إلى الماضي فحسب. فالمؤسسة، بما راكمته من خبراتٍ وقدرات، مؤهلةٌ للاضطلاع بدورٍ رياديٍّ في أي تصورٍ مستقبليٍّ للبنان، سواء في ما يتّصل بإدارة الملفات السياديّة الكبرى، أو في ما يرتبط بتحديث الإدارة العامة وتطوير الخدمات المقدّمة للمواطنين.

وإنّنا، إذ نتقدّم بالتهنئة من اللواء حسن شقير ومن جميع ضباط المديريّة العامة للأمن العام ورتبائها وأفرادها، إنّما ننحني إجلالاً أمام إرادةٍ صلبةٍ وعقولٍ مستنيرةٍ تدرك معنى الوطن، وتعمل على حمايته بلا كللٍ أو ملل. وإنّ أصدق ما يُقدَّم في هذا المقام هو الدعاء بأن يُديم الله على لبنان نعمة الأمن والإستقرار، وأن يُوفّق القيّمين على هذه المؤسسة لمواصلة مسيرة العطاء.

في الختام، نؤكد أنّ الأمن العام اللبنانيّ ليس مجرد مؤسّسةٍ في سجل دوائر الدولة، بل هو تعبيرٌ عن إرادة اللبنانيّين في البقاء والإستمرار، وصون وجودهم الجماعيّ في منطقةٍ تعصف بها التحوّلات. وإنّ ما تحقّق خلال واحدٍ وثمانين عاماً من مسيرة هذه المؤسسة إنّما يضع الأجيال الصاعدة أمام مسؤوليّة الحفاظ على هذا الصرح، وتطويره بما يواكب متطلّبات العصر، ويمكّنه من أداء رسالته الوطنيّة السامية.

كل عامٍ والأمن العام اللبنانيّ، بقيادة اللواء حسن شقير وعموم العاملين فيه، سورٌ منيعٌ في وجه المخاطر، ونبعُ عطاءٍ لا ينضب لخدمة لبنان وشعبه، في ظل دولةٍ موحّدةٍ عادلة، حاضرةٍ بسلطتها الشرعيّة على كامل ترابها الوطنيّ.

mm
عن الكاتب د. رنا هاني منصور د. رنا هاني منصور دكتوراه في العلوم الاقتصادية- بنوك وتمويل أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية، كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال- الفرع الأول أمينة سر جمعية الخبراء الماليين عضو في اللجنة العلمية للجمعية اللبنانية لتقدم العلوم عضو في اللجنة الإستشارية لمجلة جويدي للإبتكار والتنمية والإستثمار لها أكثر من 150 مقال في العديد من المواضيع المالية، الاقتصادية، السياسية والاجتماعية
تبحث عن المزيد؟