الارتقاء من الدولة إِلى الوطن | بقلم هـنـري زغـيـب

مرارًا كرَّرتُ، من زاويتي الأُسبوعية في “النهار”، كلامًا عن جوهرِ الفرق بين الدولة والوطن، وكيف الدولةُ الصالحةُ سُلْطتُها تَبني صورة زاهية للوطن، فيما السُلْطة الفاسدة تُوهِنُ الدولة وتُشَوِّه صورة الوطن. وأَراني دومًا أُكرِّرها حيال ما يجري في بلَدنا من تشوُّهات، بسبب سُلْطةِ تجار ورجال أَعمال وسياسيين شخصانيين يوظِّفون الدولة في صالح مصالحهم عوض أَن يكونوا هم خُدَّام مصالح الدولة.
هذه السُلْطة الفاسدة هي التي تُهَجِّر أَبناءَ أَجيالنا الجديدة فيهُجُّون. وإِنما من الدولة يهُجُّون لا من الوطن، حتى إِذا بلغوا الـ”هناك” واستقرُّوا فيه معيشةً وعملًا وأَمنًا وأَمانًا، راحوا يحنُّون إِلى “هُنا” الوطن لا الدولة، وليس إِلى “هذه” الدولة.
هَجُّوا؟ نعم هَجُّوا، هربًا ورفْضًا وقَرَفًا وكُفْرًا. ولا يُلامون. الدولة قد تكون فندقًا، كأَيِّ فندقٍ لا تُحسِن إِدارتُهُ تأْمينَ متطلبات نزلائه، فيغادرونه إِلى فندق آخر أَكثرَ مواءَمةً وملاءَمة. لكنَّ الوطن ليس فندقًا نغادره، لأَنه هو لا يُغادرنا، فنحمله فينا أَنَّى كنا، على أَرضه أَو لدى أَيِّ مَهَاجر في الدنيا، ويبقى فينا الحنين إِلى جوهر الوطن: أَهلنا فيه، حضارته، تاريخه، طبيعته، أَعلامه. وهذه جميعُها تُفْسدها الدولة فيهجُّ أَبناؤُنا منها كدولة فاسدة، ولا يهُجُّون من وطنهم الناصع.
ومن معالِم الفساد (وما أَكثرها): لبنانيون يتنكَّرون لهوية لبنان وينتمون إِلى هوياتٍ أُخرى. يخرجون من الإِقطاع السياسي والديني في لبنان ليرتموا في إِقطاعات سياسية ودينية أُخرى. يستعيرون للبنان صفاتٍ أُخرى من الخارج غيرَ صفته، فيما الصحيح السليم الطبيعي أَلَّا تكون له إِلَّا صفةٌ واحدة وحيدة: “لبنان اللبناني”.
“لبنان اللبناني” انعزال؟ مش صحيح. أَبناءُ “لبنان اللبناني” هم الْكانوا أَركان النهضة العربية في مصر وسواها، والنهضة الأَدبية في الأَميركتين: “الرابطة القلمية” في نيويورك (1920)، و”العصبة الأَندلسية” في ساو باولو (1933). وأَبناء “لبنان اللبناني” هُمُ الْيُسجِّلون نجاحاتهم لدى دول العالم، في الطب والفلَك والعلوم العامة والآداب، فتسطع أَسماؤُهم ويَعرف العالَم أَنهم من لبنان.
شو يعني أَبناء “لبنان اللبناني”؟ يعني أَنهم أَبناءُ لبنان الوطن، لا لبنان هذه الدولة الفاسدة ولا أَبناء سُلْطتها المنخورة.
يعني شو كمان؟ يعني لبنان الهوية. والهوية يعطيها الوطن، ولا تعطي منها الدولة سوى “بطاقة” الهوية و”جواز” السفر. والغاضبُ على السلطة، كافرًا بها هاجًّا منها قرَفًا، قد يتخلَّى عن “البطاقة” و”الجواز” في جيبه، إِلى “بطاقة” أُخرى و”جواز” آخر و”جنسية” أُخرى في جيبه، لكنه لا يكون تخلَّى عن الوطن المتجذِّر فيه أَهلًا وحنينًا وحضارةً وتاريخًا وطبيعةً وأَعلامًا. إِنه يرفض لبنانَ سلطة الدولة الفاشلة لا لبنانَ الوطن الناجح. ويرفض أَن يعود إِلى هذه الدولة إِلَّا متى ارتقَت بسلوكها لتُنصِّع الوطن. الجميع، على أَرض لبنان ومدى مَهاجره في العالم، يُريدون إِنقاذ الوطن وهوية “لبنان اللبناني”، ويرفضُون الاعتراف بسُلْطة لا ترتقي إِلى مجد الوطن، بل تضمُّ في أَركانها ومؤَيديها وأَزلامها ومحاسيبها وزبائنييها وسياسييها مَن لا يعترفون، في شمخة جبين، بهوية “لبنان اللبناني”.
المطلوب اليوم، بإِلحاحٍ مصيريٍّ، لا أَن “نُنْشئ” دولة وسلطة، بل أَن نُنقذَ السُلْطةَ فالدولةَ من دينوصوراتها الدهريين، ونُنقذَ الهوية من يوضاسييها وپـيتانييها وسماسرتها وعملائها، بخلْعِهم يوم الانتخاب، وحرمانِهم من إِكمال ثَعلباتهم، وإِنقاذِ الهوية من براثنهم.
كلُّ الشفاء يبدأُ من هنا: صلابةُ الهوية وصوابُ الانتماء… ستنتهي هذه الحرب، وينكفئ عدوُّنا الْغادرُنا من أَول التاريخ، وتهدأُ الجبهات، ويتحوَّل الدمار إِلى عمار، بفضل دينامية اللبناني الفريدة في العالم. يبقى عندذاك أَن تتعلَّمَ الدولةُ كيف تكونُ دولةَ شعبٍ واحدٍ وجيشٍ وحيدٍ وقرارٍ موحَّد، فتفرض هَيْبتها، ويؤْمن شعبها بسُلْطتها غير المنخورة، ويعودُ لبنان “اللبناني” إِلى لبنان.
وهذا لن يكون إِلَّا بمسْلكٍ واحدٍ أَحد: الارتقاء من الدولة إِلى الوطن.




