في لحظات الأزمات الكبرى، لا تُقاس قيمة الخطاب السياسيّ بارتفاع نبرته، ولا بقدرته على تسجيل النقاط في السجال الداخليّ، وإنّما بمدى نجاحه في استعادة البوصلة الوطنيّة، ووضع الأولوّيات في نصابها الصحيح. ومن هذا المنظور، جاءت الكلمة التي ألقاها رئيس مجلس النواب نبيه بري في الذكرى الثامنة والأربعين لتغيّيب الإمام السيد موسى الصدر ورفيقَيْه، لتتجاوز كونها خطاباً في مناسبة سياسيّة أو دينيّة، وتطرح نفسها بوصفها مقاربة متكاملة لجملة من أكثر القضايا حساسيّة في لبنان: حماية السلم الأهليّ، وصون الوحدة الوطنيّة، والدفاع عن الجنوب، وإعادة إعمار ما دمّره العدوان، والحفاظ على صيغة العيش المشترك التي تشكّل جوهر التجربة اللبنانيّة.
ولعلّ أبرز ما يلفت في هذه الكلمة أنّها أعادت وضع الخلافات السياسيّة، على أهميّتها، في مرتبة تالية للمصلحة الوطنيّة العليا. ففي بلد أنهكته الإنقسامات وتعدّدت فيه المشاريع والهواجس، تبدو الدعوة إلى مقاربة العدوان الإسرائيليّ بعيداً عن الحسابات المناطقيّة والحزبيّة والطائفيّة والمذهبيّة أكثر من مجرّد موقف سياسيّ؛ إنّها دعوة إلى استعادة معنى الدولة والمواطنة، وإلى عدم السماح للعدوان الخارجيّ بأن يتحوّل إلى مناسبة لإعادة إنتاج الإنقسام الداخليّ.
وقد أصاب الرئيس بري جوهر المسألة عندما حذّر من أنّ الهدف الإسرائيليّ لا ينبغي اختزاله في جهة لبنانيّة بعينها، بل إنّ الخطر الأعمق يكمن في تحويل الصراع مع إسرائيل إلى فتنة لبنانيّة داخليّة. وهذه قراءة سياسيّة تستحق التوقف عندها، لأنّ التاريخ اللبنانيّ يُعلّمنا أنّ أخطر ما يُمكن أن يواجهه الوطن ليس الإختلاف في المواقف، بل تحوّل الإختلاف إلى قطيعة بين مكوّناته، أو إلى صراع يستنزف الدولة والمجتمع معاً.
إنّ درء الفتنة ليس موقفاً ظرفيّاً، بل مسؤوليّة وطنيّة دائمة. والعيش المشترك في لبنان لا يمكن أن يبقى مجرّد عبارة تُستعاد في المناسبات، وإنّما ينبغي أن يكون قاعدة فعل سياسيّ وممارسة يوميّة. فلبنان لا يستطيع أن يحمي نفسه إذا تحوّلت طوائفه إلى جزر سياسيّة متقابلة، ولا يستطيع مواجهة المخاطر الخارجيّة إذا أصبح كل مكوّن ينظر إلى الآخر بوصفه خصماً أو مشروع تهديد. ومن هنا تكتسب الدعوة إلى السلم الأهليّ والوحدة الوطنيّة معناها الحقيقيّ، خصوصاً عندما تقترن بالتأكيد على أنّ الجيش اللبنانيّ مؤسّسة وطنيّة جامعة، وأنّ المساس به أو إضعاف الثقة بدوره يضرّ بمصلحة اللبنانيّين جميعاً.
وفي هذا السياق، تبدو الإشارة إلى اتّفاق الطائف ذات دلالة سياسيّة عميقة. فبصرف النظر عن المواقف المختلفة من كيفيّة تطبيق الطائف أو تقيّيم المرحلة التي أعقبته، فإنّ الحفاظ على الإطار الدستوريّ الذي أنهى الحرب الأهليّة يبقى، في ظل الظروف اللبنانيّة الراهنة، عاملاً أساسيّاً في منع الإنزلاق نحو مشاريع التقسيم أو الفدرلة أو إعادة إنتاج الإنقسام تحت عناوين جديدة. إنّ الإصلاح السياسيّ ضرورة لبنانيّة لا خلاف عليها، لكنّ الإصلاح شيء، والمغامرة بأُسس الكيان ووحدته شيء آخر تماماً.
أمّا الجنوب، فقد احتلّ موقعاً مركزيّاً في كلمة الرئيس بري، وهو أمر طبيعيّ في خطاب يأتي من رجل ارتبط إسمه سياسيّاً وتاريخيّاً بهذه المنطقة وقضاياها. غير أنّ أهميّة الطرح لا تتوقّف عند البعد المناطقيّ، بل تكمن في التأكيد على أنّ الجنوب ليس قضيّة تخص أبناءه وحدهم، وإنّما هو جزء أصيل من القضيّة الوطنيّة اللبنانيّة.
فالجنوب، في الرؤية التي عبّر عنها بري، ليس مساحة جغرافيّة قابلة للتقسيم السياسيّ أو الأمنيّ، ولا يجوز التعامل معه باعتباره منطقة اختبار لمعادلات أو ترتيبات لا تحظى بإجماع وطنيّ. وهذه النقطة تحديداً تستحق أن تكون موضع توافق لبنانيّ واسع: حماية الجنوب ليست دفاعاً عن منطقة دون أخرى، وإعادة إعماره ليست خدمة لفئة أو طائفة، بل هي واجب وطنيّ يقع على عاتق الدولة ومؤسّساتها، لأنّ الإعتداء على أي قرية أو مدينة لبنانيّة هو اعتداء على جزء من لبنان نفسه.
ومن هنا، فإنّ معركة إعادة إعمار الجنوب ينبغي أن تكون في صلب الأولويّات الوطنيّة. فالبيوت التي تهدّمت، والمدارس التي تعطّلت، والمرافق الصحيّة التي تضرّرت، والحقول التي أصابها الدمار، ليست مجرّد أرقام في تقارير الخسائر؛ إنّها حياة الناس وذاكرتهم ومصادر رزقهم ومستقبل أبنائهم. وإعادة الإعمار، بهذا المعنى، ليست عمليّة هندسيّة أو ماليّة فحسب، بل فعل سياسيّ واجتماعيّ يُعيد تثبيت الإنسان في أرضه، ويؤكّد أنّ الإعتداء لا يستطيع اقتلاع السكان من جذورهم ولا تحويل مناطق لبنانيّة إلى مناطق منزوعة من أهلها.
وهنا تبرز أهميّة الدولة بكلّ مؤسّساتها. فالدفاع عن الجنوب وإعادة إعمار ما دمّره العدوان يجب أن يتحوّلا إلى مشروع وطنيّ جامع تشترك فيه المؤسسات الدستوريّة والجيش والأجهزة المختصة والقطاع الخاص والمغتربون والدول الصديقة، ضمن رؤية واضحة وشفّافة تضع احتياجات الناس فوق الحسابات السياسيّة. إنّ الجنوب يحتاج إلى إعادة بناء الحجر، لكنّه يحتاج بالقدر نفسه إلى استعادة الثقة بالمستقبل.
ومن اللافت أيضاً في كلمة الرئيس بري تمسّكه بحق لبنان في متابعة القضايا المتعلّقة بالإعتداءات الإسرائيليّة أمام الجهات القانونيّة والقضائيّة المختصة. وهذه المسألة ينبغي النظر إليها من زاوية سيادة الدولة وحقوقها، بعيداً عن التجاذب السياسيّ. فالدول لا تحفظ حقوقها بالقوة وحدها، وإنّما كذلك بالوثائق والقانون والقضاء والمؤسّسات الدوليّة، ومن حق لبنان أن يوثّق ما يتعرّض له من اعتداءات وأن يُطالب بحماية حقوقه ومحاسبة من تثبت مسؤوليّته وفق الأطر القانونيّة المتاحة.
ولعلّ القيمة الأبرز في الخطاب كلّه تكمن في محاولة الجمع بين مستويَيْن غالباً ما يجري الفصل بينهما في النقاش اللبنانيّ: حماية الجنوب وحماية الوحدة الداخليّة. فليس المطلوب، وفق هذه الرؤية، أن تكون مواجهة الخطر الخارجيّ مدخلاً لتعطيل الحياة السياسية أو إلغاء التعدّد اللبنانيّ، كما لا ينبغي أن يتحوّل الخلاف الداخليّ إلى ثغرة يستفيد منها العدو. المعادلة الأكثر حكمة هي أن يحمي اللبنانيّون وحدتهم وهم يدافعون عن أرضهم، وأن تكون الدولة هي الإطار الذي تنتظم داخله الحقوق والمسؤوليّات.
وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال الدور الذي لعبه الرئيس نبيه بري طوال عقود في إدارة المساحات الشائكة في السياسة اللبنانيّة. فقد أثبت، في محطات متعدّدة، قدرته على التواصل مع قوى واتجاهات سياسيّة متباينة، وعلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة عندما كانت لغة القطيعة هي السائدة. وهذه القدرة على إدارة التناقضات اللبنانيّة، بما فيها من صعوبة وتعقيد، جعلت منه واحداً من أبرز الشخصيّات السياسيّة القادرة على قراءة التوازنات الداخليّة والتعامل معها بواقعيّة.
وتبرز أهميّة هذا الدور بصورة خاصة في بلد لا تقوم تركيبته على الغالب والمغلوب، بل على التوافق والتوازن والشراكة. فالموقع السياسيّ الفاعل في لبنان لا يُقاس فقط بحجم القوة الشعبيّة أو التنظيميّة، وإنّما أيضاً بالقدرة على مخاطبة الآخرين والإستماع إلى هواجسهم والبحث عن نقاط الإلتقاء بينهم. ومن هذه الزاوية يمكن فهم تمسّك بري بالحوار وبالسلم الأهليّ باعتبارهما أدوات أساسيّة لحماية لبنان من الإنقسام.
إنّ وصف بري بأنّه قامة وطنية كبيرة لا ينبغي أن يكون مجرّد مجاملة سياسيّة؛ فقيمة أي شخصية وطنيّة تُقاس بقدرتها على العمل في المساحات التي تفصل اللبنانيّين لا في المساحات التي تجمع أبناء البيئة السياسيّة الواحدة فقط. والرجل الذي يراكم خلال سنوات طويلة علاقات مع مختلف القوى اللبنانيّة ويستطيع إبقاء باب التواصل مفتوحاً في أشدّ الأوقات توتّراً، يؤدّي حُكماً وظيفة تتجاوز موقعه الحزبيّ أو الطائفيّ المباشر.
وفي المقابل، فإنّ الإنصاف السياسيّ يقتضي أن يُفهم الحديث عن دوره الوطنيّ ضمن حقيقة أنّ لبنان بلد تعدّدي، وأنّ الإختلاف حول سياسات أي شخصيّة سياسيّة أمر طبيعيّ ومشروع. لكن هذا لا يلغي أهميّة الدور التوافقيّ الذي يمكن أن تؤدّيه الشخصيّات القادرة على تخفيف الإحتقان وفتح قنوات الحوار. وفي حالة الرئيس بري، تكمن إحدى نقاط قوّته السياسيّة في قدرته على التحرّك ضمن هذا الهامش الوسطيّ، وعلى إبقاء موقعه حاضراً في المعادلات الداخليّة والإقليميّة ذات الصلة بلبنان.
ومن هنا، فإنّ الإشادة بدوره لا ينبغي أن تقوم على تحويله إلى شخصيّة فوق النقد أو الإختلاف، وإنّما على تقدير ما يُمثّله من خبرة سياسيّة طويلة في بلد يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى إدارة الخلاف لا إلى تعميقه. فالسياسة اللبنانيّة لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تقسم اللبنانيّين إلى معسكرات مغلقة، بل إلى شخصيّات تستطيع أن تتحدّث مع الجميع، وأن تضع مصلحة الدولة فوق الإعتبارات الآنيّة عندما تشتد الأزمات.
كما أنّ استحضار الإمام موسى الصدر في هذه المناسبة يمنح الخطاب بعداً يتجاوز السياسة اليوميّة. فالإمام الصدر، في الذاكرة اللبنانيّة، ارتبط بفكرة الإنسان وكرامته، وبالدفاع عن المحرومين، وبالتأكيد على لبنان الواحد. ومن هذه الزاوية، فإنّ تحويل ذكرى تغيّيبه إلى مناسبة لتجديد الإلتزام بحفظ الوطن يُمثّل امتداداً لمعنى أعمق من مجرّد إحياء ذكرى تاريخيّة: إنّه تذكير بأنّ قضيّة الإمام الصدر لا تنفصل عن قضيّة لبنان نفسه.
ولذلك فإنّ عبارة «أمانة وطن» التي حملتها المناسبة تبدو عنواناً بالغ الدلالة. فالأمانة هنا ليست فقط أمانة الكشف عن مصير الإمام الصدر ورفيقَيْه، وإنّما أمانة حفظ لبنان أيضاً؛ لبنان الذي أراد له الإمام الصدر أن يكون وطناً لجميع أبنائه، لا ساحة مفتوحة للصراعات الإقليميّة والدوليّة، ولا ضحيّة دائمة للإنقسامات الداخليّة.
إنّ لبنان اليوم يحتاج إلى هذا النوع من الخطاب: خطاب يضع الإنسان قبل الحسابات، والوطن قبل الإصطفافات، والجنوب داخل لبنان لا خارجه، والدولة بوصفها إطاراً جامعاً لا طرفاً في صراع أبنائها. ويحتاج كذلك إلى إرادة سياسيّة تجعل إعادة إعمار المناطق المتضرّرة مشروعاً وطنيّاً لا ورقة تفاوضيّة، وتحمي الجيش ومؤسّسات الدولة، وتصون اتفاق الطائف، وتفتح أبواب الحوار بين اللبنانيّين مهما بلغت الخلافات بينهم.
في الخلاصة، جاءت كلمة الرئيس نبيه بري في ذكرى تغيّيب الإمام موسى الصدر لتضع مجموعة من العناوين التي لا يمكن فصل بعضها عن بعض: لا دفاع عن الجنوب من دون وحدة وطنيّة، ولا وحدة وطنيّة من دون سلم أهليّ، ولا سلم أهليّ من دون دولة ومؤسّسات، ولا دولة قويّة من دون احترام التعدّد والعيش المشترك، ولا نهوض حقيقيّ من دون إعادة إعمار الجنوب وتثبيت أهله في أرضهم.
وتبقى الرسالة الأبرز أنّ لبنان لا يستطيع أن ينتصر على أزماته إذا سمح لها بأن تتحوّل إلى حرب بين أبنائه. إنّ مواجهة الخطر الإسرائيليّ، وإعادة بناء الجنوب، وحماية السيادة، وصون العيش المشترك، كلّها قضايا وطنيّة ينبغي أن تتّسع للجميع. وفي هذا المسار تبرز قيمة الدور الذي يضطلع به الرئيس نبيه بري بما راكمه من خبرة سياسيّة وقدرة على التواصل والحوار وإدارة التناقضات، وبما يُمثّله من حضور قادر على لعب دور جامع في لحظات الإنقسام.
لقد كان جوهر الكلمة، في نهاية المطاف، دعوة إلى عدم التفريط بلبنان تحت أي ظرف: لبنان الواحد، المتنوّع، المتماسك، الذي يكون فيه الجنوب جزءاً من قلب الوطن لا هامشاً على أطرافه. وهذه هي، قبل أي عنوان آخر، أمانة الوطن التي ينبغي أن يحملها اللبنانيّون جميعاً.




