ازمة لبنانالاحدث
بيان سينودس الكنيسة المارونية: قراءة في الهواجس الوطنية وتحديات الترجمة العملية | بقلم الأب ألبر حبيب عسّاف

جاء البيان الختامي الأخير للكنيسة المارونية في مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان، حيث تتقاطع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع تحولات ديموغرافية وثقافية عميقة تطال المجتمع اللبناني عموماً والجماعة المارونية خصوصاً. ومن هذا المنطلق، يمكن مقاربة البيان من زاويتين متكاملتين: الأولى تتصل بمدى استجابته للهواجس الوطنية والوجودية التي تشغل أبناء الكنيسة، والثانية تتعلق بقدرته على الانتقال من مستوى التشخيص وإعلان المبادئ إلى مستوى المبادرات والإجراءات العملية.
أولاً: استجابة واضحة للهواجس الوطنية
يبرز في البيان اهتمام ملحوظ بقضايا الدولة والسيادة والمؤسسات الشرعية، وهي موضوعات احتلت موقعاً محورياً في الفكر السياسي الماروني الحديث منذ نشوء دولة لبنان الكبير. فالتركيز على حصرية السلاح بيد الدولة، ودعم الجيش اللبناني، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، لا يندرج فقط ضمن موقف سياسي ظرفي، بل يعكس رؤية تاريخية تعتبر أن استقرار لبنان وتعدديته يرتبطان بقيام دولة قوية وعادلة وقادرة.
وتكتسب هذه المواقف أهمية إضافية في ظل ما شهده لبنان خلال السنوات الأخيرة من انهيار اقتصادي غير مسبوق، وتراجع في فاعلية المؤسسات العامة، وتنامي الشعور بعدم اليقين لدى شرائح واسعة من اللبنانيين. لذلك يمكن اعتبار تأكيد هذه الثوابت محاولة لطمأنة الرأي العام الماروني بأن الكنيسة ما زالت تنظر إلى الدولة باعتبارها الإطار الضامن للعيش المشترك ولحماية الحريات والتنوع.
ثانياً: الهجرة بوصفها تحدياً وجودياً
لم يغفل البيان إحدى أكثر القضايا إلحاحاً في الواقع اللبناني الراهن، وهي ظاهرة الهجرة المتزايدة، ولا سيما بين الشباب وأصحاب الكفاءات. فالكنيسة تدرك أن النزف البشري المستمر لا يشكل مجرد أزمة اجتماعية أو اقتصادية، بل يمسّ مباشرة استمرارية الحضور المسيحي في لبنان ودور الشباب في تجديد الحياة الوطنية.
وفي هذا السياق، جاءت الدعوات إلى دعم العائلات، وتحفيز الاستثمار، وخلق فرص العمل، تعبيراً عن وعي بحجم المشكلة. غير أن التحدي الأساسي يبقى في كيفية تحويل هذه العناوين إلى برامج ملموسة تتيح للشباب استعادة الثقة بإمكان بناء مستقبلهم داخل الوطن.
ثالثاً: الانتشار الماروني من الدعم إلى الشراكة
من أبرز ما يلفت الانتباه في البيان الحيز الواسع الذي خصصه لموارنة الانتشار. فالكنيسة تبدو أكثر إدراكاً اليوم للتحولات التي شهدها الواقع الديموغرافي الماروني خلال العقود الأخيرة، حيث أصبح الانتشار يشكل امتداداً أساسياً للحضور الماروني في العالم.
ومن هنا، فإن الحديث عن إعداد كهنة للخدمة في بلدان الاغتراب، وتشجيع المنتشرين على الاستثمار والمشاركة في الحياة الكنسية والوطنية، يعكس انتقالاً تدريجياً من مقاربة تعتبر الانتشار مصدراً للدعم المالي والمعنوي إلى رؤية أوسع تنظر إليه كشريك فعلي في صياغة مستقبل الكنيسة ورسالتها.
رابعاً: البعد الاجتماعي وحقوق المودعين
حضر الملف الاقتصادي في البيان من خلال التأكيد على ضرورة إعادة هيكلة القطاع المصرفي وضمان حقوق المودعين. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن أزمة الودائع لم تعد مجرد مسألة مالية، بل تحولت إلى قضية تتصل بالعدالة والثقة بالنظامين الاقتصادي والسياسي على حد سواء.
وفي هذا الإطار، يعكس الموقف الكنسي إدراكاً لحجم المعاناة التي طالت عشرات آلاف العائلات اللبنانية التي فقدت مدخراتها أو جزءاً كبيراً منها، وما ترتب على ذلك من اهتزاز في الاستقرار الاجتماعي.
خامساً: نحو كنيسة أكثر قرباً من الإنسان
يحمل الجزء الرعوي من البيان دلالات لا تقل أهمية عن مضمونه الوطني. فالحديث عن كنيسة تصغي وترافق وتحفظ الكرامة وتمنح الرجاء يعكس وعياً متزايداً بالتحديات التي تواجه المؤسسات الدينية في عالم يشهد تغيرات ثقافية متسارعة وتراجعاً في ثقة الناس بالمؤسسات التقليدية.
ويبدو أن الكنيسة تسعى إلى إعادة تأكيد دورها الروحي والاجتماعي، ليس فقط كمؤسسة تعليمية أو رعوية، بل كمساحة مرافقة للإنسان في أزماته اليومية وتطلعاته المستقبلية.
بين الرؤية والتنفيذ
على الرغم من الإيجابيات التي تضمنها البيان، فإن بعض المراقبين يرون أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد صدوره. فالوثيقة تطرح رؤية متكاملة نسبياً، لكنها تترك أسئلة مفتوحة حول آليات التنفيذ ومواعيده وأدواته.
ويبرز هذا الأمر بصورة خاصة في ما يتعلق بمفهوم “السينودسية” الذي يحتل مكانة أساسية في الخطاب الكنسي المعاصر. فثمة تساؤلات مشروعة حول طبيعة مشاركة العلمانيين في صنع القرار، ومستقبل الحوكمة الكنسية، وسبل تعزيز الشفافية الإدارية والمالية. كما أن تشخيص أزمة الشباب والهجرة، على أهميته، لا يوازيه بعدُ عرض واضح لمبادرات قادرة على التأثير المباشر في خيارات الأجيال الجديدة.
كذلك يلاحظ بعض أبناء الانتشار، ولا سيما في المجتمعات الغربية، غياب نقاش أوسع لقضايا باتت تشغل حيزاً متزايداً من اهتمامهم، مثل دور المرأة في الحياة الكنسية، وآليات المساءلة والشفافية، وسبل التواصل مع أجيال جديدة تتراجع فيها الروابط التقليدية مع المؤسسات الدينية.
كيف سيتلقى الموارنة هذا البيان؟
من المرجح أن تتفاوت ردود الفعل تجاه البيان بين ثلاث مقاربات أساسية.
فهناك فئة ستنظر إليه بوصفه استمراراً للنهج التاريخي الذي اعتمدته بكركي في الدفاع عن الدولة والسيادة والعيش المشترك. وهناك فئة
ثانية، ربما هي الأوسع، ستتلقاه بإيجابية مشوبة بالحذر، معتبرة أن أهمية البيان ستُقاس بمدى ترجمة مضامينه إلى خطوات ملموسة. أما
الفئة الثالثة، وخصوصاً بين بعض الشباب في بلدان الاغتراب، فقد ترى أن الخطاب ما زال أقرب إلى لغة المؤسسات منه إلى لغة التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشونها يومياً.
خاتمة
يؤكد البيان أن الكنيسة المارونية ما زالت تنظر إلى نفسها كجزء فاعل من المسار الوطني اللبناني، وكمرجعية روحية معنية بمصير الإنسان والمجتمع والدولة. وقد نجح في ملامسة معظم الهواجس التي تشغل أبناء الكنيسة، من السيادة والدولة إلى الهجرة والانهيار الاقتصادي ودور الانتشار.
غير أن المرحلة المقبلة ستبقى مرتبطة بقدرة هذه الرؤية على التحول إلى سياسات رعوية ومبادرات اجتماعية وآليات مؤسساتية واضحة. فالتحدي لم يعد في تشخيص الأزمات فحسب، بل في إنتاج مسارات عملية تعيد الثقة إلى الناس وتمنحهم أسباباً إضافية للتمسك بالوطن والرجاء بالمستقبل.




