لم يعد السؤال في لبنان ما إذا كان المواطن قادرًا على تحمّل المزيد من الأزمات، بل إلى متى يستطيع الاستمرار في مواجهة أعباء المعيشة وتراجع فرص العمل والقلق على المستقبل، في ظل واقع اقتصادي واجتماعي يفرض على الدولة الانتقال من إدارة الأزمات إلى وضع مشروع إنقاذ حقيقي.
فالأزمة اللبنانية لم تعد مجرّد أرقام في تقارير مالية، ولا مسألة تتعلّق بسعر صرف العملة أو حجم الدين العام. لقد أصبحت أزمة تمسّ حياة الناس وكرامتهم، وتؤثّر في العائلات والشباب والطلاب وأصحاب المؤسسات الصغيرة، وتطرح تساؤلات جدّية حول قدرة الاقتصاد على توفير الاستقرار والعدالة الاجتماعية.
والأخطر من ذلك أن استمرار الأزمات من دون حلول مستدامة يهدّد بتحويل الصعوبات الاستثنائية إلى واقع دائم، يصبح فيه البحث عن فرصة عمل أو تأمين التعليم والاستشفاء أو التخطيط للمستقبل تحدّيًا يوميًا.
أرقام تكشف عمق الأزمة
تكشف بيانات البنك الدولي حجم التراجع الاجتماعي الذي أصاب لبنان خلال السنوات الماضية. فقد أظهر تقرير تقييم الفقر والإنصاف لعام 2024 أن نسبة الفقر في المناطق التي شملتها الدراسة ارتفعت من 12% عام 2012 إلى 44% عام 2022، فيما وصلت نسبة الفقر بين اللبنانيين في تلك المناطق إلى 33%.
هذه الأرقام، رغم أنها تعود إلى عام 2022 ولا تمثّل قياسًا مباشرًا للوضع الراهن، تكشف حجم الضرر الذي خلّفته الأزمة الاقتصادية والمالية، وتؤكد أن التعافي لا يمكن أن يقتصر على تحسّن بعض المؤشرات الاقتصادية، بل يجب أن ينعكس على حياة المواطنين.
وفي تطوّر أكثر خطورة، أشار البنك الدولي في آب 2026 إلى أن تجدد النزاع أوقف مسار التعافي الهش، وتوقّع انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% خلال العام نفسه. وهذا يعني أن لبنان يواجه تحدّيًا مزدوجًا: معالجة الأزمات المتراكمة، والتعامل مع الأضرار الجديدة التي تطال النشاط الاقتصادي والبنية التحتية وفرص الاستثمار.
إنّ هذه المعطيات تضع المسؤولين أمام مسؤولية واضحة: لا يمكن بناء تعافٍ مستدام من دون حماية المجتمع، وإعادة الثقة، وتوفير بيئة تسمح للاقتصاد بالإنتاج والنمو.
المواطن بين تراجع القدرة الشرائية وغياب الأمان الاجتماعي
حين ترتفع كلفة المعيشة بوتيرة تتجاوز قدرة الأسر على تحمّلها، يصبح الدخل الشهري عاجزًا عن تأمين الاحتياجات الأساسية. وحين تتراجع فرص العمل المستقر، يجد الشباب أنفسهم أمام خيارات محدودة، فيلجأ بعضهم إلى الهجرة، فيما يضطر آخرون إلى قبول أعمال لا تتناسب مع مؤهلاتهم وطموحاتهم.
ولا تتوقف آثار هذه الأزمة عند حدود الدخل. فالأعباء الاقتصادية تنعكس على التعليم والصحة والاستقرار الأسري، وتضعف قدرة العائلات على الاستثمار في مستقبل أبنائها. كما تتأثر المؤسسات الصغيرة التي تشكّل مصدر رزق لعدد كبير من اللبنانيين، فتتراجع قدرتها على التوظيف والتوسّع والاستمرار.
من هنا، يجب أن يكون الإنسان محور أي سياسة اقتصادية. فلا قيمة لنمو لا يخلق فرص عمل، ولا جدوى من إصلاح مالي لا ينعكس على الخدمات الأساسية، ولا معنى للاستقرار إذا بقيت فئات واسعة من المجتمع عاجزة عن التخطيط لمستقبلها.
أولًا: استعادة الثقة وإصلاح النظام المالي
لا يمكن للاقتصاد اللبناني أن يستعيد عافيته من دون استعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها والنظام المالي. وهذه الثقة لا تُبنى بالوعود، بل بقرارات واضحة وقوانين عادلة وتطبيق فعلي للمحاسبة والشفافية.
ويُعدّ ملف الودائع المصرفية من أبرز الملفات التي تتطلّب حلًا عادلًا وشفافًا، يحدّد المسؤوليات والخسائر وآليات المعالجة، ويحمي حقوق المودعين وفق إطار قانوني ومالي قابل للتنفيذ. كما أن الإصلاحات المالية والمصرفية ضرورية لتهيئة الظروف أمام عودة التمويل والاستثمار بصورة مستدامة.
كذلك، ينبغي تعزيز استقلالية القضاء، ومكافحة الفساد، وتطوير الرقابة على الإنفاق العام، ونشر المعلومات المتعلقة بالموازنات والعقود والمشاريع الحكومية.
فلا يمكن مطالبة المواطن بالثقة بالاقتصاد فيما تبقى حقوقه المالية غير محسومة، ولا يمكن إقناع المستثمر بتوظيف أمواله في بلد لا يعرف فيه بوضوح القواعد التي تحكم عمله.
ثانيًا: الانتقال من اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج
يحتاج لبنان إلى إعادة بناء اقتصاده على أساس الإنتاج لا الاستهلاك وحده. فالاعتماد الكبير على الاستيراد، من دون تنمية قطاعات محلية قادرة على المنافسة، يحدّ من فرص العمل ويجعل الاقتصاد أكثر تأثرًا بالتقلّبات الخارجية.
ويمتلك لبنان إمكانات في الزراعة والصناعات الغذائية والصناعات الصغيرة والسياحة والخدمات المهنية والتكنولوجيا. لكن هذه الإمكانات تحتاج إلى خطة متكاملة لتخفيف كلفة الإنتاج، وتحسين البنية التحتية، وتسهيل المعاملات، وتوفير التمويل، وفتح الأسواق أمام المنتجات اللبنانية.
في القطاع الزراعي، يمكن دعم المزارعين من خلال تطوير شبكات التخزين والتوضيب والتصنيع والتسويق. وفي القطاع الصناعي، ينبغي تشجيع المؤسسات على تحديث معداتها وتحسين جودة منتجاتها وزيادة صادراتها. أما السياحة، فيمكن أن تكون محرّكًا للتنمية المحلية إذا ارتبطت بدعم المناطق الريفية والتراثية والطبيعية، وبتوفير الاستقرار والخدمات المناسبة.
والمطلوب ليس إغلاق الأسواق أمام المنتجات الخارجية، بل بناء اقتصاد يستطيع إنتاج المزيد، وخلق فرص عمل أفضل، وزيادة قدرته على المنافسة.
ثالثًا: الوظائف والأجور وحماية الطبقة الوسطى
لا يمكن الحديث عن التعافي فيما يبقى المواطن عاجزًا عن تأمين حياة كريمة من عمله. لذلك، يجب أن تتضمّن أي خطة اقتصادية برنامجًا واضحًا لخلق فرص العمل وتحسين الإنتاجية وحماية الأجور الحقيقية.
ويبدأ ذلك بدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل انتقال الأعمال غير الرسمية إلى الاقتصاد المنظّم، وتخفيف الأعباء الإدارية غير الضرورية، وربط الحوافز التي تقدّمها الدولة بنتائج ملموسة، مثل خلق وظائف جديدة وتدريب العاملين وتوسيع الإنتاج.
كما ينبغي تطوير التدريب المهني والتقني بما يتناسب مع حاجات السوق، وإقامة شراكات بين المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص، حتى لا تبقى الشهادات بعيدة عن متطلبات الوظائف الفعلية.
أما الطبقة الوسطى، التي تضرّرت بشدة من الأزمة، فيجب أن تكون جزءًا أساسيًا من سياسات التعافي. فوجودها يعزّز الاستقرار الاجتماعي، ويدعم الاستهلاك المسؤول، ويمنح الاقتصاد قاعدة أوسع للنمو.
رابعًا: إصلاح الإدارة العامة وتفعيل دور البلديات
لا يمكن بناء اقتصاد حديث بإدارة مترهّلة ومعاملات معقّدة وقرارات غير واضحة. فالإدارة العامة الفعّالة ليست تفصيلًا ثانويًا، بل شرط أساسي لتحسين الخدمات وجذب الاستثمارات ومكافحة الفساد.
ومن الضروري تطوير الخدمات الإلكترونية، وتبسيط إجراءات تأسيس المؤسسات، وتعزيز التوظيف على أساس الكفاءة والحاجة، وربط الإنفاق العام بنتائج يمكن قياسها.
كما يمكن للبلديات أن تؤدي دورًا مهمًا في التنمية المحلية، من خلال تنظيم الأسواق، وتحسين الخدمات، ودعم المشاريع الصغيرة، وتطوير السياحة الريفية، والتعاون مع القطاع الخاص ضمن قواعد شفافة.
إنّ التنمية لا تبدأ دائمًا بمشاريع ضخمة؛ فقد يكون لمشروع محلي مدروس، يوفّر فرص عمل ويعالج حاجة فعلية، أثر مباشر في حياة المواطنين. لكن نجاح هذه المبادرات يتطلّب تمويلًا واضحًا ورقابة ومحاسبة.
خامسًا: التعليم والصحة ليسا عبئًا على الاقتصاد
من الأخطاء التي ينبغي تجاوزها النظر إلى التعليم والصحة والحماية الاجتماعية بوصفها نفقات يمكن تقليصها كلما اشتدّت الأزمة. فهذه القطاعات تشكّل أساس رأس المال البشري الذي يحتاج إليه أي اقتصاد يريد النهوض.
إنّ إضعاف المدرسة الرسمية، وتراجع قدرة الأسر على تحمّل تكاليف التعليم والاستشفاء، وغياب التدريب المرتبط بسوق العمل، كلها عوامل تضعف الإنتاجية وتزيد الفوارق الاجتماعية.
لذلك، يجب حماية المؤسسات التعليمية الرسمية، وتحسين ظروف المعلمين والعاملين فيها، وتطوير التعليم المهني والتقني، وضمان وصول الفئات الأكثر حاجة إلى الرعاية الصحية والخدمات الأساسية.
فالدولة التي تستثمر في الإنسان تزيد قدرتها على الإنتاج والابتكار، وتخفّف في الوقت نفسه من كلفة الأزمات الاجتماعية على المدى الطويل.
سادسًا: تحويل طاقات المغتربين إلى استثمارات منتجة
يمتلك لبنان موردًا مهمًا يتمثّل في المغتربين اللبنانيين، بما لديهم من خبرات وعلاقات مهنية وتجارية وقدرات استثمارية. لكن الاستفادة من هذا المورد لا ينبغي أن تقتصر على التحويلات التي تساعد الأسر على تغطية نفقاتها.
يمكن للدولة أن تهيّئ إطارًا شفافًا لتشجيع الاستثمارات في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والسياحة والمشاريع الصغيرة، مع ضمانات قانونية وآليات رقابة واضحة.
فالمغترب يحتاج إلى بيئة استثمارية موثوقة، لا إلى دعوات عاطفية فقط. وعندما تتوافر الثقة والشفافية، يمكن للخبرات والأموال اللبنانية في الخارج أن تسهم في خلق وظائف ونقل المعرفة وتوسيع الأسواق.
سابعًا: خطة إنقاذ بمراحل واضحة ومحاسبة دورية
لا يحتاج لبنان إلى مزيد من الخطط التي تبقى حبرًا على ورق، بل إلى برنامج تنفيذي يحدّد الأولويات والمهل الزمنية ومصادر التمويل والجهات المسؤولة عن التنفيذ.
ويمكن أن يرتكز هذا البرنامج على ثلاثة مسارات:
في المرحلة الأولى، حماية الأسر الأكثر حاجة، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، ودعم المؤسسات الصغيرة المتضررة، وتحسين نشر البيانات الاقتصادية والاجتماعية.
في المرحلة الثانية، تنفيذ الإصلاحات المالية والإدارية، ومعالجة الاختلالات المصرفية وفق إطار عادل، وتوسيع فرص العمل الرسمي، وتحفيز القطاعات الإنتاجية والتصديرية.
في المرحلة الثالثة، تطوير البنية التحتية، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الاقتصاد الرقمي، وتحسين التعليم والتدريب، وبناء مؤسسات عامة أكثر كفاءة واستقلالية.
ويجب أن تخضع هذه المراحل لمتابعة دورية وشفافة، تتضمّن مؤشرات واضحة حول الوظائف التي تم خلقها، وحجم الإنتاج والصادرات، ومستوى الفقر، وجودة الخدمات العامة، ومدى التقدّم في الإصلاحات.
فالمواطن لا يريد أن يسمع فقط ما تنوي الدولة فعله، بل يريد أن يعرف ما الذي نُفّذ، وما الذي تعثّر، ومن يتحمّل المسؤولية.
الخلاصة: لا إنقاذ للاقتصاد من دون إنقاذ المجتمع
إنّ الأزمة اللبنانية ليست قدرًا محتومًا، لكن تجاوزها يتطلّب أكثر من إدارة يومية للمشكلات. فهو يحتاج إلى إرادة سياسية للإصلاح، ومؤسسات فاعلة، وقضاء مستقل، وقطاع خاص منتج، وسياسات تحمي الإنسان وتعيد بناء الثقة.
كما يحتاج إلى إدراك أن الاقتصاد والمجتمع وجهان لحقيقة واحدة. فلا يمكن تحقيق نمو مستدام فيما تتراجع فرص العمل، ولا يمكن بناء دولة قوية فيما تضعف المدرسة الرسمية، ولا يمكن جذب الاستثمارات فيما تبقى القواعد المالية والقانونية غير واضحة.
لقد آن الأوان للانتقال من منطق الصمود المؤقت إلى مشروع وطني طويل الأمد، يقوم على الإنتاج والعدالة الاجتماعية والشفافية والمحاسبة. مشروع يمنح الشباب فرصة للبقاء والعمل في وطنهم، ويعيد إلى العائلات القدرة على التخطيط، ويمنح المؤسسات فرصة للنمو، ويحوّل موارد لبنان وطاقاته البشرية إلى قوة اقتصادية حقيقية.
إنّ السؤال الذي يجب أن يواجهه المسؤولون اليوم ليس فقط: كيف نخرج من الأزمة؟ بل أيضًا: كيف نمنع تكرارها، وكيف نضمن ألّا يدفع المواطن وحده ثمنها مرة أخرى؟
لبنان لا يحتاج إلى إدارة الانهيار، بل إلى دولة تستعيد ثقة مواطنيها، واقتصاد ينتج فرص العمل، وسياسات تضع كرامة الإنسان في صلب القرار. فالتعافي الحقيقي لا يُقاس بما تحقّقه الأرقام وحدها، بل بما يستعيده المواطن من أمان وحقوق وأمل بالمستقبل.




