الوحدة اليمنية: بذور الأمل | بقلم علي أمين

مع انهيار الخلافة العثمانية، تم تقاسم الوطن العربي فيما عُرف باتفاقية سايكس بيكو، أما اليمن فقد تم تقسيمها قبل تلك الفترة عبر اتفاقية بريطانية مع الخلافة العثمانية، تم بموجبها التنازل عن عدن ومحميات الجنوب الشرقية للإمبراطورية البريطانية، التي كانت تُعرف بأنها «الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس»، بينما استمر الشمال خاضعًا لحكم الخلافة العثمانية، ثم انتقل الحكم فيه إلى الإمام يحيى آل حميد الدين. واستمر ذلك حتى اندلاع ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962م، التي قادها الضباط الأحرار، والذين وضعوا أحد أهم أهداف الثورة، وهو تحقيق الوحدة اليمنية في إطار الوحدة العربية الشاملة.
ومنذ ما يقارب ستةً وثلاثين عامًا، أُعلن قيام الجمهورية اليمنية من داخل مدينة عدن، صبيحة الثاني والعشرين من مايو، حيث رُفع علم الوحدة فوق مبنى مجلس الشعب إيذانًا بميلاد الدولة الجديدة التي خاض الشعبان من أجلها الحروب الداخلية. وقد قاد النظامان اللذان حكما شطري الدولة، رغم اختلافهما الأيديولوجي، مسار التقارب؛ إذ تبنى الجنوب التوجه الاشتراكي، بينما اقترب الشمال من الغرب الرأسمالي، إلا أن الطرفين عقدا عددًا من اللقاءات والجولات للتباحث حول قيام الوحدة، فمن قمة طرابلس إلى القاهرة والكويت، أثمرت هذه الجهود في النهاية، وتُوجت بقمة عدن في الثلاثين من نوفمبر عام 1989م، حيث تم الاتفاق النهائي على خطوات قيام الوحدة وشكل الدولة.
وكان كل ذلك نتاجًا لعدد من العوامل الوطنية والتوجهات السياسية، التي أتاحت إنشاء الأحزاب السياسية، فظهر المؤتمر الشعبي العام وحزب الإصلاح في الشمال، الأمر الذي ساعد على سير العملية السياسية داخل الدولة، ودوران عجلة التنمية في ظل استقرار النظام.
إلا أن ما حدث خلال حرب الانفصال خالف التوقعات، إذ تسببت تلك الحرب في خسارة الوطن للكثير من مقدراته، وكان من أبرز أسبابها محاولة الانفراد بالقرار السياسي، وازدواجية القرارات، وعدم دمج أدوات الدولتين الصلبة، كالقوات المسلحة والشرطة وأجهزة المخابرات.
ورغم الخسائر الفادحة التي تحملتها الدولة، فإن ذلك أدى إلى نوع من عودة الاستقرار السياسي، مع انفراد حزب المؤتمر بالقرار السياسي الداخلي، وتوجهه نحو الانفتاح الديمقراطي، من خلال إجراء الانتخابات الرئاسية المباشرة، وتوسيع الحكم المحلي عبر الانتخابات المحلية. وقد ساهم ذلك في إيجاد نوع من التنافسية السياسية، إلا أن توجه النظام، كما تمت قراءته، كان يمضي نحو توريث الحكم أو تسهيل صعود نجل الرئيس صالح إلى كرسي السلطة، إلى جانب تدوير أبناء الوزراء والقادة لشغل مواقع آبائهم كجزء من الصفقة الداخلية.
كما ساهمت عدد من الأحداث العربية، كالقضية الفلسطينية وغزو العراق، في تأجيج المواقف العربية، إضافة إلى اشتعال حروب صعدة التي ساهمت في إضعاف الدولة، وأدت إلى اندلاع احتجاجات الجنوب التي قادها عدد من الضباط والقادة الذين تم تسريحهم عقب حرب الانفصال. وأسهمت هذه الاحتجاجات في وضع النظام الحاكم بين شقي الرحى، ثم جاءت ثورات الربيع العربي لتدق المسمار الأخير في نعش النظام، حيث أدت إلى نقل السلطة من الرئيس إلى نائبه عبر وساطة خليجية بقيادة السعودية، منحت الرئيس الحصانة السياسية، وتم إجراء استفتاء لتولي الرئيس هادي قيادة البلاد لمدة عامين.
وخلال تلك المرحلة، مارست المملكة العربية السعودية دورًا داعمًا لليمن، حيث أشرفت على مؤتمر الحوار الوطني الذي ضم مختلف القوى الرئيسية، وتم إشراك مكوّن أنصار الله فيه. واستمر الحوار ما يقارب ثلاث سنوات، قبل أن ينتهي بتفجر ثورة ضد حكم الرئيس هادي، قادها أنصار الله بعد تقديمه استقالته، التي تراجع عنها لاحقًا عقب وصوله إلى عدن. ومن بعدها انطلقت عملية «عاصفة الحزم» تحت ذريعة إعادة الشرعية، واستمرت العمليات العسكرية تحت مسمى «إعادة الأمل».
ومع اشتعال الحرب، شكّل المؤتمر، إلى جانب جناح المؤتمر بقيادة صالح، المجلس السياسي الأعلى في مواجهة شرعية هادي وجناحه داخل المؤتمر، إضافة إلى شركائه في حزب الإصلاح. وكان ذلك من أبرز أسباب اشتعال الحرب الداخلية وتشظي الساحة الوطنية سياسيًا وعسكريًا، مما جعل الدولة تدور حول عدد من المشاريع:
1. جمهورية الولاية بقيادة أنصار الله.
2. جمهورية اتحادية بقيادة مجلس القيادة الرئاسي، المتمسك بالقرارات الدولية والمبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني.
3. جمهورية عنق الزجاجة بقيادة طارق صالح، الذي يمثل رأس حربة لعودة المؤتمر تحت عباءة القيادة التاريخية للرئيس صالح.
4. جناح المؤتمر في صنعاء، الذين ينظرون إلى قدرتهم الحزبية على قيادة الدولة وتوحيد الصف الحزبي وإعادة مسار الدولة إلى ما كانت عليه.
وقد شكّلت هذه الأحداث تهديدًا للوحدة الوطنية، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية، وعدم صرف المرتبات، والاعتماد على الدعم الدولي وما تقدمه المنظمات الإنسانية، فضلًا عن موجات النزوح في مناطق الصراع. كما ساهمت الأحداث الإقليمية، من حرب غزة التي اندلعت في السابع من أكتوبر، إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، في إلقاء ظلالها على المنطقة بأكملها، وتأجيج الداخل اليمني، في ظل الانقسام بين داعم ورافض للتوجه الذي يقوده النظام الإيراني.
وفي خضم كل هذه التحولات، تبقى الوحدة اليمنية بذرة أمل لوحدة عربية واعدة.




