أما الحديث عن «ملء الفراغ» فيكشف بوضوح حجم التناقض في الرواية التي يحاول الإخوان تمريرها عبر الحارث. فالفراغ الذي يتحدث عنه لم يكن موجوداً حتى يحتاج الجيش إلى ملئه؛ كانت هناك حكومة مدنية قائمة، ومؤسسات انتقالية تعمل، ومسار سياسي و دستوري معروف، قبل أن يُقطع ذلك المسار بانقلاب 25 أكتوبر. و من ثم فإن السؤال الحقيقي : لماذا انقلب الجيش على الحكومة المدنية القائمة آنذاك؟ و من اتخذ قرار الانقلاب؟ ومن خطط له؟ و من وفر له الغطاء السياسي؟ و من استفاد من نتائجه؟ هذه الأسئلة هي جوهر القضية، ولا يمكن دفنها خلف عبارة دبلوماسية مثل «ملء الفراغ». إن الإخوان الذين يحاولون اليوم إعادة تعريف الحدث يريدون نقل النقاش من سؤال المسؤولية عن الانقلاب إلى سؤال مزعوم عن ضرورة تدخل الجيش، وهي حيلة سياسية مكشوفة لا تغير حقيقة أن السلطة المدنية أُطيح بها عبر انقلاب عسكري و لم تستقل.
أما مقعد السودان في الأمم المتحدة، فلم يعد في تقديري سوى واجهة دبلوماسية تُستخدم لخدمة مشروع الإخوان و تلميع رواية حكومة بورتسودان و تبرير الجرائم و الانتهاكات و الانقلابات . لقد اختُطف صوت السودان من المنبر الدولي، وحُول المقعد الذي يفترض أن يحمل إرادة شعب كامل إلى أداة للدفاع عن مصالح و اجندة و مخططات جماعة الإسلام السياسي . لكن الإخوان يخطئون إذا ظنوا أن السيطرة على مقعد في الأمم المتحدة تعني السيطرة على إرادة السودانيين ، فالمقاعد تُحتل مؤقتاً، أما إرادة الشعوب فلا تُحتل. و ما يجري اليوم ليس نهاية الطريق، بل فصل عابر في معركة استعادة القرار الوطني. وستظل عزيمة السودانيين أقوى من كل محاولات الإخوان لاحتكار الدولة و مؤسساتها وصوتها الخارجي، و سيأتي اليوم الذي ينتزع فيه الشعب السوداني هذا المقعد من قبضة هذه الجماعة ، و يستعيد حقه في أن يتحدث باسمه و يقرر مستقبله. فالسودان ليس ملكاً للإخوان، وصوته ليس غنيمة لحكومة بورتسودان، و مقعده في الأمم المتحدة ليس صكاً مفتوحاً لتبرير الانقلابات و الجرائم و الانتهاكات ، إنه مقعد شعب، وسيعود إلى الشعب مهما طال زمن الاختطاف.




