فائض القوة وإعادة هندسة الشرق الأوسط: لماذا تحتاج المنطقة إلى نظام أمني إقليمي يتجاوز الهيمنة الإسرائيلية؟ | بقلم د.جمال رفيق عبادي

لا تكمن الإشكالية الأساسية في الشرق الأوسط في وجود دولة قوية أو متفوقة عسكريًا، بل في تحويل هذا التفوق إلى بنية دائمة تُستخدم لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية وفق رؤية طرف واحد. ومن هذه الزاوية لا يمكن فهم فائض القوة الإسرائيلي باعتباره مجرد نتيجة للتفوق العسكري أو التكنولوجي أو الاقتصادي، بل باعتباره جزءًا من مشروع سياسي واستراتيجي أوسع يرتبط بطبيعة إسرائيل نفسها وبالمرتكزات الفكرية التي قامت عليها.
فإسرائيل ليست مجرد دولة إقليمية تسعى إلى حماية أمنها وفق المنطق التقليدي للعلاقات الدولية، بل هي مشروع استعماري استيطاني تشكلت رؤيته للمنطقة في تفاعل مع مرتكزات أيديولوجية وقومية ودينية أسهمت في رسم تصور خاص للهوية والدور والمجال الحيوي. ولذلك فإن القوة في الحالة الإسرائيلية لا تؤدي وظيفة دفاعية فحسب، بل تتحول إلى أداة لإعادة تشكيل البيئة المحيطة بما يضمن استمرار المشروع وتوسيع هامش حركته وتأمين تفوقه طويل المدى.
وفي هذا السياق اكتسب الدعم الأمريكي لإسرائيل أهمية استثنائية. فالمساعدات العسكرية، ومذكرات التفاهم طويلة الأمد، ومبدأ التفوق العسكري النوعي، والتشابك العميق بين الصناعات الدفاعية في البلدين، كلها أسهمت في تحويل التفوق الإسرائيلي إلى حالة مؤسسية مستقرة تتجاوز حدود الإدارات الأمريكية المتعاقبة. ولم يعد الأمر يتعلق بدعم سياسي أو عسكري قابل للتغيير، بل ببنية استراتيجية وقانونية تجعل الحفاظ على التفوق الإسرائيلي جزءًا من آليات صنع القرار الأمريكي نفسها.
وبذلك لم تعد الولايات المتحدة مجرد حليف لإسرائيل، بل أصبحت شريكًا في إعادة إنتاج تفوقها بصورة مستمرة. فحين يتحول الحفاظ على تفوق طرف إقليمي إلى التزام سياسي وقانوني طويل الأمد، فإن القوة العظمى لا تكتفي بدعم ميزان قوى معين، بل تصبح جزءًا من عملية إعادة تشكيله وإدارته.
غير أن خطورة هذه الحالة لا تكمن في حجم القوة الإسرائيلية وحده، بل في الوظيفة التي يؤديها هذا الفائض من القوة داخل الإقليم. فالمسألة لا تتعلق فقط بتأمين الحدود أو ردع الخصوم، وإنما بقدرة متزايدة على التأثير في شكل النظام الإقليمي نفسه. فكلما تعاظم فائض القوة واتسعت مظلة الحماية الدولية له، ازدادت القدرة على إعادة تعريف التهديدات والتحالفات والأولويات الإقليمية انطلاقًا من مركزية الأمن الإسرائيلي.
ومن هنا لا يصبح الحديث عن إسرائيل باعتبارها دولة قوية داخل الشرق الأوسط كافيًا لفهم طبيعة التحولات الجارية. فالدولة القوية تسعى عادة إلى حماية مصالحها وأمنها، أما المشروع الذي يمتلك فائض قوة مدعومًا دوليًا ويستند إلى رؤية أيديولوجية وتاريخية خاصة، فإنه يميل إلى إعادة تشكيل محيطه بما يضمن استمرار هذا التفوق وتحويله إلى واقع دائم. وعند هذه النقطة لا يعود الأمر متعلقًا بدولة قوية فحسب، بل بمشروع يسعى إلى أن يصبح مرجعًا منظمًا للإقليم ذاته، بحيث تُعاد صياغة موازين القوى والتحالفات والتهديدات وفق رؤيته ومصالحه.
وقد ساعدت التحولات الإقليمية خلال العقود الأخيرة على تعزيز هذا المسار. فالحروب الأهلية، وتفكك بعض الدول، وإضعاف الجيوش الوطنية، وتصاعد الاستقطابات السياسية والطائفية، كلها أوجدت بيئة أكثر ملاءمة لتمدد النفوذ الإسرائيلي وتعزيز مكانته. وفي المقابل عجزت دول المنطقة عن إنتاج رؤية جماعية للأمن أو بناء منظومة إقليمية قادرة على إدارة المصالح المشتركة واحتواء الخلافات.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في الشرق الأوسط. فالإقليم يمتلك موارد بشرية واقتصادية وجيوسياسية هائلة، لكنه ظل لعقود أسير الانقسامات والصراعات البينية التي استنزفت طاقاته وأضعفت قدرته على الفعل الجماعي. وفي الوقت الذي انشغلت فيه دول المنطقة بخلافاتها، كانت إسرائيل تعمل بصورة منهجية على تراكم عناصر القوة وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي.
لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في التعامل مع فائض القوة الإسرائيلي، بل في معالجة البيئة الإقليمية التي سمحت لهذا الفائض بأن يتحول إلى أداة لإعادة هندسة الشرق الأوسط. فاستمرار الانقسامات والصراعات يجعل أي مشروع قائم على الهيمنة أكثر قدرة على التمدد، بينما يشكل التعاون الإقليمي الواسع القيد الأكثر فاعلية على مشاريع الاحتكار والهيمنة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة مختلفة للأمن الإقليمي. فالمطلوب ليس إنتاج هيمنة مضادة أو الدخول في سباقات تسلح مفتوحة، بل بناء نظام أمني إقليمي يقوم على التفاهم والتعاون وإدارة المصالح المشتركة. كما يتطلب ذلك تجاوز كثير من الترسبات التاريخية والخلافات التي حكمت العلاقات بين دول المنطقة لعقود طويلة، والانتقال من منطق الصراعات المتبادلة إلى منطق الشراكات الاستراتيجية.
إن الأمن الإقليمي الحقيقي لا يتحقق عندما تمتلك دولة واحدة القدرة على فرض إرادتها على الآخرين، بل عندما تصبح جميع الدول شريكة في صياغة قواعد الاستقرار. كما أن قوة الإقليم لا تُقاس فقط بحجم ترساناته العسكرية، بل بقدرته على بناء شبكات تعاون سياسي واقتصادي وأمني تجعل مصالح دوله مترابطة بصورة تقلل فرص الصراع وتزيد فرص الاستقرار.
ولهذا فإن الشرق الأوسط بحاجة إلى مشروع إقليمي جديد يقوم على التعاون بدل الاستقطاب، وعلى التوازن بدل الهيمنة، وعلى الشراكة بدل الاحتكار. مشروع يعيد الاعتبار لفكرة الأمن الجماعي، ويعزز التنسيق بين دول المنطقة، ويفتح المجال أمام بناء مؤسسات وآليات قادرة على إدارة الخلافات ومنع تحولها إلى صراعات مدمرة.
ففي مواجهة مشروع يستند إلى فائض القوة وإعادة تشكيل الإقليم وفق رؤية أحادية، يصبح من الضروري إنتاج مشروع مضاد يستند إلى الإرادة الجماعية لدول المنطقة وشعوبها. مشروع لا يهدف إلى إقصاء أحد، وإنما إلى منع احتكار تعريف الأمن الإقليمي أو فرضه من قبل طرف واحد مهما بلغت قوته.
إن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بقدرة إسرائيل على الحفاظ على تفوقها، بل بقدرة دول المنطقة على بناء نظام إقليمي أكثر تماسكًا وتوازنًا واستقلالًا. فإما أن يبقى الإقليم أسيرًا لمنطق الهيمنة والتفوق المحمي، وإما أن ينجح في إنتاج منظومة تعاون وتفاهم تتيح له استعادة زمام المبادرة وصياغة أمنه ومصالحه بنفسه. وعندها فقط يمكن الحديث عن شرق أوسط أكثر استقرارًا، وأكثر قدرة على الفعل، وأكثر حضورًا في النظام الدولي، بما يخدم أمن دوله واستقرار شعوبه ومستقبل أجياله.


