الاحدثالصورة الكبيرةملفات مرجعية

أدب الأسرى بوصفه مقاومة سردية: تفكيك الخطاب النصي وإعادة إنتاج الذات | بقلم الباحثة وفاء داري  

ملخص أدب السجون في سياقه الفلسطيني ليس مجرد أثر لغوي لزمن الاعتقال، بل هو على نحو أكثر تعقيد لممارسة وجودية تعاد فيها صياغة الذات تحت ضغط القيد، حيث يتحول النص إلى مساحة بديلة للحرية بين القضبان، لا بوصفها تعويضًا، بل كفعل مقاومة يتسلل من شقوق الهيمنة. تقترح هذه الدراسة مقاربة نقدية تنظر إلى أدب الأسرى باعتباره خطابًا يتجاوز التوثيق والتأريخ ليشتبك مع آليات السلطة، ويعيد مساءلة العلاقة بين اللغة والسيطرة والوعي والثقافة الأدبية. تنطلق الورقة من إشكالية مفادها: كيف يعيد الأسير تشكيل ذاته السردية داخل بنية قمعية مصممة لمحوها؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار النص المكتوب بين القضبان فعلًا مضادًا لإعادة إنتاج السلطة بدلًا من كونه انعكاسًا لها؟ في هذا الأفق تستثمر الدراسة أدوات التحليل الخطابي والنقد الثقافي مع استحضار تحولات حديثة في نظريات السرد والذاكرة (خصوصًا ما بعد 2020)، حيث لم يعد النص يقرأ بوصفه مرآة، بل بوصفه حقلًا للصراع الرمزي. تكشف القراءة أن الكتابة داخل السجن لا تبنى فقط على استعادة التجربة، بل على إعادة تأويلها بحيث يتحول الجسد المقيد إلى ذات ناطقة، وتتحول اللغة إلى فعل كسر للتماثل مع خطاب السجّان. كما تبيّن أن أدب الأسرى ينتج شكلًا خاصًا من الوعي الجمعي، يتجاوز حدود الفرد ليؤسس لذاكرة مقاومة قابلة للترجمة عالميًا. تخلص الدراسة إلى أن أدب الأسرى ليس هامشًا ثقافيًا، بل مركزًا تأويليًا يعيد تعريف مفاهيم الحرية والهوية، ويقترح سردية بديلة تربك البنى المهيمنة بدل أن تخضع لها

المقدمة

في مفارقة تبدو للوهلة الأولى عصيّة على الفهم، يولد بعض من أكثر أشكال التعبير الإنساني حريةً من داخل أكثر الفضاءات قهرًا وانغلاقًا؛ إذ كيف يمكن للذات، وهي محاطة بجدران العزل ومصادرة الزمن، أن تنتج خطابًا يتجاوز حدود القيد ليخاطب العالم؟ لعلّ هذا التوتر بين القيد والكتابة، بين العزل والتعبير، هو ما يمنح أدب الأسرى فرادته، لا بوصفه تسجيلًا لوقائع السجن فحسب، بل باعتباره فعلًا يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وحريته، بين اللغة وشرطها القاسي. وليس بعيدًا عن هذا الأفق، يستبطن النص السجني في عمقه معنى قرآنيًا كثيفًا يحضر فيه الابتلاء لا كحالة سكون، بل كشرط لتحوّل الوعي؛ إذ يقول تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، وكأن هذا التكرار ليس تأكيدًا لغويًا فحسب، بل إشارة إلى أن الانفراج لا يأتي بعد الضيق، بل يتخلله ويُصاحبه في قلب التجربة نفسها. من هنا، يمكن قراءة الكتابة داخل السجن بوصفها ذلك “اليُسر” الكامن في صلب العُسر، لا بوصفه خلاصًا نهائيًا، وإنما كقدرة على إعادة إنتاج المعنى في لحظة يُراد لها أن تكون بلا معنى. وإذا كانت السلطة السجنية تسعى في بنيتها العميقة، إلى إعادة تشكيل الذات عبر آليات الضبط والمحو الرمزي، فإن الكتابة تبدو في المقابل كفعل مضاد، لا يكتفي بمقاومة هذا التشكيل، بل يعيد توجيهه إذ لا يخرج الأسير من تجربته بذاتٍ مستعادة كما كانت، بل بذاتٍ أُعيد بناؤها عبر اللغة متشظية أحيانًا ومتوترة غالبًا، لكنها أكثر وعيًا بحدودها وبقدرتها على تجاوزها في الآن ذاته. وفي هذا السياق، يغدو النص السجني مساحة يتقاطع فيها الذاتي بالجماعي، حيث تتحول التجربة الفردية إلى أفق دلالي أوسع، يُسهم في صياغة ذاكرة مقاومة لا تنحصر في حدود الجسد الأسير. ولا يمكن والحال هذه النظر إلى أدب الأسرى باعتباره هامشًا ثقافيًا أو لونًا أدبيًا طارئًا، بل هو في أحد وجوهه مختبر حادّ لإعادة مساءلة مفاهيم السلطة والهوية والحرية. فالنص هنا لا يكتب فقط ليحكي، بل ليقاوم محو الحكاية، ولا يستعيد التجربة كما حدثت، بل كما ينبغي أن تفهم وتعاد قراءتها. ومن ثم، فإن الاقتراب من هذا الأدب يقتضي حساسية نقدية تتجاوز القراءة التوثيقية السطحية، نحو تفكيك البنى الخطابية التي يتشكل عبرها، والوقوف عند الكيفية التي تُعاد بها كتابة الذات في مواجهة بنية تسعى إلى إلغائها.

بهذا المعنى، تنفتح هذه الدراسة على محاولة قراءة أدب الأسرى بوصفه ممارسة سردية مقاومة، لا تنفصل عن سياقاتها التاريخية والسياسية، لكنها في الوقت ذاته تتجاوزها لتلامس أسئلة أكثر جذرية تتعلق بماهية الإنسان حين يحاصر، وباللغة حين تُدفع إلى حافتها القصوى. إنها كتابة تنبثق من العتمة، نعم، لكنها لا تكتفي بوصفها، بل تعمل بإصرار خفي على خلخلتها.

إشكالية البحث

إذا كانت الكتابة في أصلها فعل امتلاك للصوت، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس كيف يكتب الأسير، بل كيف يُسمح له أصلًا أن يكون ذاتًا ناطقة داخل بنية صمّمت لتقويض هذا الصوت أو احتوائه. ذلك أن الفضاء السجني لا يعمل فقط على تقييد الجسد، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل المعنى ذاته، عبر إنتاج سرديات مهيمنة تحدد من هو (الضحية) ومن هو (الفاعل)، ومن يستحق أن يُروى ومن يدفع إلى هامش الصمت. في هذا السياق لا يعود أدب الأسرى مجرد كتابة عن تجربة، بل يتحول إلى موقع اشتباك مع هذه البنى الخطابية التي لا تكتفي بإدارة العنف، بل تسعى إلى تعريفه وإضفاء الشرعية عليه ضمن منظومات قانونية وسياسية غير متكافئة. ومن هنا تتبلور الإشكالية المركزية لهذه الدراسة في مساءلة الكيفية التي يتشكل بها الخطاب السجني بوصفه مقاومة سردية، لا تواجه القيد المادي فحسب، بل تنخرط في تفكيك أنماط الهيمنة الرمزية التي تحاول إعادة إنتاج الذات الأسيرة داخل قوالب جاهزة. وعليه ومن هنا تنبثق الإشكالية في صيغتها المركّبة على النحو الآتي:

كيف يعيد أدب الأسرى تشكيل الذات السردية في مواجهة بنية سلطوية تسعى إلى محوها أو إعادة تعريفها؟ وإلى أي مدى يمكن للنص السجني أن يعمل كخطاب مضاد، يقوّض لا فقط آليات القمع المباشر، بل أيضًا الصيغ الخطابية التي تُعيد توزيع الشرعية والمعنى ضمن سياقات دولية تتسم بالانتقائية والصمت؟ بكلمات أدق: كيف يتشكل الخطاب السجني في ظل بيئة قانونية وسياسية تتسم بعدم التماثل في تعريف العنف والشرعية؟ وكيف يعيد النص السجني إنتاج ذاته في مواجهة سرديات دولية تتسم بالانتقائية أو الصمت إزاء بعض أشكال الانتهاك؟

 

أسئلة البحث الفرعية

  • كيف تتجلى آليات تفكيك السلطة داخل النصوص السجنية على المستوى اللغوي والسردي؟
  • بأي معنى تتحول الكتابة داخل السجن من فعل توثيقي إلى ممارسة لإعادة إنتاج الذات؟
  • كيف يسهم أدب الأسرى في بناء ذاكرة جمعية تتجاوز التجربة الفردية؟
  • ما طبيعة العلاقة بين الخطاب السجني والسياقات الدولية التي تعيد تعريف العنف والشرعية؟
  • إلى أي حد يمكن اعتبار الصمت الدولي جزءًا من البنية الخطابية التي يشتبك معها النص السجني؟

الإطار النظري

يستقيم النظر في أدب الأسرى دون تفكيك الجهاز المفاهيمي الذي يتحرك داخله، إذ لا تحضر مفاهيم مثل السلطة أو الهوية أو الذاكرة بوصفها أدوات جاهزة، بل كشبكات دلالية تتقاطع داخل النص وتعيد تشكيله. فالنص السجني، في أحد وجوهه، ليس تعبيرًا عن تجربة بقدر ما هو اشتباك مع شروط إنتاجها. في هذا السياق تفهم السلطة لا كقوة قمعية مباشرة فحسب، بل كبنية خطابية تنتج أنماطًا من القول وتحدّد ما يمكن أن يقال وما يجب أن يستعبد. وقد أعادت دراسات الخطاب المعاصرة التأكيد على أن السلطة لا تعمل فقط عبر المنع، بل عبر إنتاج المعرفة ذاتها، وهو ما يجعلها حاضرة حتى في أشكال المقاومة (Fairclough, 2020؛ Wodak, 2021). هنا يصبح الفضاء السجني جهازًا لإعادة إنتاج المعنى، لا مجرد مكان للعزل، حيث تعاد صياغة الذات ضمن سرديات مهيمنة تسعى إلى احتوائها.

أما الهوية فلم تعد تقارب بوصفها جوهرًا ثابتًا، بل كعملية تشكّل مستمرة، تتعرض داخل السياقات القمعية إلى ضغط مزدوج: ضغط المحو وضغط إعادة التعريف. وتشير دراسات حديثة في بناء الذات إلى أن الهوية تُنتج سرديًا، عبر اللغة، لا خارجها (Bamberg & Georgakopoulou, 2020). وفي هذا الأفق، لا يكتب الأسير ذاته كما كانت، بل كما تتشكل تحت وطأة التجربة، حيث تتداخل الهشاشة مع أشكال معقدة من الصمود. وفيما يتعلق بالذاكرة، فإن التحولات الأخيرة في دراسات الذاكرة تؤكد أنها ليست استعادة للماضي، بل عملية تفاوض مستمرة حول معناه (Erll, 2021). ومن ثم، يغدو النص السجني موقعًا لإعادة كتابة الذاكرة، لا كما حدثت فحسب، بل كما تقاوم أن تُمحى أو يُعاد تأويلها من خارجها. إنها ذاكرة تقاوم النسيان المفروض بقدر ما تعيد تشكيل الحدث ذاته.

أما الخطاب السجني، فينظر إليه بوصفه بنية مركّبة تتقاطع فيها اللغة مع السلطة والتمثيل. ولا يتحرك هذا الخطاب في فراغ، بل ضمن سياق دولي يعيد توزيع الشرعية بشكل غير متكافئ، حيث تُظهر دراسات معاصرة في القانون الدولي النقدي أن تعريف العنف ذاته يخضع لاعتبارات سياسية وانتقائية (Koskenniemi, 2021). غير أن هذه الدراسة لا تتعامل مع هذا المعطى بوصفه موقفًا مباشرًا، بل كجزء من البنية الخطابية التي يشتبك معها النص. ومن هنا نلاحظ تقاطع هذه المفاهيم ضمن ما يمكن تسميته بالسرد المقاوم، الذي لا يكتفي بمعارضة السلطة، بل يعمل على إعادة بناء العالم دلاليًا من موقع الهامش، بما يربك استقرار الخطاب المهيمن (Said, 2020 reprint contextually engaged)

في ذات السياق، إذا عدنا إلى ازدواجية المعايير في القانون الدولي (Double Standards)، والعنف المشروع vs العنف غير المشروع (Legitimized Violence) ،ونظرية الصمت بوصفه خطابًا (Silence as Discourse) . نستنتج: لا يظهر الصمت الدولي بوصفه غيابًا للموقف، بل باعتباره ممارسة خطابية تعيد توزيع الشرعية وتعيد تعريف من يستحق أن يسمع ومن يترك خارج فضاء الاعتراف.

التحليل والمناقشة

عند الاقتراب من نصوص السجن، يتضح أن الكتابة لا تعمل كمرآة للتجربة، بل كأداة لإعادة تشكيلها. وهو ما يتقاطع مع الطرح الذي يرى أن السرد ليس انعكاسًا للواقع، بل بناءً له ضمن شروط خطابية محددة (Bamberg & Georgakopoulou, 2020).

في نصوص وليد دقة، تتبدّى الذات الأسيرة بوصفها كيانًا في حالة تشكّل مستمر، لا يستقر على صورة واحدة. فالزمن السجني لا يقدّم كتتابع خطي، بل كزمن معلّق، وهو ما ينسجم مع تحليلات ترى أن السجن يعيد إنتاج الزمن كأداة للهيمنة (Moran, 2020). غير أن النص يعيد تفكيك هذا الزمن عبر السرد، محولًا التكرار والانتظار إلى بنى دلالية تقاوم التلاشي.

الأهم هنا أن اللغة لا تأتي شفافة أو مباشرة؛ بل تنزاح تتكسر أحيانًا وتترك فراغات دلالية. وهذا يتقاطع مع ما تشير إليه دراسات تحليل الخطاب من أن الصمت والانقطاع ليسا غيابًا للمعنى، بل شكلًا من أشكال إنتاجه (Wodak, 2021). ومن ثم، فإن مقاومة السلطة لا تظهر فقط فيما يقال، بل في طريقة قوله، وفيما يُترك دون قول.

أما في نصوص مروان البرغوثي، فنحن أمام بنية سردية تميل إلى إعادة دمج الذاتي في الجماعي. إذ لا تكتب التجربة بوصفها معاناة فردية خالصة، بل كجزء من سردية أوسع، وهو ما يتقاطع مع دراسات الذاكرة الجمعية التي ترى أن الذاكرة تبنى ضمن أطر اجتماعية تتجاوز الفرد (Erll, 2021).

غير أن هذا الامتداد نحو الجماعي لا يلغي التوتر، بل يكشفه. فالنص يحتفظ بشقوق صغيرة تظهر فيها الذات الفردية، كأنها تقاوم الذوبان الكامل. وهنا تحديدًا تتجلى إعادة إنتاج الذات: لا كاستعادة لما كانت عليه، بل كعملية تفاوض بين الفردي والجماعي، بين التجربة الخاصة وأفقها الأوسع.

وعلى مستوى السلطة لا تظهر كحضور مباشر دائم، بل كبنية خفية تُعيد تشكيل اللغة. وهو ما يتوافق مع الطرح الذي يرى أن السلطة تعمل عبر إنتاج الخطاب لا فقط قمعه (Fairclough, 2020). ومن هنا، فإن النص السجني لا يواجه السلطة مواجهة مباشرة دائمًا، بل يخلخلها من الداخل، عبر إنتاج خطاب لا يمكن احتواؤه بسهولة. أما الذاكرة، فتتحول إلى موقع مقاومة، حيث لا يُستعاد الحدث كما هو، بل يعاد تأويله. وهذا ما تؤكده دراسات الذاكرة الحديثة التي ترى أن السرد يعيد تشكيل الماضي وفق احتياجات الحاضر (Erll, 2021). ومن ثم، فإن أدب الأسرى لا يحفظ الذاكرة فقط، بل يعيد إنتاجها كفعل مقاوم.

وفي خلفية هذا كله، يلوح سياق أوسع يتسم بانتقائية في الاعتراف، حيث لا تمنح الأصوات جميعها الحضور ذاته. وتشير الأدبيات النقدية المعاصرة إلى أن الصمت الدولي لا يُفهم كغياب، بل كجزء من بنية خطابية تعيد توزيع الشرعية (Koskenniemi, 2021). غير أن النص السجني لا ينتظر الاعتراف، بل يعيد إنتاجه سرديًا، كأن الكتابة نفسها تصبح شكلًا من أشكال الوجود.

وإذا ما أعيد النظر في هذه النصوص من زاوية الأسئلة التي انطلقت منها الدراسة، فإن ما يتكشف لا يقتصر على حضور المقاومة بوصفها موقفًا، بل بوصفها بنية اشتغال داخل اللغة ذاتها. فالنص السجني لا يوثق التجربة بقدر ما يعيد إنتاج الذات داخلها، حيث لا تظهر الهوية كمعطى سابق، بل كأثر يعاد تشكيله عبر السرد، في عملية لا تخلو من التوتر بين ما يُفرض على الذات وما تعيد هي صياغته. وفي هذا السياق لا تنفصل الذاكرة عن هذا الاشتباك إذ تتحول من مجرد استعادة إلى أداة لبناء معنى جماعي يتجاوز التجربة الفردية، كأن النص لا يكتب (ما حدث) فقط، بل (كيف ينبغي أن  يفهم). غير أن هذا الاشتغال السردي لا يحدث في فراغ، بل يتقاطع مع سياق أوسع تتسم فيه أنماط الاعتراف بعدم التكافؤ، حيث لا تمنح جميع الأصوات الحضور ذاته داخل الفضاء الدولي. وهنا تحديدًا يكتسب النص السجني بعدًا إضافيًا، إذ لا يواجه السلطة بوصفها بنية محلية فحسب، بل يشتبك ضمنيًا مع منظومات خطابية أوسع تعيد تعريف العنف والشرعية بشكل انتقائي. ومن ثم لا يعود الصمت مجرد غياب، بل يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الخطاب، وهو ما يدفع النص إلى أن ينتج ذاته لا في مواجهة القيد فقط، بل في مواجهة شروط السماع نفسها.

خلاصة القول: يصبح النص السجني في هذا السياق أكثر من مجرد تعبير ذاتي؛ إنه محاولة لاستعادة الصوت داخل فضاء يعاد فيه تعريف الضحية وفق اعتبارات سياسية وقانونية غير متكافئة حيث لا يمحى الجسد فقط، بل يعاد تأويل معناه ضمن منظومات خطابية أوسع.

النتائج

لا تقود قراءة أدب الأسرى، في ضوء التحليل السابق، إلى نتائج تقريرية بقدر ما تكشف عن تحوّلات عميقة في طبيعة الكتابة ذاتها حين تُدفع إلى حافتها القصوى. إذ يتبيّن:

أولًا، أن المقاومة في هذا الأدب لا تُختزل في مضمون سياسي مباشر، بل تتجلى – وربما هنا مكمن قوتها في البنية السردية نفسها في كيفية ترتيب الجملة، في الاقتصاد اللغوي، في الصمت الذي لا يقل كثافة عن القول. فالنص لا يواجه السلطة من خارجها فقط، بل يُربك آليات اشتغالها من داخل اللغة، حيث تفقد هذه السلطة قدرتها على تثبيت المعنى.

وتكشف النتائج ثانيًا، أن الذات الأسيرة لا تُستعاد عبر الكتابة، بل يُعاد إنتاجها. فالنصوص المدروسة لا تعود إلى “أنا” مكتملة سابقة على التجربة، بل تبني ذاتًا متحركة، متوترة، تتشكل عبر السرد ذاته. وهذه العملية لا تخلو من تناقض: إذ تتجاور فيها الرغبة في التماسك مع أثر التشظي، بما يجعل الهوية هنا نتيجة كتابة لا شرطًا سابقًا لها.

أما ثالثًا، فإن الذاكرة في أدب الأسرى تتجاوز وظيفتها التوثيقية لتتحول إلى أداة لإعادة تأويل الحدث وبنائه ضمن أفق جماعي. فالتجربة الفردية، على شدّة خصوصيتها، لا تبقى محصورة في حدودها، بل تُعاد صياغتها داخل سردية أوسع تُسهم في إنتاج وعي جمعي مقاوم، لا يكتفي بحفظ الماضي، بل يعيد توجيهه دلاليًا.

وتشير النتائج رابعًا، إلى أن الخطاب السجني يشتبك ضمنيًا مع بنى خطابية دولية تتسم بعدم التكافؤ، حيث لا تُمنح جميع الأصوات الحضور ذاته داخل فضاء الاعتراف. غير أن هذا الاشتباك لا يأخذ شكل المواجهة المباشرة، بل يظهر عبر التفاف سردي، حيث يُعاد إنتاج الصوت داخل شروط صمتٍ مفروض، كأن النص لا ينتظر أن يُسمع، بل يفرض إمكان سماعه.

وأخيرًا، يمكن القول إن أدب الأسرى يُعيد تعريف العلاقة بين اللغة والحرية؛ إذ لا تعود الحرية شرطًا سابقًا للكتابة، بل تصبح على نحو مفارق أثرًا يُنتج داخلها.

 

التوصيات

انطلاقًا من هذه النتائج، يمكن اقتراح جملة من التوصيات التي لا تتجه فقط إلى تطوير البحث في هذا المجال، بل إلى إعادة النظر في موقعه داخل الحقول المعرفية الأوسع.

أولًا: ثمة حاجة إلى توسيع دراسة أدب الأسرى ضمن مقاربات متعددة التخصصات، بحيث لا يُختزل في كونه مادة أدبية، بل يُقرأ أيضًا في ضوء دراسات الخطاب، والذاكرة، والقانون الدولي النقدي، لما يكشفه من تقاطعات معقدة بين النص والسلطة.

ثانيًا: يوصى بالانتقال من القراءة التوثيقية إلى القراءة التحليلية العميقة للنصوص السجنية، مع التركيز على البنية اللغوية والسردية بوصفها حوامل أساسية للمعنى، لا مجرد أدوات تعبير.

ثالثًا: تبرز أهمية ترجمة أدب الأسرى إلى لغات عالمية ضمن مشاريع أكاديمية محكّمة، بما يسمح بإدخاله في حوارات نقدية أوسع، خاصة في سياق دراسات ما بعد الاستعمار والعدالة السردية.

رابعًا: يقترح تعزيز البحث في علاقة الخطاب السجني بالبنى الدولية للتمثيل والاعتراف، عبر دراسات مقارنة تكشف آليات الانتقائية في التعامل مع تجارب السجن المختلفة عالميًا.

وأخيرًا: توصي الدراسة بضرورة بناء أرشيف علمي منهجي لأدب الأسرى، لا بوصفه مادة توثيقية فقط، بل كحقل معرفي قائم بذاته، قابل للتطوير النظري والنقدي.

الخاتمة

لا ينتهي هذا البحث إلى يقين مريح بقدر ما يفتح أفقًا لأسئلة أكثر إلحاحًا. ذلك أن أدب الأسرى، كما تبيّن، لا يمكن احتواؤه ضمن تصنيفات جاهزة: ليس مجرد أدب مقاومة بالمعنى التقليدي، ولا مجرد كتابة عن الألم، بل هو في أحد أعمق مستوياته إعادة تفاوض مستمرة مع معنى أن يكون الإنسان ذاتًا في ظل شروط تُراد لها أن تلغيه. لقد حاولت هذه الدراسة أن تقترب من هذا الأدب لا لتصنّفه، بل لتُنصت إلى توتراته: بين القيد واللغة، بين الصمت والقول، بين الذات وهي تُمحى والذات وهي تُعاد كتابتها. وفي هذا التوتر تحديدًا تتشكل قيمة النص السجني، لا كوثيقة، بل كفعل يعيد مساءلة البديهيات: من يملك الحق في السرد؟ ومن يحدد ما يُعدّ عنفًا أو مقاومة؟ ومن يُمنح موقع الصوت داخل العالم؟

وإذا كان ثمة ما يمكن الخروج به، فهو أن الكتابة، حين تُحاصر، لا تنطفئ بالضرورة؛ بل قد تزداد كثافة، تنحرف عن مسارها المتوقع، وتعيد ابتكار نفسها. وهنا، ربما، يكمن الدرس الأعمق لأدب الأسرى: أنه لا يكتفي بمقاومة القيد، بل يعيد تعريف الحرية نفسها، لا بوصفها غياب القيود، بل كقدرة على إنتاج المعنى رغم حضورها.

تم الاستعانة  بالمراجع التالية:

  • Bamberg, M., & Georgakopoulou, A. (2020). Small stories as a new perspective in narrative and identity analysis. Text & Talk, 40(2).
  • Erll, A. (2021). Memory in Culture (2nd ed.). Palgrave Macmillan.
  • Fairclough, N. (2020). Language and Power (3rd ed.). Routledge.
  • Koskenniemi, M. (2021). To the Uttermost Parts of the Earth: Legal Imagination and International Power. Cambridge University Press.
  • Moran, D. (2020). Carceral Geography and the Spatialities of Prison. Routledge.
  • Wodak, R. (2021). The Politics of Fear: The Shameless Normalization of Far-Right Discourse (2nd ed.). Sage.
  • Said, E. (2020). Culture and Imperialism (Reprint Edition). Vintage.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى