
لم تكن المحكمة الجنائية الدولية وليدة لحظة سياسية عابرة ، بل جاءت تتويجاً لمسار طويل في تطور القانون الدولي ، بدأ بمحاكمات نورمبرغ وطوكيو بعد الحرب العالمية الثانية ، ثم المحاكم الجنائية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة ورواندا .
وكان جوهر الفكرة أن الجرائم الأشد خطورة على الإنسانية لا ينبغي أن تفلت من العقاب بسبب حدود الدولة أو الاحتماء بمبدأ السيادة .
في 17 يوليو 1998م
اعتمد مؤتمر روما نظام المحكمة الجنائية الدولية بأغلبية 120 دولة ، ودخل النظام حيز النفاذ عام 2002م ، لتصبح المحكمة أول محكمة جنائية دولية دائمة تختص بالنظر في جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان ، وفق شروط الاختصاص التي حددها نظام روما .
غير أن ولادة المحكمة كشفت منذ البداية عن انقسام عميق بين الدول . فقد أيدت فرنسا وبريطانيا وروسيا نظام روما عند اعتماده ، بينما صوتت الولايات المتحدة والصين وإسرائيل ضده . وأصبحت أوروبا لاحقاً أحد أهم الداعمين السياسيين والقانونيين للمحكمة ، في حين بقيت الولايات المتحدة خارج نظام روما ، رغم توقيع الرئيس بيل كلينتون عليه عام 2000م دون أن تطلب واشنطن التصديق عليه .
والخلاف الأمريكي مع المحكمة ليس خلافاً على قضية محددة ، وإنما يتعلق بجوهر العلاقة بين السيادة الوطنية والعدالة الجنائية الدولية .
تخشى واشنطن أن تستخدم المحكمة لملاحقة جنود ومسؤولين أمريكيين ، وترفض خضوع مواطني دولة غير طرف في نظام روما لولاية محكمة دولية لا تملك الولايات المتحدة السيطرة عليها .
لكن هنا تظهر المفارقة : فالولايات المتحدة تستخدم بقوة مفردات القانون الدولي والمساءلة عندما يتعلق الأمر بخصومها ، بينما تتحفظ عندما تقترب قواعد المساءلة من مواطنيها أو حلفائها !
والسؤال الذي يفرض نفسه : هل يمكن بناء نظام دولي قائم على القانون إذا كانت بعض الدول تقبل القواعد حين تطبق على الآخرين وترفضها حين تمسها ؟
ومن أكثر مفارقات العدالة الدولية دلالةً جريمة العدوان .
فقد أدرجها نظام روما لاحقا ضمن اختصاص المحكمة منذ 1998م ، لكن تعريفها وشروط ملاحقتها لم تُعتمد إلا في مؤتمر كمبالا عام 2010م ، ولم يدخل اختصاص المحكمة بشأنها حيز التنفيذ إلا عام 2018م ، مع قيود كبيرة على ملاحقة قادة الدول غير الأطراف .
وهكذا تستطيع المحكمة في بعض الحالات ملاحقة جرائم الحرب التي تقع أثناء النزاع ، بينما تظل مساءلة المسؤول السياسي الذي اتخذ قرار بدء الحرب أكثر صعوبة . وهذه المفارقة تكشف حدود العدالة الدولية عندما تصطدم بمصالح الدول الكبرى وموازين القوة .
بلغ الصدام الأمريكي مع المحكمة مستوى أكثر خطورة في عهد الرئيس دونالد ترامب .
ففي فبراير 2025م أصدر أمراً تنفيذياً بفرض عقوبات على المحكمة ومسؤولين فيها ، شملت تجميد أصول وفرض قيود على أشخاص مشاركين في تحقيقاتها ، في سياق رفض الاختصاص في ملفات تتعلق بالولايات المتحدة وإسرائيل .
وفي أغسطس 2026م فرضت الإدارة الأمريكية عقوبات على رئيسة المحكمة توموكو أكاني والمدعي العام المساعد عبد الله سيي ، في خطوة اعتبرتها المحكمة تهديداً لاستقلالها .
وفي يونيو 2026م رفع ثلاثة من قضاة المحكمة ، كيمبرلي بروست وسولومي بالونغي بوسا ورين أديلايد صوفي ألابيني-غانسو ، دعوى أمام القضاء الأمريكي ضد ترامب وإدارته اعتراضاً على العقوبات المفروضة عليهم .
والمفارقة أن قضاة محكمة دولية يفترض أن يعملوا باستقلال وجدوا أنفسهم مضطرين إلى اللجوء للقضاء الوطني للدفاع عن استقلالهم في مواجهة إجراءات حكومية أمريكية .
في المقابل ، اتخذ الاتحاد الأوروبي موقفاً مغايراً ، واعتبر المحكمة ركناً أساسياً في مكافحة الإفلات من العقاب ، ودافع عن استقلالها في مواجهة الضغوط والعقوبات .
وجميع دول الاتحاد الأوروبي أطراف في نظام روما .
غير أن الدعم الأوروبي نفسه ينبغي أن يظل مبدئياً وغير انتقائي ، لأن العدالة لا تستقيم إذا اختلف معيارها باختلاف هوية المتهم .
أما الاختبار الأكبر للمحكمة اليوم فهو فلسطين .
فقد بدأت تحقيقها في الوضع الفلسطيني عام 2021م ، بعد أن قررت اختصاصها الإقليمي في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية ، عقب انضمام فلسطين إلى نظام روما عام 2015م وإحالتها الوضع إلى المحكمة عام 2018م .
وفي 21 نوفمبر 2024م أصدرت المحكمة مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت ، بعد أن خلصت الدائرة التمهيدية إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بمسؤوليتهما عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية محددة في قرارها ، كما رفضت المحكمة الاعتراضات الإسرائيلية على اختصاصها .
لكن إصدار مذكرة التوقيف شيء وتنفيذها شيء آخر . فالمحكمة لا تملك شرطة دولية ، وتعتمد في القبض على المطلوبين وتسليمهم على تعاون الدول الأطراف في نظام روما .
ولذلك فإن تنفيذ مذكرة نتنياهو سيظل مرتبطاً بالدول التي قد يدخل أراضيها وبمدى استعدادها للوفاء بالتزاماتها تجاه المحكمة .
وقد تظل المذكرة نافذة قانوناً ، بينما يظل تنفيذها رهناً بالسياسة والجغرافيا والعلاقات الدولية !
وهذه إحدى أكبر ثغرات العدالة الجنائية الدولية : المحكمة تستطيع إصدار القرار ، لكنها لا تملك دائماً أدوات فرضه .
فغياب جهاز إنفاذ دولي مستقل يجعل تنفيذ مذكرات التوقيف والأحكام مرتبطاً إلى حد كبير بإرادة الدول وموازين القوى .
فهل يعني ذلك أن المحكمة مسيسة ؟
الإجابة المنصفة ليست نعم أو لا .
فالمحكمة مؤسسة قضائية لها نظام قانوني وإجراءات ومعايير للإثبات ، وليست هيئة سياسية بالمعنى المباشر .
لكنها تعمل داخل نظام دولي شديد التسييس ؛ ولذلك تتأثر قدرتها على التحقيق والوصول إلى المتهمين وتنفيذ قراراتها بموازين القوة .
والمشكلة ، في جانب مهم منها ، ليست أن القانون نفسه سياسي ، وإنما أن إنفاذ القانون الدولي يجري داخل بيئة سياسية غير متساوية .
وهنا تبرز قضية السودان .
فالسودان ليس طرفاً في نظام روما ، لكن مجلس الأمن أحال وضع دارفور إلى المحكمة بموجب القرار 1593 لعام 2005م ، فأصبح لها اختصاص على الجرائم الداخلة في نظامها الأساسي التي يزعم أنها ارتكبت في دارفور منذ يوليو 2002م .
ومضت المحكمة سنوات طويلة في هذا الملف ، بينما ظلت قدرتها على تنفيذ مذكرات التوقيف محدودة .
ولا ينبغي للدول أن تطالب بالإفلات من العقاب ؛ فالجرائم الدولية يجب أن يحاسب مرتكبوها أياً كانت مواقعهم .
لكن العدالة تفقد جزءاً من مشروعيتها عندما يبدو أن قدرتها على الوصول إلى المتهم تتناسب عكسياً مع قوة الدولة التي ينتمي إليها .
وهنا تكمن المفارقة بين أفريقيا وفلسطين : ليس السؤال لماذا حوسب بعض الأفارقة ، وإنما لماذا لا يطبق المعيار نفسه على الجميع ؟
ومن المهم أيضاً تصحيح تصور شائع : المحكمة لم تمتنع عن التحقيق في الجرائم الإسرائيلية ، بل فتحت تحقيقاً في الوضع الفلسطيني عام 2021م وأصدرت لاحقاً مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين .
لكن السؤال المشروع يبقى : لماذا استغرق المسار القضائي كل هذا الوقت ، ولماذا ظلت قدرة المحكمة على تنفيذ قراراتها محدودة ؟
إن القضية في جوهرها تتجاوز المحكمة إلى أزمة العدالة الدولية نفسها .
فالولايات المتحدة ، وهي من القوى التي لعبت تاريخياً دوراً مهماً في بناء النظام الدولي ، تواجه اليوم إحدى مؤسسات العدالة الدولية بالعقوبات والضغوط ، بينما تتخذ في قضايا أخرى مواقف صارمة من جرائم الحرب والمساءلة عندما يتعلق الأمر بخصومها .
وهذه الازدواجية لا تضعف المحكمة وحدها ، بل تضعف النظام الدولي نفسه .
فإذا أصبح القانون الدولي قانوناً للأقوياء على الضعفاء ، أو قاعدة على الخصوم واستثناء على الحلفاء ، فإن شرعيته تتآكل ، وتتحول قواعده من معيار للعدالة إلى أداة من أدوات السياسة الدولية .
ولا يعني ذلك أن المحكمة فوق النقد .
فهي تحتاج إلى تطوير أدواتها ، وتوسيع ولايتها ، وتسريع إجراءاتها ، وتعزيز الشفافية والاستقلال ، وضمان عدم الانتقائية في اختيار الملفات .
لكن إصلاح المحكمة شيء ، وإخضاعها للضغط السياسي شيء آخر .
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للقانون الدولي هو أن يصبح تطبيقه مرهوناً بموازين القوة .
فالعدالة لا تكون عدالة حقيقية عندما تصل إلى من لا يستطيع مقاومتها ، وتتوقف أمام من يملك القوة لحمايتها .
ولهذا فإن مستقبل المحكمة الجنائية الدولية لن يتوقف على بقائها مؤسسة قائمة فحسب ، وإنما على قدرة المجتمع الدولي على الدفاع عن استقلالها وإصلاح مواطن الضعف فيها في الوقت نفسه .
فالمطلوب ليس محكمة تطارد الضعفاء ولا محكمة تحمي الأقوياء ، وإنما عدالة دولية تستطيع أن تطبق معياراً واحداً على الجميع : القوي والضعيف ، الحليف والخصم ، الرئيس والخفير .
قد تستطيع الولايات المتحدة إضعاف المحكمة مالياً وسياسياً ، وقد تستطيع الضغط على قضاتها وموظفيها ، لكنها لا تستطيع إلغاء الحاجة التاريخية التي أنشئت المحكمة من أجلها : أن تكون هناك جهة قضائية تقول إن بعض الجرائم لا تسقط بالتقادم ، وإن السلطة لا تمنح صاحبها حصانة من المسؤولية الجنائية .
فأزمة المحكمة الجنائية الدولية ليست في وجودها ، وإنما في أن العدالة التي تمثلها لم تصبح بعدُ متساوية على الجميع .
وإذا استمرت هذه الازدواجية ، فإن الخاسر لن يكون المحكمة وحدها ، بل النظام الدولي وسيادة القانون والثقة في فكرة العدالة الدولية نفسها .
بل والحضارة التي تقود النظام الدولي وتتسيد العالم بلا أخلاق أو نزاهة ودون صدق أو ضمير .




