دولي

“الثعلب المهذّب” بقلم أكرم ناظم بزي

بلغة الإنسان “البسيط” سأفترض إن تفجير المرفأ وقع بسبب “الإهمال”، وبنفس اللغة سأفترض إن هبّة فرنسا لمساعدة لبنان كـ “هبّة الأم الحنون”، جاءت عفوية. فقد أسرع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون (متخطياً كل التهديدات الأميركية وخاصة بعد الحصار بالعقوبات وبقانون “قيصر”، موتوا جوعاً أو غيظاً لا فرق، موتوا أو ارضخوا لمطالبنا)، جاء لنجدة اللبنانيين من هذا الزلزال العنيف. وبدأت المساعدات من كل حدب وصوب حتى بنغلاديش وسريلانكا (مشكورين) ورفع الحصار وبدأت “كميات الدولار الطازج” تدخل البلد عبر المصارف او عبر شركات الأموال والصيرفة بعد أن كانت محرّمة. وفي زيارة ماكرون الثانية، جاء ومعه البيان الوزاري الجديد للحكومة “العتيدة” وبعدها تم تعيين الدكتور مصطفى أديب رئيساً للحكومة . وغادر ماكرون على أن يعود بعد 3 أشهر على أمل ان تكون الحكومة قد شكلت وانجزت شيئا ما (؟!). بعد ماكرون جاءت زيارة ديفيد شينكرــ نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي ــ (لا نستأهل أن يأتي وزير الخارجية او المساعد مباشرة بل نائبه)، كانت مبرمجة لبحث ترسيم الحدود البحرية بين لبنان والكيان الغاصب، فجأة تغير جدول زيارته، وأصبح لمقابلة بعض “ثوار لبنان”، وهذا ما حصل خلال مقابلته لهم عبر تقنية “زووم”، ليخبرهم بأن دورهم الآن جُمد، لأنهم لم يستطيعوا أن يحققوا الهدف المنشود من “الثورة” ولأنهم أيضاً “نفخوا” حجمهم وحجم انجازاتهم، ولفرط النفخ خُيل لهم بأنهم سيقلبون الطاولة على الجميع ما أن يجتازوا سواتر الحماية عند المجلس النيابي.
السؤال هل يستطيع أن يأتي ماكرون دون التنسيق الكامل مع أميركا؟ وكيف استطاع ان يفك الحصار عن لبنان بهذه السرعة، ويجلب معه كل هذه المساعدات، وان يطلب أيضا من كل الدول مساعدة لبنان وان يعقد مؤتمراً خصيصاً لمساعدة لبنان وكان على رأسه الرئيس الأميركي شخصيا عبر الانترنت. ما الذي تبدل وتحول؟

يقول الباحث بالشأن التركي والعلاقات الدولية، طه عودة أوغلو لـ”وكالة أنباء تركيا”، إن “المتابع للتوتر القائم في منطقة شرقي المتوسط بين تركيا واليونان، يرى بشكل واضح أن الخلاف الحقيقي هو بين تركيا وفرنسا، وأشار إلى أن “فرنسا من خلال تحركاتها الأخيرة تحاول أن تقدم نفسها كوصية على المنطقة، وتقوم بتجييش دول الإتحاد الأوروبي لتبني سياستها لمواجهة تركيا. وأضاف أنه “على الرغم من أن الخلاف الحقيقي بين تركيا وفرنسا يتمحور حول الصراع الدائر حاليا في ليبيا، إلا أن الجانب المخفي في هذه القضية هو تنافس البلدين على الورثة الأمريكية في المتوسط، بعد اتخاذ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرارا بعدم التورط في صراعات المنطقة. و”ما يريده الرئيس الفرنسي من خلال تحركاته الأخيرة هو استعادة نفوذ بلاده في منطقة الشرق الأوسط، والأهم بتصوري هو محاصرة التمدد التركي في منطقة الشرق الأوسط والقارة الإفريقية، والتوجه نحو لبنان وليبيا مدعيا أن همه مساندة شعوب تلك المناطق، الأمر الذي أثار وما يزال ردود فعل غاضبة بين كثير من الفرنسيين، خاصة بعد زياراته المتكررة إلى لبنان وأيضا التدخل في ليبيا، وأخيرا زيارته إلى العراق. ويقول الباحث والمحلل السياسي ماجد عزام، إن “الرئيس الفرنسي يريد عودة الهيمنة والتأثير الفرنسي، كما أنه يريد استغلال الإنكفاء والغياب الأمريكي لإدارة دفة القيادة والسيطرة في عدة ملفات وقضايا والتدخل بما يحقق المصلحة الفرنسية”. وأضاف أن “تدخلها شرقي المتوسط لما يجري في ليبيا، فهدفها الأساسي استعماري اقتصادي يتعلق بالهيمنة على الخيرات والثروات، فشركة توتال (شركة نفط فرنسية) هي التي ستتولى كل ما يتعلق بالنفط والغاز شرقي المتوسط مع اليونان وقبرص”.
يشار إلى أن ماكرون بات حديث الساعة بتصرفاته وتصريحاته المثيرة للجدل، حسب مراقبين، سواء خلال تدخله بالشؤون الداخلية والسياسية في لبنان، أو دعم الميليشيات في ليبيا، أوانفجاره بأحد الصحفيين التابعين لصحيفة “لوفيغارو” الفرنسية وتوبيخه بشدة بسبب كشفه تفاصيل عن اللقاء الذي دار بين ماكرون وأحد مسؤولي “حزب الله” في لبنان، إضافة لسياسات أخرى تدل على “تصرفات هيستيرية” لماكرون.
هل فوضت الولايات المتحدة الأميركية فرنسا لتقوم بدورها بالنيابة، خاصة وان بعض المساعي تتطلب حواراً ما بين المتخاصمين لا تستطيع “اميركا” أن تلعبه؟
لقد ثبت لأميركا أن عقوباتها على لبنان وسوريا أدت إلى الحاق الضرر بجماعاتها في المنطقة أكثر من أخصامها، وبالتالي كان لا بد من النزول عن أعلى الشجرة بهذه الطريقة، وما مجيء حاملات الطائرات والأساطيل البريطانية والإيطالية والأميركية إلى سواحل بيروت إلا لمواكبة التحرك الدبلوماسي الفرنسي من ناحية ومن ناحية أخرى للهيمنة على السواحل والمرافىء البحرية منعاً لدخول تركيا او غيرها على الخط. ولا ننسى أن الوجود الفرنسي على الشواطىء اللبنانية يؤمن الحماية المطلوبة للشركات الفرنسية والأوروبية التي ستشترك في عملية استخراج الغاز في المرحلة المقبلة وهنا بيت القصيد.
وهنا مجموعة أسئلة تطرح نفسها في هذه المرحلة بالذات:
هل كانت تنتظر دول حلف شمال الأطلسي تفجير مرفأ بيروت لكي تأتي هذه الأساطيل الحربية لشواطىء لبنان؟
أم أن التفجير كان ذريعةً واستغلوه كي يعودوا كما أتوا في مطلع الثمانينات (1982)؟
أم أن هناك من فجر المرفأ كي يأتوا بأساطيلهم وفرض أمر واقع جديد لحماية مصالحهم ومصالح الكيان الصهيوني؟
أم أن الثروة النفطية والغازية الموعودة في الساحل اللبناني جعلتهم يتسابقون للاستثمار الأمني والسياسي والاقتصادي؟
وهل فوضت فرنسا لتكون رأس حربة في تنفيذ هذا المشروع؟
هذه الأسئلة وغيرها، قابلة وخاضعة للنقاش وتحتمل مجموعة إجابات إلا أن القاسم المشترك لهذه الاجابات إن هذه القوات حضرت بمحمولاتها الحربية واحتلت مساحات على الشواطىء اللبنانية ليس كرمى عيون اللبنانيين بل لتحقيق مصالحها ومصالح الكيان الصهيوني فكان تفجير المرفأ السبب المباشر لتحقيق ذلك.

الكاتب أكرم ناظم بزي

الكاتب والباحث اكرم ناظم بزي صحافي وباحث لبناني، يكتب في الادب والسياسة والعلاقات الدولية، لديه العديد من الأبحاث وعمل رئيساً لتحرير موقع إنارات.نت وفي الصحافة اللبنانية والعربية، لا سيما في دولة الكويت وهو عضو في جمعية الصحافيين الكويتية، ونقابة مخرجي الصحافة اللبنانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى