أطرح عليكم سؤالاً قد يبدو أكاديمياً بحتاً، لكنه في جوهره هو سؤال وجودي يواجه كل باحث في العلاقات الدولية اليوم: لماذا يعجز أكبر منظري القرن العشرين عن تفسير عالم القرن الحادي والعشرين؟ أعرف أن الإجابة قد تبدو بديهية لبعضكم، لكنني أعتقد أن المفارقة أعمق من ذلك. فنحن نعيش لحظة انتقالية هي الأعمق منذ نهاية الحرب الباردة، ومع ذلك لا نزال نستعين بأدوات فكرية صُممت لعالم مختلف. وربما لا يوجد مثالان أوضح على هذه المفارقة من هنري كيسنجر وفرانسيس فوكوياما. فهنري كيسنجر قد صاغ نظرية توازن القوى في زمن كانت الدولة فيه سيدة اللعبة، والثاني أعلن نهاية التاريخ في زمن كانت الليبرالية فيه تبدو بلا منافس. لكن العالم الذي نعيشه اليوم لا يشبه أي منهما: دول تتراجع، وفواعل من غير الدول تتصاعد، وممرات مائية تتحول إلى عقد نظامية، وتحالفات تتحول إلى شبكات، وليبرالية تتراجع في عقر دارها. وأنا أعتقد أن هذه المفارقة لا تكمن في فشل كيسنجر أو فوكوياما، بل في فشلنا نحن في بناء إطار جديد يتجاوز كليهما، وفي فشلنا في رؤية المشروع الإسرائيلي كأحد أكثر تجليات هذا التحول وضوحاً.
ان كيسنجر وفوكوياما لم يكونا مجرد منظرين، بل كانا يمثلان إطارين فكريين متعارضين لفهم العالم بعد الحرب الباردة. كيسنجر رأى أن النظام الدولي يقوم على توازن القوى بين الدول الكبرى، وأن الاستقرار لا يتحقق إلا عبر إدارة هذا التوازن ببراجماتية. وفوكوياما رأى أن الديمقراطية الليبرالية هي نهاية التطور السياسي للبشرية، وأن العالم يسير نحو نظام عالمي ليبرالي تقوده الولايات المتحدة والغرب. لكن ما نعيشه اليوم من صعود الفواعل من غير الدول، وتشابك الحروب الإقليمية، وتآكل الثقة في المؤسسات، وتصاعد بريكس، وانهيار الردع التقليدي، يجعلنا نعود إلى هذين الإطارين لا لنختار بينهما، بل لنفهم لماذا فشلا معاً في تفسير نظام انتقالي لم يتوقعه أي منهما.
انطلق كيسنجر من فرضية أساسية مفادها أن الدول هي الفاعل الأساسي في النظام الدولي، وأن توازن القوى هو الآلية الوحيدة التي تمنع الهيمنة. وقد صاغ كسينجر هذا الفكر في سياق الحرب الباردة، حيث كان النظام الدولي ثنائي القطبية، وكانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي هما اللاعبان الرئيسيان. وكان كيسنجر يرى أن الاستقرار لا يتحقق عبر نشر الديمقراطية، بل عبر إدارة التوازن بين القوى الكبرى. وهذا ما جسده في انفتاحه على الصين عام 1971، حيث سعى إلى استخدام الصين كورقة في مواجهة الاتحاد السوفيتي. لكن ما حدث بعد الحرب الباردة أثبت محدودية هذا الإطار، فالنظام الدولي لم يعد ثنائي القطبية، بل أصبح أحادي القطب في التسعينيات، ثم متعدد الأقطاب في العقدين الأخيرين. كما أن الدول لم تعد الفاعل الوحيد، بل تصاعدت الفواعل من غير الدول، من الحوثيين إلى داعش إلى الميليشيات في ليبيا وسوريا. وهذا يعني أن توازن القوى، بمعنى كيسنجر، لم يعد قادراً على تفسير نظام تتصاعد فيه الفواعل من غير الدول، وتتشابك فيه الحروب بالوكالة، وتتآكل فيه السيادة.
لكن كيسنجر كان يرى أن الاستقرار يتحقق عبر إدارة التوازن، فلم يتوقع أن الفواعل من غير الدول يمكن أن تعطل هذا التوازن، وأن الممرات المائية يمكن أن تصبح عقداً نظامية، وأن الطاقة يمكن أن تصبح سلاحاً. وهذا يعني أن كيسنجر، برغم عبقريته، إلا أنه كان ابن عصره، وأن نظريته لم تعد كافية لتفسير نظام انتقالي لم يتوقعه أحد. غير أن هذا لا يعني أن كيسنجر أصبح بلا قيمة، بل يعني أن الحاجة قائمة إلى قراءته لكن بعين نقدية، تأخذ من براجماتيته ما يصلح لعصرنا، وتترك ما لا يصلح. فقد تعلمنا من كيسنجر أن الاستقرار لا يتحقق بالخطاب الأيديولوجي، بل بإدارة التوازنات. وهذا الدرس لا يزال صالحاً، حتى لو تغيرت أدوات التوازن، وحتى لو ظهرت فواعل جديدة لم تكن في حساباته.
وإذا كان كيسنجر قد غاب عنه توقع صعود الفواعل من غير الدول، فإن فوكوياما أيضاً قد خانه الحظ في توقع تراجع الليبرالية. فقد انطلق فوكوياما من فرضية معاكسة تثبت أن الديمقراطية الليبرالية هي نهاية التاريخ، ورأى أن سقوط الاتحاد السوفيتي يعني انتصار الليبرالية، وأن العالم يسير نحو نظام عالمي ليبرالي تقوده الولايات المتحدة. وقد صاغ هذا الفكر في كتابه نهاية التاريخ والرجل الأخير عام 1992، حيث رأى أن الحروب الكبرى ستنتهي، وأن التجارة ستوحد العالم، وأن المؤسسات الدولية ستضمن السلام. لكن ما حدث بعد 2001 أثبت خطأ هذا الإطار، فبدلاً من نهاية التاريخ، شهد العالم عودة التاريخ بين تصاعد الحروب في أفغانستان والعراق وإيران وغزة، وصعوداً بارزاً للصين وروسيا، وتفككاً للدول الوطنية، وتصاعداً للقوميات والدين، وتراجعاً للديمقراطية الليبرالية نفسها في الغرب مع صعود الشعبوية والقومية واليمين المتطرف. وهذا يعني أن نهاية التاريخ لم تتحقق، بل عاد التاريخ بقوة، لكن بأدوات جديدة تتمثل في الفواعل من غير الدول، والحروب الهجينة، والحرب السيبرانية. وترسخ فكر فوكوياما حول انتصار الليبرالية في النهاية، لكنه لم يتوقع أن الديمقراطية نفسها يمكن أن تتراجع، وأن المؤسسات الدولية يمكن أن تتآكل، وأن النظام الليبرالي يمكن أن ينهار. وهذا يعني أن فوكوياما، رغم أهميته، كان أسير تفاؤله، وأن نظريته لم تعد كافية لتفسير نظام انتقالي لم يتوقعه. غير أن هذا لا يعني أن فوكوياما أصبح بلا قيمة، بل يعني أن الحاجة قائمة إلى قراءته بعين نقدية، تأخذ من رؤيته ما يصلح لعصرنا، وتترك ما لا يصلح. فقد علمنا فوكوياما أن الليبرالية ليست مجرد نظام سياسي، بل هي مشروع حضاري. وهذا الدرس لا يزال صالحاً، حتى لو تراجع المشروع في عقر داره، وحتى لو صعدت قوى جديدة لا تؤمن بهذا المشروع.
وإذا كان كيسنجر وفوكوياما قد فشلا معاً في تفسير النظام الانتقالي الذي نمر به حالياً، إذن فما هو الإطار الذي يمكن أن يفسر هذا النظام؟ وهنا يجب أن ندرك ثلاثة تحولات جوهرية لم يتوقعها أي من الإطارين. فالتحول الأول هو الانتقال من توازن القوى إلى توزيع القوة، فلم تعد القوة حكراً على الدول، بل أصبحت موزعة بين فواعل متعددة: دول، وميليشيات، وشركات، وشبكات. والتحول الثاني هو الانتقال من نهاية التاريخ إلى عودة التاريخ، فلم تعد الليبرالية هي النهاية، بل عاد التاريخ بقوة، لكن بأدوات جديدة: الحروب الهجينة، والحرب السيبرانية، والحروب بالوكالة. والتحول الثالث هو الانتقال من النظام الدولي إلى النظام الانتقالي، فلم يعد النظام الدولي مستقراً، بل أصبح انتقالياً، أي في حالة تحول دائم بين نظام قديم لم يمت ونظام جديد لم يولد. وهذه التحولات الثلاثة لا تعمل بشكل منفصل، بل تتفاعل معاً لتخلق نظاماً لا يشبه أي شيء عرفناه من قبل.
وتفرض هذه التحولات الثلاثة إعادة تعريف مفهوم القوة نفسه. فالقوة لم تعد تقاس بعدد الدبابات والطائرات والصواريخ فقط، بل أصبحت تشمل القوة السيبرانية والقوة الاقتصادية والقوة المعلوماتية. وقد أصبحت القوة السيبرانية عنصراً حاسماً في المعادلات الدولية، حيث باتت الدول قادرة على تعطيل البنية التحتية الرقمية للخصوم، واختراق الأنظمة المالية، وتشويش شبكات الاتصال. وقد تجلى ذلك في الهجمات السيبرانية التي استهدفت كابلات البحر الأحمر، والتي أثرت على خمسة وعشرين في المئة من حركة البيانات بين آسيا وأوروبا. وأما القوة الاقتصادية فقد أصبحت أداة الضغط الأساسية في النظام الانتقالي، حيث تستخدم الولايات المتحدة الرسوم الجمركية والعقوبات المالية لحرمان الخصوم من الوصول إلى الأسواق. وقد تجلى ذلك في مفارقة ترامب، حيث أدت الرسوم الأمريكية إلى تقارب الدول المستهدفة بدلاً من إخضاعها. وأما القوة المعلوماتية فقد أصبحت ساحة الصراع الجديدة، حيث تتنافس القوى الكبرى على السيطرة على السرديات والتأثير في الرأي العام العالمي. وهذه الأبعاد الثلاثة للقوة تتفاعل معاً، وتخلق معادلات جديدة لا يمكن فهمها بالأدوات الكلاسيكية.
ويتصل بهذا التحول في مفهوم القوة تحول مماثل في مفهوم الردع. فالردع ضد الفواعل من غير الدول لم يعد يعمل بالطريقة التقليدية، لأن هذه الفواعل لا تمتلك دولة ولا بنية تحتية يمكن استهدافها. وهذا يعني أن الردع يحتاج إلى إعادة تعريف، من الردع بالعقاب إلى الردع بالحرمان. وقد تجلى ذلك في استراتيجية مجالات الحرمان الاستراتيجي التي تتبعها الولايات المتحدة، والتي تهدف إلى منع الخصوم من الوصول إلى الموارد والتقنيات وآليات الحوكمة. أما الردع في الفضاء السيبراني فهو أكثر تعقيداً، لأن الفاعلين فيه لا يمكن تحديد هويتهم بسهولة، ولا يمكن ردعهم بالتهديد التقليدي. وأما الردع في المجال البحري فقد أصبح أكثر حساسية، لأن الممرات المائية أصبحت أهدافاً للفواعل من غير الدول، كما حدث في البحر الأحمر حيث استهدف الحوثيون السفن التجارية وأغلقوا مضيق باب المندب. وهذا يعني أن الردع لم يعد علاقة بين دول متكافئة، بل أصبح علاقة بين قوة مهيمنة تسعى إلى منع خصومها من الوصول إلى الموارد، وخصوم لا يمتلكون دولة لكنهم يمتلكون قدرة على التعطيل.
واستناداً للمفاهيم الجديدة للقوة والردع اقترح بناء إطار جديد لفهم النظام الانتقالي، يقوم على ثلاثة مفاهيم. المفهوم الأول هو الشبكات بدلاً من التحالفات، فلم تعد العلاقات الدولية تدار عبر تحالفات ثابتة، بل عبر شبكات مرنة تتغير حسب المصالح والظروف. والمفهوم الثاني هو الحرمان بدلاً من العقاب، فلم يعد الردع يعمل عبر التهديد بالعقاب، بل عبر الحرمان، أي منع الخصم من الوصول إلى الموارد والتقنيات وآليات الحوكمة. والمفهوم الثالث هو العقد النظامية بدلاً من الممرات المائية، فلم تعد الممرات المائية مجرد طرق تجارية، بل أصبحت عقداً نظامية تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى والإقليمية والفواعل من غير الدول. وهذه المفاهيم الثلاثة ليست منفصلة، بل تشكل نسيجاً واحداً يمكن من خلاله فهم التحولات الجارية.
وتتحول هذه المفاهيم الثلاثة من إضافات نظرية إلى أدوات تحليلية عند تطبيقها على حالات متعددة. فمفهوم الشبكات يفسر لماذا تختار تركيا أن تكون فاعلاً شبكياً يعبر الحدود بين التكتلات، بدلاً من الانتماء إلى تحالف واحد. فتركيا تشارك في قمة بريكس، وتحافظ على علاقاتها مع الناتو، وتتدخل في ليبيا وسوريا والبحر الأحمر، وتنسق مع روسيا وإيران في ملفات الطاقة، وتلعب دوراً في أوكرانيا كوسيط بين موسكو وكييف. ومفهوم الحرمان يفسر لماذا تختار الولايات المتحدة استراتيجية منع الخصوم من الوصول إلى الموارد والتقنيات، بدلاً من معاقبتهم بعد وقوع الفعل. فبدلاً من الانخراط المباشر في اليمن، تكتفي واشنطن بالدعم الاستخباراتي للسعودية، وتسعى إلى حرمان الحوثيين من الوصول إلى التمويل والسلاح والشرعية. ومفهوم العقد النظامية يفسر لماذا تتحول الممرات المائية، من باب المندب إلى هرمز، إلى نقاط اشتعال في الصراع الدولي. فباب المندب لم يعد مجرد مضيق، بل أصبح عقدة نظامية تتقاطع فيها مصالح السعودية ومصر وإسرائيل وإيران والولايات المتحدة والصين.
وبتطبيق الإطار على بريكس تتجلى مفارقة عميقة فبريكس ليست تحالفاً بالمعنى التقليدي، بل شبكة مصالح متباينة يجمعها هدف سلبي واحد: تقليص الهيمنة الغربية. فبريكس تضم إيران التي تهاجم الإمارات، وإثيوبيا التي تتنافس مع مصر على منافذ البحر الأحمر، والهند التي تتنافس مع الصين على القيادة الآسيوية. وهذا التناقض الداخلي ليس مجرد خلل في تصميم التكتل، بل انعكاس لبنية النظام الدولي نفسه. فبريكس لا تمتلك رؤية مشتركة، ولا آليات تنفيذ، ولا قدرة على فرض القواعد على الأعضاء. وهذا يعني أنها تبقى شبكة غير متماسكة، وليست بديلاً نظامياً. وهذا لا يعني أن بريكس بلا قيمة، بل يعني أنها مرآة للنظام الانتقالي، تكشف تناقضاته دون أن تقدم حلاً لها. وقد تجلى ذلك في قمة نيودلهي 2026، حيث التقى ولي عهد أبو ظبي بالرئيس الإيراني على هامش القمة، في أول لقاء من نوعه منذ اندلاع الحرب، بينما كانت إيران تستهدف قواعد أمريكية في الكويت والإمارات. وهذا يعني أن بريكس لم تستطع حتى فض النزاعات بين أعضائها، فكيف يمكن أن تكون بديلاً نظامياً؟
وإذا طبقنا الإطار على أوكرانيا تظهر لنا مفارقة أخرى، فالحرب هناك ليست مجرد صراع بين دولتين، بل عقدة نظامية تتقاطع فيها مصالح روسيا وأوروبا والولايات المتحدة والصين. وأوروبا نفسها ليست ضحية عرضية لهذا التحول، بل هي ضحية مقصودة في الاستراتيجية الأمريكية. فبعد أن كانت أوروبا تستمد أكثر من أربعين في المئة من غازها من روسيا، أدت الحرب في أوكرانيا إلى إعادة تعريف أمن الطاقة الأوروبي. وتراجعت حصة روسيا من واردات الغاز الأوروبي إلى أقل من عشرة في المئة، وتتجه أوروبا إلى حظر كامل للغاز الروسي بحلول 2027، وقد تحولت إلى مستورد رئيسي للغاز الطبيعي المسال الأمريكي لكن بتكلفة أعلى وهشاشة أكبر. وقد بلغت فاتورة الطاقة الأوروبية 1.8 تريليون يورو خلال سنوات الحرب، وأصبحت شركات الاتحاد الأوروبي تدفع ضعف أسعار الكهرباء الأمريكية وأربعة إلى خمسة أضعاف أسعار الغاز الأمريكية. وهذا يعني أن أوروبا لم تعد شريكاً استراتيجياً قادراً على المناورة، بل أصبحت طرفاً تابعاً في مواجهة الأزمات. وهذا التراجع ليس نتيجة عرضية للحرب، بل نتاج مباشر لخيارات استراتيجية أمريكية تهدف إلى إعادة توزيع أعباء الأمن والطاقة على الحلفاء، وتحويل أوروبا من شريك قادر على المناورة إلى طرف تابع في مواجهة الأزمات.
وعند التوجه شرقاً نجد أن الصين ليست مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل أصبحت فاعلاً شبكياً يسعى إلى حماية مصالحه دون الانخراط العسكري المباشر مقابل الولايات المتحدة. وقد تجلى ذلك في طلبها السري من إيران كبح الحوثيين، بعد مناشدة سعودية لبكين للمساعدة في مواجهة التصعيد في البحر الأحمر. وهذا يعني أن الصين لم تعد مجرد مستورد للنفط، بل أصبحت فاعلاً دبلوماسياً يسعى إلى إدارة الأزمات الإقليمية دون الانخراط العسكري المباشر. وفي الوقت نفسه، تسعى الصين إلى تقليل اعتمادها على الدولار عبر تطوير آليات مالية بديلة مع دول بريكس. وهذا يعني أن الصين لم تعد مجرد قوة اقتصادية، بل أصبحت فاعلاً نظامياً يسعى إلى إعادة تشكيل قواعد اللعبة المالية الدولية. وكانت النتيجة الأكثر وضوحاً في ارتفاع التجارة بين روسيا والصين المسواة بالعملات المحلية إلى 99.1 في المئة، وفي تطوير آليات مالية بديلة مثل نظام المدفوعات عبر الحدود.
ولو تطرقنا لروسيا لوجدناها لم تعد مجرد قوة منهارة، بل تحولت أيضاً إلى فاعل شبكي يسعى إلى استغلال الفوضى لتعظيم مكاسبه. وهي تلعب دوراً متشابك الأبعاد في سوريا وليبيا واليمن، وتنسق مع إيران وتركيا في ملفات الطاقة والأمن. كما أنها تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن اضطراب الممرات المائية في هرمز وباب المندب منذ بداية الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران وتداعياتها المستمرة، مما يمنحها هامشاً إضافياً في مواجهة العقوبات الغربية. وهذا يعني أن روسيا لم تعد مجرد خصم للغرب، بل أصبحت فاعلاً شبكياً يعبر الحدود بين التكتلات، ويسعى إلى استغلال التناقضات لتعظيم نفوذه. وقد تجلى ذلك في دورها في الوساطة بين إيران وإسرائيل، وفي تنسيقها مع تركيا في ملفات الطاقة، وفي استفادتها من ارتفاع أسعار الطاقة لتمويل حربها في أوكرانيا.
أيضاً إيران ليست مجرد دولة إقليمية، بل عقدة توسعية محورية تمتلك شبكة واسعة من الوكلاء في لبنان والعراق واليمن وسوريا. وهي تستخدم هذه الشبكة ليس فقط لتعزيز نفوذها الإقليمي، بل لحرمان خصومها من الوصول إلى الممرات المائية الحيوية. ففي البحر الأحمر، يستخدم الحوثيون، كأحد وكلاء إيران، ورقة باب المندب لتهديد الملاحة السعودية والدولية. وفي مضيق هرمز، تستخدم إيران نفسها ورقة الإغلاق لرفع تكاليف أي مواجهة معها. وهذا يعني أن إيران لم تعد مجرد دولة إقليمية، بل أصبحت عقدة شبكية تمتلك قدرة على تعطيل النظام أكثر من قدرتها على إدارته. وقد تجلى ذلك في استهدافها للسفن التجارية، وفي دعمها للحوثيين، وفي تهديدها المستمر لإغلاق مضيق هرمز.
كما تحول لبنان إلى ساحة تتقاطع فيها الشبكات الإقليمية والدولية، وتتجلى فيه مفاهيم الحرمان والعقد النظامية بأوضح صورها. وحزب الله ليس مجرد ميليشيا مسلحة، بل هو فاعل شبكي يمتلك قدرات عسكرية تفوق قدرات الجيش اللبناني الرسمي، ويستخدم هذه القدرات ليس فقط لتعزيز نفوذه الداخلي، بل لحرمان إسرائيل من الوصول إلى الأمن في شمالها، وحرمان الولايات المتحدة من تحقيق الاستقرار الذي يناسب طموحاتها في المنطقة. وقد تجلى ذلك في الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان في 2024، والتي استهدفت بنية حزب الله التحتية، وأدت إلى تدمير أجزاء واسعة من جنوب لبنان، لكنها لم تستطع القضاء على الحزب أو نزع سلاحه. وهذا يعني أن حزب الله، رغم الخسائر التي تكبدها، لا يزال فاعلاً لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات إقليمية قادمة. وقد تحول لبنان في عام 2026 إلى ساحة لتصفية الحسابات بين إسرائيل وإيران، وبين الولايات المتحدة وحزب الله، حيث شنت إسرائيل سلسلة من الغارات على جنوب لبنان، وسعت الولايات المتحدة إلى الضغط على لبنان لتشكيل حكومة قادرة على نزع سلاح حزب الله، لكنها فشلت في ذلك بسبب الانقسام الداخلي اللبناني. وهذا يعني أن لبنان، رغم ضعفه، لا يزال عقدة نظامية لا يمكن تجاهلها في أي ترتيبات أمنية إقليمية.
وهنا يبرز معنى التوازن عند مصر فهي ليست فاعلاً شبكياً بالمعنى التركي، ولا عقدة شبكية بالمعنى الإيراني، ولا وكيلاً بعيداً بالمعنى الإسرائيلي. بل هي نقطة تقاطع بين شبكات متعددة. فهي عضو في بريكس، وشريك في التحالف العربي، ووسيط في غزة، وحامي لأمن البحر الأحمر، ومنسق مع أوروبا في الطاقة. وهذا الموقع يجعلها قادرة على التأثير في الشبكات دون الانتماء الكامل لأي منها. كل هذا جاء نتيجة إدراك القيادة المصرية منذ عام 2014 أن المنطقة مقبلة على تحولات بنيوية، وأن عقيدة الأمن المستأجر لم تعد كافية. مما جعل مصر اليوم في موقع القدرة والجدارة على إنتاج التوازن في نظام إقليمي يتشكل من جديد. وقد ظهر ذلك جلياً في استضافتها لقمم إقليمية، وفي وساطتها في غزة، وفي حمايتها لأمن البحر الأحمر، وفي تنسيقها مع أوروبا في الطاقة.
أصل بكم إلى تطبيق الإطار المقترح على إسرائيل كمفارقة تجمع بين ثلاثة مسارات متداخلة: المسار القضائي، والمسار الاستيطاني، والمسار الدستوري. فإسرائيل ليست مجرد دولة إقليمية تسعى إلى تأمين حدودها كما تدعي بظاهر خطاباتها الرسمية، بل هي مشروع استيطاني توسعي يمتلك أدوات قانونية وإدارية وعسكرية لتنفيذه. وقد وجدنا تطوراً يشمل الإصلاح القضائي داخل إسرائيل الذي يهدف إلى تقليص سلطة المحكمة العليا، وفي القرارات الاستيطانية التي ألغت القيود على بيع الأراضي في الضفة الغربية، وفي قانون القومية اليهودية الذي يوفر الأساس الدستوري لطرد الفلسطينيين. وهذه المسارات الثلاثة ليست منفصلة، بل تشكل نظاماً واحداً. فالإصلاح القضائي يزيل العقبات القانونية، والاستيطان يحقق السيطرة على الأرض، وقانون القومية يوفر الإطار الدستوري لإدارة السكان. وهذا يعني أن المشروع الإسرائيلي لم يعد مجرد أيديولوجيا، بل أصبح مشروعاً إدارياً متكاملاً. وقد تجلى ذلك في تصريحات وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي قال إن القضاة الذين سيعينون في الولاية القادمة سيغيرون وجه إسرائيل لعقود، وإن مشروع E1 الاستيطاني يهدف إلى دفن فكرة الدولة الفلسطينية.
وهنا سأوضح لم يجب الربط بين المشروع الإسرائيلي والمفاهيم الثلاثة للإطار الجديد. فالمشروع الإسرائيلي ليس مجرد مشروع استيطاني، بل هو مشروع شبكي بامتياز. فهو لا يعتمد على تحالفات ثابتة، بل يبني شبكات جديدة مع قوى صاعدة مثل إثيوبيا، ودول عربية داخلة في اتفاقيات إبراهام، وقوى إقليمية تسعى إلى تطوير علاقاتها مع إسرائيل. وهو لا يستخدم الردع بالعقاب، بل الردع بالحرمان وهو مفهوم يجب تبنيه، حيث يسعى إلى حرمان الفلسطينيين من الأرض والموارد والشرعية، وحرمان خصومه من الوصول إلى الممرات المائية الحيوية كنتيجة حربه على إيران. وهو لا يتعامل مع الممرات المائية كمجرد طرق تجارية، بل كعقد نظامية يسعى إلى السيطرة عليها. وقد تجلى ذلك أيضاً في دعمه لإثيوبيا في سعيها إلى منفذ بحري على البحر الأحمر، وفي محاولاته لتأمين ميناء إيلات، وفي تنسيقه مع دول إبراهام لبناء شبكة أمنية إقليمية.
لكن ينبغي أن أوضح هذه المفاهيم لا تلغي ما جاء به كيسنجر وفوكوياما، بل تتجاوزهما إلى فهم نظام انتقالي لم يتوقعه أي منهما. حيث يواجه الدراسات الدولية اليوم تحدٍ أكاديمي واضح: كيف نفسر نظاماً لا يشبه أي شيء عرفناه من قبل؟ لذا تم السعي لبناء إطار جديد قادر على تفسير نظام انتقالي، حيث لم تعد الدول هي الفاعل الوحيد في النظام الدولي، ولم يعد توازن القوى الآلية الوحيدة التي تضبط المسارات، ولم تعد الليبرالية هي النهاية الوحيدة.
لذا لا يمكن أن نكتفي بالقول إن الإطار الجديد هو امتداد لكيسنجر وفوكوياما فهذا القول صحيح، لكنه لا يكفي. فالإطار الجديد ليس مجرد إضافة مفاهيمية إلى تراث سابق، بل هو إعادة تأسيس لفهمنا للعلاقات الدولية في لحظة انتقالية لا تشبه أي لحظة سابقة. فكيسنجر وفوكوياما، رغم اختلافهما، كانا يتحدثان عن عالم يمكن تفسيره بقوانين عامة، سواء كانت توازن القوى أو نهاية التاريخ. أما الإطار الجديد، فهو يتحدث عن عالم لا يمكن تفسيره بقوانين عامة، لأن بنيته نفسها في حالة تحول دائم. وهذا يعني أن الإطار الجديد ليس نظرية بالمعنى التقليدي، بل هو منهج في التفكير، وأداة في التحليل، وموقف في الفهم. وهو لا يقدم إجابات جاهزة، بل يقدم أسئلة جديدة. ولا يقدم حلولاً نهائية، بل يقدم أدوات لفهم التحولات المستمرة.
والحقيقة أن هذا الإطار الجديد يفتح الباب أمام دراسة الشبكات الإقليمية والدولية، وكيف تتشكل، وكيف تتفكك، وكيف تتغير. ويفتح الباب أمام دراسة الحرمان الاستراتيجي، وكيف تستخدمه القوى الكبرى، وما هي آثاره على الفواعل الصغيرة. ويفتح الباب أيضاً أمام دراسة العقد النظامية، وكيف تتحول الممرات المائية إلى نقاط اشتباك، وكيف يمكن إدارتها. وهذه الآفاق ليست مجرد موضوعات بحثية، بل هي ضرورات عملية لفهم عالم لا يشبه أي شيء عرفناه من قبل.
ولعل الأهم من ذلك كله هو أن الإطار الجديد يعيد الاعتبار للفواعل من غير الدول. فقد ظلت الدراسات الدولية لعقود تركز على الدول، وكأنها الفاعل الوحيد. لكن ما نعيشه اليوم يكشف أن الفواعل من غير الدول ليست هامشية، بل أصبحت مركزية. فالحوثيون في اليمن، وحزب الله في لبنان، والميليشيات في العراق وسوريا وليبيا، كلها فواعل لا يمكن تجاهلها. وهي لا تتصرف كدول، ولا تتصرف كمنظمات دولية، بل تتصرف كشبكات. وهذا يعني أن الدراسات الدولية بحاجة إلى تطوير أدوات جديدة لتحليل سلوك هذه الفواعل، وفهم استراتيجياتها، وتوقع تحركاتها.
وهنا تبرز الحقيقة الأكثر إيلاماً في هذه القراءة. فكل هذه التحولات التي وصفتها، من صعود الفواعل من غير الدول، إلى تحول الردع من العقاب إلى الحرمان، إلى تحول الممرات المائية إلى عقد نظامية، إلى تحول التحالفات إلى شبكات، كل هذه التحولات لم تكن مجرد تحولات عشوائية، بل كانت تحولات وظيفية لخدمة مشروعين متكاملين: المشروع الإسرائيلي التوسعي، والمشروع الأمريكي في إدارة الفوضى. فقد نجحت إسرائيل في تحويل هذه التحولات إلى فرص لتعزيز مشروعها التوسعي، حيث استخدمت الشبكات لبناء تحالفات جديدة مع قوى صاعدة ودول عربية، واستخدمت الحرمان لحرمان الفلسطينيين من الأرض والموارد والشرعية، واستخدمت العقد النظامية للسيطرة على الممرات المائية الحيوية. أما الولايات المتحدة، فقد نجحت في استخدام هذه التحولات إلى أداة لإدارة الفوضى، حيث استخدمت الشبكات لتقليل أعبائها في الشرق الأوسط، واستخدمت الحرمان لحرمان خصومها من الوصول إلى الموارد والتقنيات، واستخدمت العقد النظامية للسيطرة على الممرات المائية الحيوية.
أما العرب، فقد فشلوا في تفادي هذه التحولات، بل كانوا ضحاياها. فبدلاً من أن يستخدموا الشبكات لبناء تحالفات جديدة، وجدوا أنفسهم ضحايا لشبكات غيرهم. وبدلاً من أن يستخدموا الحرمان لتعزيز مواقعهم، وجدوا أنفسهم محرومين من الأرض والموارد والشرعية. وبدلاً من أن يستخدموا العقد النظامية للسيطرة على الممرات المائية، وجدوا أنفسهم ضحايا لعقد نظامية يسيطر عليها الآخرون. وهذا يعني أن العرب لم يفشلوا فقط في تفادي هذه التحولات، بل فشلوا في فهمها، وفشلوا في الاستعداد لها، وفشلوا في استخدامها. وهذا هو الدرس الأكثر إيلاماً في هذه القراءة، وهو الدرس الذي يجب أن نتعلمه إذا أردنا أن نغير مسارنا في المرحلة المقبلة.




