لم يعد “جيل Z” مجرد وسم على تيك توك. في غضون شهر واحد، تحول تلاميذ ثانويات لا تتجاوز أعمارهم 19 عاما إلى الفاعل السياسي الأول في أوروبا الغربية. من Créteil في ضواحي باريس إلى ميلانو وتورينو، ما بدأ كمطلب بسيط عن أستاذ غائب، انتهى بإغلاق مئات المدارس ونزول أكثر من نصف مليون شخص إلى الشارع في يوم واحد. فمن يقف وراء هذه الحركة؟ وهل لها هدف خفي؟
أولا: ما الذي حدث؟ الوقائع المحينة
بدأت الشرارة في فرنسا يوم 18 سبتمبر 2026، عندما أغلق تلاميذ ثانويات في Créteil مدارسهم احتجاجا على اكتظاظ الفصول وتدهور المباني ونقص المدرسين. الحركة التي سميت إعلاميا “احتجاجات الثانويات الفرنسية 2026” سرعان ما تمددت لتشمل كامل التراب الفرنسي ولاحقا بلجيكا وإيطاليا واليونان.
المنعرج الحاسم كان يومي 17 و18 أكتوبر 2026. في فرنسا وحدها، شارك ما لا يقل عن 550 ألف متظاهر حسب وزارة الداخلية، وقدرها المنظمون بـ 800 ألف، أي ما بين 0.8 و1.2% من سكان فرنسا البالغ عددهم 69 مليون نسمة. احتجاجات تحول جزء منها إلى أعمال عنف ونهب وإحراق مبان عامة، ما رفع حصيلة الموقوفين إلى أكثر من 5000 شخص منذ بداية الحركة، بينهم 1747 موقوفا في يوم 2 أكتوبر وحده.
في اليوم السابق، 16 أكتوبر 2026، شهدت إيطاليا ما سمي “No Meloni Day”، حيث نزل آلاف الطلاب في أكثر من 50 مدينة احتجاجا على تقليص ميزانية التعليم واستخدام الأموال العامة للإنفاق العسكري والحرب على غزة. الاحتجاجات التي انطلقت على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن والدراسة، تحولت في ميلانو وبولونيا وتورينو إلى اشتباكات عنيفة خلفت 161 مصابا بينهم 141 من أفراد الأمن، و28 موقوفا، وخسائر مادية قدرت بمليون يورو.
اللافت أن الحركة استقطبت رموزا عالمية، حيث انضمت الناشطة السويدية غريتا تونبرغ يوم 13 أكتوبر 2026 إلى طلاب ثانويات فرنسا معلنة تضامنها مع مطالبهم بتحسين ظروف التعليم.
ثانيا: من يقف وراء الحركة؟
التفسير الأمني السائد الذي روجت له بعض السلطات، والقائل بأن اليسار الراديكالي هو من يحرك التلاميذ، لا يصمد أمام الوقائع الميدانية. التحقيقات الصحفية والتقارير الحقوقية تؤكد أربع حقائق:
1. حركة بلا رأس: لا قيادة مركزية، لا حزب، لا نقابة. التنسيق يتم عبر قنوات وTelegram جهوية ومغلقة. كل ثانوية تصوت بشكل مستقل على قرار الإغلاق. وهذا ما يفسر استمرار الحركة رغم الاعتقالات المكثفة.
2. مطالب اجتماعية قبل أن تكون سياسية: جوهر الاحتجاجات في فرنسا وإيطاليا واحد: سوء حالة المباني، اكتظاظ الفصول، عدم توفر بدلاء عن المعلمين المتغيبين خاصة في الأحياء الشعبية، وارتفاع تكاليف السكن والمعيشة. صحيفة “لوموند” وصفتها بأنها من أهم التعبئات التلاميذية التي عرفتها فرنسا خلال العقود الأخيرة.
3. الجيل الأقلية في قارة مسنة: في أوروبا التي يهيمن عليها كبار السن انتخابيا، يجد جيل Z نفسه أقلية ديموغرافية تدفع ثمن التضخم وأزمة السكن بينما ترى الحكومات تنفق بسخاء على مشاريع كبرى. هذا ما يجعل احتجاجاتهم مختلفة عن احتجاجات 2011.
4. العدوى الرقمية: ما يربط باريس بميلانو ليس منظمة سرية، بل فيديو واحد لقسم فيه 38 تلميذا وسقف يقطر ماء. خوارزميات تيك توك وإنستغرام قامت بدور التعبئة الذي كانت تقوم به النقابات سابقا.
ثالثا: هل هناك هدف خفي؟
لا يوجد هدف خفي بالمعنى التآمري، بل هناك هدفان معلنان يبدوان متناقضين:
الهدف الأول، مطلبي ومباشر: تعيين أساتذة، ترميم المدارس، وضع سقف للإيجارات الطلابية، وقف التقشف في التعليم.
الهدف الثاني، سياسي ووجودي: إثبات الوجود. هذا الجيل لا يطالب بإسقاط رئيس أو حكومة، بل يطالب بالاعتراف به كفاعل سياسي. شعار “Bloquons Tout” (لنوقف كل شيء) الذي رفع في فرنسا في سبتمبر 2025 وعاد بقوة في 2026، ليس دعوة للفوضى، بل رسالة مفادها: إذا كان النظام لا يعمل لنا، سنوقف النظام حتى يسمعنا.
الخطر الحقيقي ليس في وجود من يحرك هذا الجيل من الخلف، بل في عدم وجود من يستطيع التفاوض باسمه في الأمام. الحركة التي تنجح في حشد 550 ألف شخص في يوم واحد دون حزب، قد تفشل غدا في تحويل غضبها إلى قرار سياسي، وهذا هو التحدي الذي سيحدد ما إذا كنا أمام ربيع أوروبي جديد، أم مجرد موجة غضب عابرة ستنطفئ مع أول عطلة مدرسية.




