الاحدثدولي

فرساي مرتين: من قاعة المرايا عام 1919 إلى عشاء الشموع عام 2026 | بقلم فاطمة مقني

في التاريخ، أماكن تعود لتكرر نفسها مع اختلاف الإضاءة. قصر فرساي واحد من هذه الأماكن. ففي 28 حزيران/يونيو 1919 شهد توقيع معاهدة أنهت الحرب العالمية الأولى، وفي 18 حزيران/يونيو 2026 شهد توقيع مذكرة تفاهم أمريكية–إيرانية حاولت وقف حرب إقليمية. المكان واحد، لكن التفاصيل تكشف تحولًا كاملًا في منطق السلام.

28 حزيران/يونيو 1919 – توقيع تحت سقف المرايا

صُممت قاعة المرايا في نهاية القرن السابع عشر لتضم 17 قوسًا مكسوًا بالمرايا تقابلها 17 نافذة، وتضم في مجموعها 357 مرآة تعكس الثريات الكريستالية ولوحات السقف التي تمجد انتصارات فرنسا. في ذلك اليوم، وبعد خمس سنوات بالتمام من اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند، وقّعت ألمانيا والحلفاء معاهدة فرساي داخل Hall of Mirrors في قصر فرساي. وترأس الفرنسي جورج كليمنصو مراسم حملت تصاميم رمزية لأغصان الزيتون، ووثّق الرسام وليام أوربن المشهد في لوحته الشهيرة، التي يظهر فيها وودرو ويلسون وكليمنصو، بينما يوقّع الألماني يوهانس بيل. لم يكن هناك تصفيق، بل صمت ثقيل وضوء نهار يتضاعف في المرايا ليؤكد إذلال المهزوم في القاعة نفسها التي أُعلنت فيها الإمبراطورية الألمانية عام 1871.

كانت المعاهدة نصًا عقابيًا: نزع سلاح، واقتطاع أراضٍ، وفرض تعويضات، وإقرار بند ذنب الحرب. أما الولايات المتحدة، التي شاركت في صياغتها، فلم تصادق عليها أبدًا.

18 حزيران/يونيو 2026 – توقيع على مائدة عشاء

بعد 107 أعوام، لم يختر المنظمون قاعة المرايا، بل جناحًا آخر من القصر. استقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دونالد ترامب أمام الأبواب الذهبية، ثم اصطحبه في جولة خاصة داخل الأجزاء اللامعة من القصر. وقال ترامب للصحفيين: “I’m a fan of beautiful places”. وأُقيم العشاء بعد قمة مجموعة السبع، وقُدمت فيه أطباق اللوبستر والكافيار وآيس كريم الفانيليا.

وأظهر فيديو التوقيع طاولة مضاءة بالشموع، يوقّع عليها ترامب بقلمه الأسود الشهير، بينما يقف ماكرون ووزير الخارجية ماركو روبيو إلى جانبه، ويصفق الضيوف. ووصف روبيو اللحظة قائلًا: “A pretty key moment in history we are sharing together”. وأكد مسؤول أمريكي أن ترامب وقّع مذكرة التفاهم خلال العشاء مع ماكرون في قصر فرساي مساء الأربعاء، بينما وقّع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان رقميًا من طهران.

وليست المذكرة معاهدة نهائية، بل إطار عمل يمتد ستين يومًا. وهدفها تمديد وقف إطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز. وجاءت بعد أكثر من ثلاثة أشهر من الحرب. وفي المقابل، نصت على تخفيف العقوبات، وإنشاء صندوق لإعادة الإعمار بقيمة 300 مليار دولار، والتزام إيراني بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي.

لماذا يعود التاريخ إلى فرساي؟

لأن القصر ليس متحفًا فحسب، بل مسرحًا سياسيًا أيضًا. ففي عام 1919 أرادت فرنسا أن تقول إن الحرب انتهت حيث وُلدت الهيمنة الألمانية، وفي عام 2026 أرادت أن تقول إن حربًا أخرى يمكن أن تنتهي في المكان الذي انتهت فيه حرب عالمية.

والفرق الجوهري أن الأولى كانت توقيعًا على هزيمة؛ لذلك كان كل شيء ثقيلًا، من الرخام إلى النظرات. أما الثانية فكانت توقيعًا على مصلحة؛ لذلك بدا كل شيء أخف، من الشموع إلى الكافيار.

لم تغيّر فرساي جدرانها، بل غيّرت وظيفتها. مرةً جعلت المرايا شاهدةً على عقاب، ومرةً جعلتها خلفيةً ذهبيةً لعشاء سلام ما يزال هشًا.

فاطمة مقني، صحفية وإعلامية تونسية

فاطمة مقني صحفية وإعلامية تونسية متخصصة في الاتصال البيئة وملفات الطاقة والطاقات المتجددة، إضافة إلى الصحافة الاستقصائية وبرامج الشأن العام على المستويين الوطني والدولي. حاصلة على الإجازة في سياسات السوق من كلية العلوم الاقتصادية والتصرف بصفاقس، وتعمل في مؤسسة الإذاعة التونسية-إذاعة صفاقس حيث راكمت خبرة ميدانية وإعلامية عميقة في إنتاج وتقديم المضامين الإذاعية ذات البعد التنموي والمجتمعي. تركز في عملها على ربط الإعلام بقضايا البيئة والطاقة، مع إبراز دور الإعلام العمومي في خدمة المصلحة العامة وتقديم محتوى مسؤول يساهم في رفع الوعي وتحفيز الحوار المجتمعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى